صراعات الاقليم تنتقل إلى البحر الأحمر

يبدو ان موجات مرحلة ما بعد "الربيع العربي" وصلت الى البحر الأحمر والدول المتشاطئة حوله، الأمر الذي ينذر بتصعيدٍ يتخذ وجهة عسكرية..
2018-01-11

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك

عاد تركيز الانظار على جزيرة "سواكن" الصغيرة التي لا تزيد مساحتها عن 20 كيلومتراً مربعاً ترتفع 66 متراً فوق سطح البحر، وهي تقع على بعد 560 كيلومتراً شرقي العاصمة السودانية الخرطوم. وهذه إندثر الاهتمام بها منذ أكثر من قرن من الزمان، إثر إنشاء مرفأ بورتسودان على بعد 56 كيلومتراً شمالاً، وهو الذي حل محلها ميناءاً للبلاد. منطقة البحر الاحمر ليست أصلاً بعيدة عن الصراعات، وكانت شهدت تنافس القوى الكبرى عليها مثل بريطانيا وفرنسا وايطاليا وقبلها الإمبراطورية العثمانية. وفيما بعد، وخلال فترة الحرب الباردة، أصبح البحر الاحمر أحد مواطن الصراع بين المعسكرين بقيام الدول المتشاطئة بالانحياز الى هذا المعسكر أو ذاك، وخاصة في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. هذا بالطبع الى جانب تبعات الحروب العربية ــ الاسرائيلية، وكان إغلاق مضايق تيران في مدخل البحر الأحمر أحد الاسباب المباشرة لقيام حرب حزيران/ يونيو 1967.
على الرغم من وجود العديد من الدول العربية المطلة على البحر الاحمر، كالسعودية في شرقه واليمن في شرقه وجنوبه والسودان في غربه والصومال وجيبوتي في جنوبه ومصر والأردن في شماله، الا ان ذلك لا يجعله بحيرة عربية مغلقة، وذلك لاطلالة اسرائيل عليه في الشمال، وأرتريا، (وهي ليست دولة عربية) في جنوب غربه.

ممر استراتيجي

أهمية موقع هذا الممر المائي الذي تمتد شواطئه على مدى أربعة آلاف كيلومتر، هي في كونه رابطاً بين ثلاث قارات: أفريقيا وأسيا وأوروبا. ثم تتضاعف هذه الأهمية بسبب أنه ممر لأكثر من ثلاثة ملايين برميل نفط يومياً الى جانب العلاقات التجارية المتنامية لآسيا مع كل من أوروبا وأفريقيا.
حالة الاستقرار التي كانت تعيشها المنطقة الخليجية شرق البحر الاحمر إنعكست الى حد ما على شكل إستقرار نسبي في منطقة القرن الإفريقي رغم الاضطرابات التي عانت منها دول المنطقة ولكنها إنحصرت داخل حدودها أو في اشتباك محصور مع دول ثانية كما في حالة الحرب الاثيوبية ــ الارترية. حالة الاستقرار في منطقة الخليج كانت في واقع الأمر رد فعل على حالة التوازن والاستقرار النسبي الذي ميز النظام العربي في السابق، والى جداره إستند الخليج في حماية نفسه خوفاً من الاشتعالات الباردة والساخنة الممتدة وقتها من افغانستان الى حرب العراق وإيران والقرن الافريقي، وذلك من خلال التوافق على إنشاء مجلس التعاون الخليجي في مطلع ثمانينات القرن الفائت.
على أن ذلك الاستقرار النسبي المستند الى توافق هش حول الأمن القومي العربي بدأ في التصدع أثر غزو العراق للكويت في بداية تسعينات القرن الماضي، وهي العملية التي إكتملت بحدوث إنهيار كامل في منظومة الأمن العربي بخروج كل من العراق وسورية وكذلك عملياً مصر من دائرة التأثير الاقليمي، وهو الفراغ الذي سعت بعض الدول الخليجية الى ملئه مستخدمة قدراتها المالية وعلاقاتها الدولية.


اقرأ أيضاًً: السودان.. التخلي عن سيادة محدودة من أجل التنمية؟


أحد مظاهر هذا التحرك هو الوجود العسكري بمختلف الأشكال في المنطقة خاصة من قبل الامارات العربية المتحدة التي أصبح لها وجود في "ميون" اليمنية التي يمكن أن تؤثر في في باب المندب على مدخل البحر الاحمر، وكذلك على الجانب الغربي حيث الوجود العسكري الإماراتي في "عصب" من خلال إستئجار قاعدة لمدة 30 عاما، هذا الى جانب معلومات متناثرة عن وجود عسكري إماراتي في أرض الصومال.
من ناحيتها، عملت جيبوتي على إستغلال موقعها الجغرافي والاستراتيجي من خلال الموافقة على تأجير مواقع فيها للراغبين، مما يعود بملايين الدولارات سنوياً تدخل الى خزينتها. فالى جانب القاعدة الامريكية القديمة، وتلك الفرنسية، هناك وجود عسكري لإيطاليا وحتى اليابان والصين وكذلك هناك موافقة مبدئية لوجود عسكري سعودي.

