بين العراق وكردستانه: المناطق المتنازع عليها أينعت..

قوات الحكومة العراقية المركزية تسيطر بلا قتال على "المناطق المتنازع عليها" وتجبر البشمركة على الانسحاب الى حدود 2014، وحكومة بغداد تعتبر ذلك حسم للموقف وإنهاء واقعي لتبعات الاستفتاء
2017-10-19

زاهر موسى

شاعر وإعلامي عراقي


شارك
غسان غائب - العراق

يتحدث سياسي يمثل إحدى اقليات العراق الدينية عن منطق القوة والضعف في جلسة يتبادل المتحاورون فيها الأسى. الغرفة الضيقة ألقت على الدردشة صراحة مختنقة. يتحدث عضو مجلس النوّاب العراقي القادم من شمال نينوى عن عدم فهم قادة إقليم كردستان العراق لخطر الاعتماد على ضعف خصومهم. يؤكد بحرقة أن بغداد الضعيفة اليوم لن تبقى كذلك طويلاً: لن يُسكَت عن تمدد الاقليم خارج حدوده الادارية، مبتلعاً المسيحيين والتركمان والشبك والآيزيديين والعرب السنة.. فرصة البوح هذه سبقت استفتاء كردستان الذي اقيم يوم 25/9/2017 والذي لا يبدو ما بعده مشابهاً لما سبقه سياسياً واجتماعياً.
سكت دستور العراق الذي أقر منتصف العقد الماضي عن تسمية المناطق التي وصفها ب"المتنازع عليها"، فيما حاولت بعثة الامم المتحدة الى العراق (يونامي) حصر هذه المناطق، من باب وصف المشكلة على الأقل، وذلك في تقرير لها عام 2009. بشكل عام، كان الحديث عن مناطق تتنازعها حكومة إقليم كردستان العراق مع محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى وواسط، أمراً غير صادم حتى عام 2014.. حينها تعرّف العراقيون على مساحة إقليم كردستان العراق التي تضاعفت حتى بلغت 40 في المئة من مساحة العراق تقريباً. شاهد الجميع القادة الكرد وهم يتحدثون عن "الحدود التي تُرسم بالدم" وعن عدم الحاجة لتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي. كان المشهد مروعاً بالنسبة لبعض من يسكنون المناطق التي سيطرت عليها لتوها البيشمركة.
"المادة 140" مصطلح يشير الى الاجراءات التي كان يجب على حكومة العراق إتمامها في المناطق التي تحاذي اقليم كردستان العراق وتخضع لتمدده اليوم. سكرتير الحزب الشيوعي العراقي كان رئيساً للجنة تنفيذ هذه المادة الدستورية على مدى سنوات، وهو برّر عدم تطبيق المادة خلال العقد الماضي بحجج كثيرة أهمها عدم تخصيص أموال لتعويض العرب السنة ممن يسكنون هذه المناطق مقابل مغادرتهم لها كما تنص المادة الدستورية. إذ يفترض، بحسب الدستور العراقي، أن نظام حزب البعث ــ خلال خمسة وثلاثين عاماً هي فترة حكمه ــ  قام بتعريب هذه المناطق عبر طرد الاكراد وإحلال العرب السنة محلهم. مرّت الاعوام ولم يتحقق الكثير من إجراءات التطبيع هذه. غالبية من يسكنون هذه المناطق رفضوا مغادرتها ورفضوا ضمناً مبلغ العشرين مليون دينار عراقي الذي كان يُمنح كتعويض. هذا المبلغ لم يكن يصرف بسهولة لمن يرغب به في اعوام 2006 و2007 و2008، بسبب البيروقراطية أو رغبة بعض المتنفذين في عرقلة العملية، كما انه لم يعد يحمل القوة الشرائية التي كانت له حينما تم اقراره كتعويض.

 

قصة كركوك

 

أهم المناطق المتنازع عليها بين اقليم كردستان وبقية العراق هي محافظة كركوك. لم تشهد هذه المحافظة انتخابات محلية سوى مرة واحدة خلال عقد ونصف، لأسباب تتعلق بصراع جميع الاطراف عليها. المحافظة النفطية الأهم في نصف العراق الاعلى شهدت تصفيات جسدية كثيرة كان ضحيتها السياسيين المحليين والوجهاء وشيوخ القبائل من العرب السنة وبدرجة اقل التركمان والأكراد. وعلى الرغم من أن غالبية مساحة كركوك يسكنها التركمان والعرب، الا ان الكثافة السكانية في مركز كركوك هي من حصة الاكراد، يقاربون فيها نصف عدد السكان، بالاضافة الى المناطق الاغنى بالنفط التي وُضعت عليها اليد الكردية بدقة. وعلى الرغم من اصرار الساسة الكردستانيين على كردية كركوك الى درجة وصفها ب"قدس الاكراد"، على لسان جلال طالباني الرئيس العراقي الراحل، إلا أنهم لم يستحوذوا عليها بالكامل حينما سنحت لهم الفرصة. مع سقوط الموصل بيد داعش، في النصف الثاني من عام 2014، أجبرت قوات البيشمركة قطعات الجيش العراقي على تسليم اسلحتهم والانسحاب من المدينة. وعلى الرغم من أن ثلث المحافظة كان بيد تنظيم داعش حتى تحريره قبل أسابيع، إلا أن البيشمركة لم يتجهوا يوماً، خلال أعوام ثلاثة، لتحرير تلك الأرض.. فسكانها عرب، ونفطها قليل على اية حال!

