السودان.. وأخيراً فعلها ترامب

كيف تتغير اعتبارات الدول الكبرى في تعاملها مع سائر العالم.. هنا عرض لعناصر قرار رفع العقوبات عن السودان الذي اتخذه الرئيس الأميركي خلافاً لكثير من التوقعات.

2017-10-14

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
إبراهيم الصلحي - السودان

رغم تتالي الإشارات بأن الادارة الاميركية في طريقها الى تنفيذ وعدها برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ عقدين من الزمان، الا ان القلق كان سيد الموقف مخافة الاّ تتم الخطوة المنتظرة بسبب طبيعة الرئيس ترامب المتقلبة، وخاصة أن وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، لا يحظى بثقة الرئيس، وهو الذي يُفترض به أن يقدم تقريراً من الادارات المختلفة عن مدى وفاء السودان بالتزاماته تجاه المسارات التي تمّ الاتفاق عليها. ثم وقعت في أيلول/ سبتمبر الفائت حادثة معسكر "كلما" للنازحين من دارفور، أثناء احتجاجات لهم على زيارة الرئيس عمر البشير له، وقد نجم عن الاشتباك مقتل وجرح بعض النازحين.. وكان ذلك في أسوأ توقيت ممكن.
وعلى الرغم من تلك الحادثة، أزيل بعدها مباشرة اسم السودان من قائمة الدول التي يحظر على مواطنيها السفر الى الولايات المتحدة الأميركية. وكان السودان ضمن قائمة الدول السبعة الاولى وكذلك الثانية التي حذف منها العراق. لم يفهم سبب ولم يرد تفسير لإزالة اسم السودان هذه المرة، إذ لم يتغير شيء خلال الفترة التي سبقت القرار. لكن الخطوة اعتبرت مؤشراً على أن واشنطن تتجه الى رفع العقوبات، خاصة إذا قرأت مقرونة بالخطوة الاخرى، وهي الغاء حق السودانيين بالتمتع ببعض الاجراءات الاستثنائية في الاقامة القانونية في الولايات المتحدة بسبب المخاطر التي يتعرضون لها في بلادهم. وقضى الإجراء بأن يسعى السودانيون إلى تسوية أوضاعهم واعطائهم فترة لذلك حتى نهاية العام المقبل.
على أن أكبر هموم الخرطوم كانت تتمثل في أن كل تحركات ترامب تبدو مدفوعة بأمر أساسي وهو الغاء أي سياسات اتخذها سلفه باراك أوباما. والسعي الى التطبيع مع نظام الرئيس عمر البشير كان أحد المبادرات التي أتخذها أوباما في آخر أيام إدارته، إثر تفاوض مديد بين الطرفين، مع ملاحظة أن الخطوة تندرج في إطار أوسع يتعلق بمراجعة فكرة الحظر الاقتصادي والعقوبات كوسيلة لممارسة السياسة الخارجية الاميركية، مثلما حدث مع إيران وكوبا.


اقرأ أيضاً : السودان يفتح أراضيه للاستثمارات الأجنبية؟


واتخذ ترامب فور وصوله الى الرئاسة نهجاً مغايراً، إذ ألغى الترتيبات التي تم التوصل اليها مع كوبا وظل يصف الاتفاق مع إيران على انه الأسوأ بالنسبة لأميركا. لكن لم يحدث ضم الخرطوم إلى المثالين السابقين، وربما يكون التفسير أن السودان لا يقع في أعلى قائمة القضايا التي يهتم بها ترامب، ولم يكن قضية انتخابية كما هو الحال مع إيران وكوبا.. فكان أن ترك أمره إلى مسؤولي الأجهزة من الخارجية والبنتاغون ووكالة الاستخبارات الأميركية، وهم الذين قرروا أنه من المفيد لهم البناء على الأساس الذي وضعه أوباما، والتوصية برفع الحظر نهائياً. فتم الاعلان عن ذلك قبل أسبوع من التاريخ المحدد رسمياً لذلك. ولعبت الدول الخليجية وخاصة السعودية وإيران دوراً في الدفع باتجاه رفع العقوبات.. بل وهناك تسريبات في الصحافة الاسرائيلية عن دور لتل أبيب في المسعى!

 

ردود الفعل

 

أول رد فعل على القرار كان التحسن في سعر صرف الجنيه، العملة الوطنية، مقابل الدولار الاميركي، وفتح المجال أمام المصارف السودانية للتعامل مع الجهاز المصرفي العالمي الذي حرمت منه، وبشكل مشدد خاصة خلال السنوات الثلاث المنصرمة عندما أنزلت واشنطن عقوبات قاسية على بنك "باريبا" الفرنسي لتعامله مع السودان وإيران، الامر الذي دفع بالكثير من البنوك، حتى الخليجية منها، الى الغاء تعاملاتها مع السودان الذي اضطر الى القيام بإجراءات استثنائية وغير عادية للوفاء بالتزاماته المالية مثل إرسال موظفين يحملون حقائب تحتوي على مبالغ نقدية لدفع قيمة اشتراكاته في المنظمات الدولية.

 

تعاون السودان في "مكافحة الارهاب" لم يبد سبباً كافياً لتفسير التوجه الجديد لواشنطن مع الخرطوم، ففي تقرير "مجلس الاطلسي" بعض النقاط الاستراتيجية التي ترد لأول مرة في تقارير أميركية، مثل ضرورة الاهتمام بالوضع الجيوستراتيجي للسودان، وعدم قصر العلاقة على مجهر دولة الجنوب التي انفصلت بدعم مباشر من أميركا..

