"رام الله دوك" والبيت المهدوم وسيلفانا الشوكولاتة

على مدار سنين طويلة، كتبتُ عن البيوت التي هُدمت بسبب عدم ترخيص أو تصريح، لم أتخيّل مرّة أن أستيقظ على أخبار هدم بيتي.. أنا! بيتي، الذي حلمت ببنائه في الأغوار المحيطة بأقدم مدينة في العالم.

2017-10-22

امتياز دياب

كاتبة من فلسطين


شارك

طيب، ليش؟

تستيقظ في الصباح على جدران البيت مكوَّمة على قطعة الأرض الصغيرة التي حلمت طوال سنين عمركَ أن تكون بيتك.
على مدار سنين طويلة، كتبتُ عن البيوت التي هُدمت بسبب عدم ترخيص أو تصريح، لم أتخيّل مرّة أن أستيقظ على أخبار هدم بيتي.. أنا! بيتي، الذي حلمت ببنائه في الأغوار المحيطة بأقدم مدينة في العالم وأكثرها انخفاضاً عن سطح البحر. رأيت نفسي في حديقتها أقطف الليمون والبرتقال، أستظلّ في فيئها وأستقبل الأصدقاء المقربين في سهرة على ضوء القمر الكبير الذي لا يشبهه قمراً آخر.
أستيقظ على طنين النحل الباحث عن رحيق أزهار شجرة السدر، أغسل وجهي بماء تدفَّأ بشمس الشتاء، ملجأ انطونيو عشيق كليوباترا الذي حمل لحبيبته جرار الملح من الأغوار، وهيلانة التي بنت مغطس المسيح قرب المغارة التي صعد منها إلى السماء.
رأيتُ نفسي أقفل باب البيت، وأتمشى جهة البحر الميت، مستنشقة الهدوء الذي ما زال آمناً من جحافل السيارات ودخانها.
أشرب الشاي على سطح بيتي، في انتظار الغروب الوحيد الذي يبتلع لون السماء الأزرق دون استحياء، يلوّنه بألوان الأرجوان النارية حتى يذوب قرص الشمس الأصفر.
لم يكن بيت حلمي قد تكاملت جدرانه الطينية التي أردتها تماماً تحاكي في وداعتها الجدران التي عشقها المهندس المصري حسن فتحي، المهندس الذي بنى أول بيت طيني في الحي الذي يبعد عن بيتي بضع مئات من الأمتار.
ما زلتُ أذكر ضربات قلبي، وأنا أقف أمام جدران البيت الذي بناه حسن فتحي، قرب العوجة، بعد النكبة الكبرى، حين أتى ملبياً صراخ اللاجئ الفلسطيني الذي وقف وسط الصحراء من دون سقف يقيه حرّ الصيف أو قيظه.. رأيت أصابع المهندس حسن وهي تتحسس التراب الرملي الجاف، رأيتُ أصابعه وهي تجبل التراب وتحوّله إلى طين، رأيتُ أصابعه وهي تحمل الطين الذي جفّ وتحوّله إلى حجارة، رملية اللون.
قالت الصحافية الشابة أن ثلاثة بيوت تهدّمت تحت خبطات الجرافة الاسرائيلية، على أساس أن البيوت الثلاثة تقع في منطقة ج أو (C).
تحول بيتي الى حرف من الحروف الثلاثة، التي ترقى مع إحداها أو تختفي..A,B,C
أو ألف، باء، جيم...
اختفى بيتي من الوجود مع حرف C أو جيم، أي أننا من الطبقة الثالثة، أنا وبيتي.

 

قالت له أمه "كُلّ حبة شوكولاتة كلما عنّ للدموع أن تنفر من عينيك. إن من يأكل الشوكولاتة لا يبكي". وتحوّلت قبضة الحلوى إلى مصنع سيلفانا للشوكولاتة، وشكّل ذاكرة جماعية للفلسطينيين والأرمن أينما حلّوا، في فلسطين والمهجر، تماماً مثل ذاكرتهم الجماعية مع الزعتر والزيتون..