 

أهم المناطق المتنازع عليها بين اقليم كردستان وبقية العراق هي محافظة كركوك، حيث لم تشهد هذه المحافظة انتخابات محلية سوى مرة واحدة خلال عقد ونصف، لأسباب ..تتعلق بصراع جميع الاطراف عليها

 

وشهدت كركوك عبر السنوات إرتفاعاً هائلاً بعدد الولادات المسجلة فيها، وقد فسّر بعض الساسة الامر على انه احتيال. يشير سياسي تركماني الى أن عدد كبير من النساء الحوامل في إقليم كردستان يأتين الى كركوك للانجاب وتسجيل الاطفال في المحافظة. تشهد آبار النفط في كركوك ــ مدينة النار الازلية كما تُلقّب ــ سيطرة واضحة لحزبي "الاتحاد الوطني" و"الديمقراطي" الكردستانيين، ويغلب على قوى الأمن المعروفين بـ "الاسايش" الانتماء لحزب الاتحاد الذي اسسه جلال طالباني، ويهيمن بالاضافة الى كركوك على محافظتي السليمانية وحلبجة. من جانب آخر، تنتشر في المدينة مقرات لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا، بالاضافة الى شقه الآخر من الجانب الايراني، "حزب الحياة الحرة".


اقرأ أيضاً: الانفصال.. المشنقة الكردية للإفلات من التاريخ


تنقسم الاقلية التركمانية في كركوك وأماكن أخرى، سياسياً وطائفياً. التركمان الشيعة أقرب ل"حزب الدعوة الاسلامية" و"منظمة بدر"، أما التركمان السنة فينضوون تحت مسمى "الجبهة التركمانية" وهم يمتلكون علاقات إستثنائية مع تركيا. العرب السنة في المحافظة الملغومة يسكنون في جنوبها الشرقي وتغلب على مناطقهم صفة الريف، وقد شهدت هذه المناطق انتشاراً ملحوظاً لعمليات ارهابية يقف خلفها بعثيون و"تكفيريون". وكانت الشرارة التي أيقظت مسلسل الرعب في العراق عام 2013 وحتى اللحظة هي المصادمة بين معتصمين وقوات عسكرية حكومية في الحويجة.

 

.. وبقية "المتنازع عليها"!

 

يمتد شريط المناطق المتنازع عليها من الشمال الغربي للعراق حيث قضاء "سِنجار" الآيزيدي في غالبه، ونزولاً حتى منطقتي "بدرة" و"جصان" جنوبي العراق. ليست كل هذه المناطق بالاهمية السياسية والاقتصادية ذاتها، فكركوك في المقدمة بسبب النفط على الأرجح. سهل نينوى الذي يقع شمال وشمال شرقي الموصل، حيث تستقر الأقليات المسيحية والشَبَك، لم يرقَ في اهتمام إقليم كردستان إلى درجة إشراكه في عملية الاستفتاء التي تشتعل أزمته حالياً. مدينة "طوزخورماتو" في "صلاح الدين" تركمانية في غالبها، وهي عبر السنوات أكثر المدن تصادماً ما بين الاكراد والتركمان في مشاحنات عرقية دموية. اما مناطق الكرد الفيلية شرقي "ديالى" فقد اتضح للكثيرين مزاجها الشيعي الذي يغلب على إنتمائها القومي اليوم، وذلك من خلال الفصائل المسلحة التي تشكّلت لتقاتل داعش بعيدا عن البيشمركة. بل ان مجلس محافظة ديالى رفض بشدة المشاركة في الاستفتاء الكردي.



عاش سكان المناطق المتنازع عليها سنوات كئيبة منذ الإحتلال. شهدت مناطقهم سلطات متعددة وقوى أمن متقاطعة ومليشيات تضمر العداء لبعضها البعض. المعاملات القانونية المتعلقة بالعقارات وإصدار الوثائق متلكئة في غالبيتها، إن لم تتوقف، مع أفضلية واضحة للاكراد على حساب الأعراق والإثنيات الأخرى. مواجهة الاحتلال والصراع مع الإرهاب لم تكن خيارات تلك المناطق دائماً، على الرغم من حضوره بقوة. السبب يراه الكثيرون مرتبط بالقادمين من محافظات أخرى والذين كانوا يجدون في المناطق المتنازع عليها فراغاً امنياً ليس فيه تنسيق بين بغداد وإقليم كردستان.. بالإضافة الى الاستعمال السياسي الخفي للإرهاب.
يبدو ما عاشه أكراد سوريا فيما يخص ضياع الهوية، وكذلك البدون في الكويت، أمراً قابلاً للتحقق في المناطق المتنازَع عليها في العراق. يأتي هذا الاحتمال ثانياً في حال لم يحدث الاحتمال الأول، وهو الحرب الدامية وشديدة التعقيد.

مقالات من العراق

الصيف في البصرة.. خراب ممتد وتظاهرات

ليث ناطق 2019-07-28

في البصرة 18 موقعاً ملوثاً إشعاعياً لم تُعالج حتى الآن، وفيها أيضاً مليار و300 مليون متر مربع غير مطهر من المخلفات الحربية. عدا تردي الأوضاع الصحية والتعليمية والأمنية وعدا البطالة....

للكاتب نفسه