الحضور التركي

على ان هذا النشاط إكتسب بعداً جديداً بظهور تركيا على ساحة البحر الاحمر من خلال عملها على توفير تدريب عسكري في الصومال، كجزء من طموحاتها في استعادة سلطان الامبرطورية العثمانية. ويمكن النظر الى العرض التركي بأعادة إحياء ميناء سواكن وتهيئته لإستقبال السفن المدنية والعسكرية في هذا الاطار، وهو ما دفع البعض، خاصة في مصر، الى الحديث عن إنشاء قاعدة عسكرية تركية في سواكن.
وخلال زيارته الى ذلك الميناء القديم،  التي إستغرفت بضع ساعات في أواخر كانون الاول/ ديسمبر الماضي، تحدث أردوغان عن تاريخ سواكن وعزمه الى إعادتها الى سيرتها الاولى مرفأ للحجاج، خاصة الاتراك، ومعهم الافارقة الذين ينطلقون من سواكن عبر البحر الأحمر الى ميناء جدة، بل وتحدث عن إمكان تحويلها الى نقطة جذب سياحي بعد ترميم بعض الآثار العثمانية مثل قصر الشناوي، وتناول كذلك ما يتعلق بالأنشطة الأخرى مثل رياضة الغطس ووجود الكثير من الشعب المرجانية التي تجذب المهتمين. التقديرات تشير الى ان عملية أعادة تأهيل ميناء سواكن وترميم أثارها يمكن أن تكلف 650 مليون دولار التزمت بها تركيا.


اقرأ أيضاً: صفقة دبي العالمية لإدارة ميناء "بربرة" الصومالي


لكن البعد السياسي للوجود التركي يثير قلقاً إقليمياً، خاصة في مصر والإمارات والسعودية، حيث يواجه ميناء سواكن جدة على ساحل البحر الأحمر الشرقي. يضاف الى ذلك وضعية تركيا كلاعب إقليمي بسبب ثقلها الاقتصادي ووضعها الجيوستراتيجي بين أوروبا وآسيا وعلاقاتها الدولية كعضو في حلف الأطلسي، الى جانب تاريخها العثماني وأيدولوجية النظام التركي الحالي الاسلامية وعلاقته بجماعات الإسلام السياسي مثل الاخوان المسلمين التي تناصبها مصر والدول الخليجية (عدا قطر) العداء.
وساعد في اشتعال الوضع أن زيارة أردوغان الى السودان وفرت إرادة سياسية للتعاون بين البلدين الى أقصى مدى، عبر تأسيس مجلس للتنسيق الاعلى بين البلدين تحت قيادة الرئيسين وهدف محدد عين برفع حجم التبادل التجاري بينهما من 500 مليون دولار الى 10 مليار دولار. وتزامن مع الزيارة إجتماع لرؤساء هيئات الاركان في كل من السودان وتركيا وقطر، الامر الذي عزز من فكرة التنسيق العسكري بين الدول الثلاث.

ما يعطي البحر الأحمر أهمية اضافية، هو كون القارة الإفريقية تتمدد على جانبه الغربي وهي تمثل ميداناً آخر للتنافس والصراع سواء على الموارد أو المواقع، بل وحتى للتسابق على المجموعات السكانية المسلمة في مختلف الدول الافريقية

وعلى الرغم أن السودان أوضح ان زيارة المسؤول العسكري القطري كانت مخططة مسبقاً لإفتتاح الملحقية العسكرية في السفارة، وأن الفترة نفسها شهدت زيارة واجتماعات لمسؤول عسكري سوفياتي كبير كذلك لقاء مع مساعد وزير الدفاع السعودي، إلا أن تلك التفسيرات لم تخفف من حملة الشكوك التي صاحبت زيارة أردوغان وتعود في أساسها الى حالة الشقاق والضعف التي تلم بالعالم العربي، وأبرز ملامحه أنه طال مجلس التعاون الخليجي نفسه الذي قام أساساً لمواجهة الأخطار الإقليمية والدولية التي تواجهها المجموعة، حيث أصبحت تلك الأخطار في حديقتها الخلفية كما في الحرب التي تدور في اليمن، وتعكس صراعا آخر مع إيران.
وما يعطي البحر الأحمر أهمية اضافية، هو كون القارة الإفريقية تتمدد على جانبه الغربي وهي تمثل ميداناً أخر للتنافس والصراع سواء على الموارد أو المواقع، بل وحتى التسابق على المجموعات السكانية المسلمة في مختلف الدول الافريقية. وهكذا يبدو ان مرحلة ما بعد "الربيع العربي" وصلت موجاتها الى البحر الاحمر والدول المتشاطئة حوله، الامر الذي ينذر بتصعيد يتخذ وجهة عسكرية.


اقرا أيضاً: الإمارات في اليمن والأدوار المثيرة للجدل


مقالات من السودان

للكاتب نفسه

واشنطن لاعب رئيسي في السوق النفطية

هل يعدل الفائض النفطي الامريكي المنتَج محلياً من الصفقة التي عُقدت بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز في 1943: تضمن واشنطن أمن السعودية مقابل تأمين الاخيرة لاحتياجات الولايات المتحدة النفطية.