 

قيل لنا أننا مواطنون من الدرجة الثالثة في هذا البلد، بعد اليهود الأشكناز واليهود العرب، ثم يأتي دورنا نحن العرب، ثم أتى اليهود من روسيا، وسقط العرب من الفلسطينيين إلى الطبقة الرابعة في الأسفل.
لم أسمع الأخبار في الأمس، أو في الأسبوع الأخير. كنت مشغولة بمقابلة المنتجين الذين أتوا من كندا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا وأميركا.. ليختاروا افلاماً من صنع مخرجات ومخرجين فلسطينيين، في "Ramalla doc" ومؤسسة القطان، برعاية المركز الثقافي الفرنسي والألماني.
كان الأمس احتفالاً رائعاً للجميع، حضره عشرات من عشّاق السينما والصورة. خبأتْ عائلتي عني خبر هدم بيتي الذي حلمت بطينه سنين، حتى جمعنا مالاً قليلاً لفتح نوافذه نحو الغرب، ليستقبل هواءً محملاً بملح البحر الميت الذي جُففت مياهه وتسلقت إلى التلال التي احتلتها المستوطنات الخضراء.
لم أكن أعلم عندما طلبتُ من الحضور التصفيق لكي أغسل اضطرابي الذي تجمّع في أوصالي من مواجهة آرائهم في قصتي التي عرضتها عليهم... لم أكن أعلم وأنا أضع علبة شوكولاتة سيلفانا بين يدي الشابة الفرنسية كُلُوي التي مثلت القنصلية الفرنسية أمام الحضور، وطلبتُ منها أن تتذوق حبة منها قبل أن تنقل العلبة إلى باقي الحضور.. سيلفانا التي أتت فكرتها من هارب من تركيا من المذبحة الأرمنية. قالت الأم لابنها اليافع: "أهرب إلى بيت لحم.. هناك ستحميك العذراء..".
وهرب. هرب إلى بيت لحم مشياً على الأقدام، حاملاً في جيبه كلّ ما يملك. قالت له أمه: "كُلّ حبة شوكولاتة كلما عنّ للدموع أن تنفر من عينيك. إن من يأكل الشوكولاتة لا يبكي". وتحوّلت قبضة الحلوى إلى مصنع سيلفانا للشوكولاتة، وشكل ذاكرة جماعية للفلسطينيين والأرمن أينما حلّوا، في فلسطين والمهجر، تماما مثل ذاكرتهم الجماعية مع الزعتر والزيتون..

هكذا أيضاً قالت لي أم سجين فلسطيني، عندما التقطتها في سيارتي من طريق مقفر. سألتني: "هل تريدين حبة شكولاتة؟"، قالت لي وهي تتناولها من جيبها: "أعذريني، انا آكل الشكولاتة لأنني ذاهبة لزيارة ابني في السجن، ولا أحب البكاء أمامه، الذي يأكل شكولاتة لا يبكي".
بكيت أمامها وبكيت اليوم، ولم يتبق في علبة سيلفانا الشكولاتة حبة لتكفكف دمعي على بيتي.
أردت أن أكتب إلى السينمائيين، حنا عطا الله وكاثي دو هان وتوماس شيلي وجوني اندرسون وكلوي تومان ومنى ومحاسن ومي وديما ودينا وطلال ومهند وسماهر ومريم ومايكي وديرك ودبرا وبول ولينا ومحمود ويزيد ودرويش ومارك وفؤاد وآنا ليندا... وآخرون، عشرات أو مئات ممن حضر وممن غاب.. لكنني لا أستطيع إتمام حكايتي، فعلبة سيلفانا الشكولاتة فارغة. نحن بحاجة إلى مصنع لملئها من جديد وتوزيع حبّاتها على كل باكٍ مكسور الجناح ومهجّر من البيت الذي تهدم.
ابكيك بيتي في هذا الصباح..
قالت قارئة الأخبار بأن الهدم تبعه استنكار من المنظمات الأممية، وشاهدت صور البيت مدفوناً في حفرة الأساس، تمددتْ فوقه قضبان الحديد وقطع الخشب، تحوّلت حجارة الطوب إلى تراب، أخذته زوبعة رملية معها إلى مكان بلا عنوان.
حضرتني مكالمة ساخطة من المنتجة الأميركية ديبرا زمرمان، وقالت قلقة بأن خالتها سقطت في غرفتها في أحد بيوت المسنين في تل أبيب. سألتها متعاطفة: "هل هي وحدها دون اقرباء؟". قالت لا أحد معها، وأنا أسكن نيويورك، لا يمكنني السكن في مدينة مثل هذه التل أبيب. أخذت كلماتها على أنها تضامن معي بطريقة ما..
لم أكن أعرف أن جرافات من حديد أسقطت بيتي من سريره الطيني، لم أكن اعرف أن بيتي سقط وحيداً دون رفيق أو عين تسهر عليه أو يد تجرؤ على إنقاذ أضلعه من السقوط على أساساته الجديدة.
هاتفتُ صديقي يزيد أبو خضير ونقلت له الخبر، قال لي: "على الله العوض!".
بداية أزعجني التضامن البارد من قريب الشهيد الطفل محمد ابو خضير، لكنني سرعان ما فهمت. هذا ما يعنيه الصبر والصمود.. علينا العوض.
ثم تذكرت تضامني البارد مع ديبرا بسقوط خالتها عن السرير، واعتبرت الصمود الذي عُجنتُ أنا به من دون أن أدري، أنه يشملها ايضا.
وبدأتُ اسأل في أي ساعة من ساعات الصباح تكسرتْ عمدان بيتي؟
أتتْ الإجابة: وما الفرق، إذا ما كان في الظهيرة أو في الصباح؟
قلتُ: في الحقيقة لا شيء، أردتُ معرفة إذا ما كان.. لا شيء.. ربما لو.. اعني فقط أردتُ أن أعرف.

مقالات من رام الله

فلسطين: كيف نهزم أنفسنا؟

هؤلاء ينتمون الى الهزيمة، بنية وأفكاراً وسلوكاً. وهي - هذه وليس أي شيء آخر - أزمة العمل الوطني الفلسطيني. هذا ما يحددها وليس صعوبة معطيات المسألة الفلسطينية أو تعقيدها الشديد...

نساء يكتبن المعتقل: عن الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال

تجربة أسيرة فلسطينية من مخيم "جنين" أمضت عشر سنوات في المعتقل، وذاقت صنوف التعذيب الشديد لأنها كانت مقاوِمة، وكذلك حقداً على مخيمها المقاوِم.. وإشارات إلى معاناتها في مجتمعها بعد تحررها...

للكاتب نفسه

عصير اللوز هو مَرامهم

جزء من تأريخ لمدينة القدس عبر قصص يتذكرها أهلها، تروي كل حجر وكل زقاق، وتروي أساليب السلب والاستيلاء الممارسة من قبل اسرائيل.

الأميرة الهاربة من الشرق وإليه

..تصف حياتها في الغرب، والعقلية الغربية والعادات. تتحدث عن صعوبة العيش مع الآخر الذي كوّن فكرة راسخة عن المجتمعات الشرقية، تعبر عن دهشتها لاستغلال عمال المناجم وفقرهم في اوروبا، وبالمقابل...

هل تعرفون سلافة الحجاوي؟

إمرأة في الثالثة والثمانين، ولدت في نابلس ورحلت الى بغداد في النكبة وتعيش اليوم في رام الله. كانت  أول من ترجم أشعار "كفافيس" لقراء اللغة العربية، وترجمتْ "لوركا" كما "ت....