 

كذلك فتح الرفع النافذة أمام بعض الشركات الأميركية لتطل على السوق السودانية العطشى لهذا النوع من الاستثمارات. وأعلن وكيل شركة سكافكو الأميركية المتخصصة في بناء الصوامع أنهم يرغبون في بناء 16 صومعة لتخزين الغلال بطاقة 1.1 مليون طن من الحبوب. كما يتوقع أن تعلن بعض الشركات الأميركية عن وكالات لها لدى الشركات السودانية وتفعيل الاتفاقيات المبدئية التي تم التوصل اليها مؤخراً، مثلما هو الحال مع شركة الآلات الثقيلة ومنها الحاصدات الزراعية "كاتربيلر" وغيرها.
ويعتبر رفع العقوبات الخطوة الاولى للبحث في ملفين أكثر أهمية، أولهما رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب التي وضعته فيها إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون في العام 1993، بينما وفي الاثناء أصبح السودان عضواً نشطاً في ملف "مكافحة الارهاب" إلى الدرجة التي أدت الى تناقض في تقارير وزارة الخارجية الأميركية السنوية حول الإرهاب، اذ تشيد في جزء منها بتعاون السودان في مكافحة الارهاب في الوقت الذي تبقيه في قائمة الدول الراعية له!

 

تقرير مجلس الأطلسي

 

وتلقّى السودان دعماً معنوياً مهماً من خلال تقرير "مجلس الاطلسي"، وهو مركز أبحاث أميركي مستقل. صدر التقرير في تموز/ يوليو الماضي بعنوان "استراتيجية لإعادة الارتباط والتعاطي مع السودان" وشارك في إعداده بعض السفراء الذين عملوا في السودان من قبل. ومن التوصيات التي اقترحها، البدء بأسرع ما يمكن في إجراءات رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي خطوة تحتاج إلى ستة أشهر من بدء المراجعة التنفيذية، وإخطار الكونغرس بذلك. واعتبر أن رفع العقوبات الاقتصادية يهيئ أجواء أكثر إيجابية للتعاطي مع هذا الملف. كما أنه يفتح الباب أمامه للاستفادة من مبادرة إعفائه من ديونه التي تجاوزت 50 مليار دولار، بسبب تراكم الفوائد التي فاقت أصل الدَين. فمن الآثار الجانبية للوجود في قائمة "الدول الراعية للإرهاب" اعتراض واشنطن التلقائي على أي تخفيف أو مزايا، على الرغم من قيام السودان باستيفاء الشروط الفنية الخاصة بإعفاء الديون كما جاء في تقارير عديدة لصندوق النقد الدولي، مما أوضح بصورة جلية البعد السياسي في هذه القضية.


اقرأ أيضاً: إعادة اكتشاف غربية للسودان


عانى السودان من العقوبات والحصار الذي بدأ مع إدارتي كلينتون ثم جورج بوش الذي قام بتغليظ تلك العقوبات خلال سنوات حكمه الثمانية، بسبب اشتعال أزمة دارفور وقتها، ثم جاءت إدارة أوباما وأسهمت بقرارتها الخاصة بتغريم المصارف التي تتعامل مع الدول الموضوعة على لائحة الارهاب في إبعاد السودان عن النظام المصرفي العالمي.
تعاون السودان في "مكافحة الارهاب" لم يظهر فيما يبدو أنه سبب كافٍ لوحده لتفسير التوجه الجديد لعلاقات واشنطن مع الخرطوم. ففي تقرير "مجلس الاطلسي" ذاك بعض النقاط ملفتة للنظر وتمتلك بعداً استراتيجياً يرد لأول مرة في تقارير أميركية، مثل ضرورة الاهتمام بالوضع الجيوستراتيجي للسودان والنظر اليه عبر المتغيرات الاقليمية وعدم قصر العلاقة بمجهر دولة جنوب السودان التي انفصلت من الدولة الأم بدعم مباشر من الولايات المتحدة. وللتأكيد على الأهمية الجيوستراتيجية للسودان، تحدث التقرير عن مشاركة السودان في حرب اليمن واستقباله لنحو 375 ألف لاجئ من جنوب السودان، الى جانب 100 ألف من سوريا. كما أشار التقرير الى المجاعة التي تضرب منطقتين في جنوب السودان وأجزاء من الصومال، وإلى كون أثيوبيا تعيش حالة طوارئ مديدة علاوة على تعقيدات سد النهضة، والى التوتر في كينيا، الامر الذي يُبرز الاستقرار النسبي الذي يعيشه السودان في تلك المنطقة المضطربة.



كما تحدث التقرير عن ضرورة تجنيب السودانيين العاديين تبعات المقاطعة والعقوبات الاقتصادية، وأن الولايات المتحدة تحتاج الى الاستثمار والتواصل مع الأجيال الجديدة، حيث يوجد 22 مليون سوداني تحت سن 24 عاماً (من أصل نحو 40 مليوناً بعد الانفصال)، اضافة الى 44 ألف سوداني مقيم في الولايات المتحدة، ويمكن أن يمثلوا جسرا لعلاقات البلدين، وهو ما يشير الى الرغبة في إعلاء جزرة القوة الناعمة في التعامل مع السودان بدلاً من عصا العقوبات.

مقالات من أميركا

رواية الوضع في السودان!

ليست المؤامرة – كما روتها رويترز - أصل الحدث ولا هي نبضه، ولا المقرِّر فيه، حتى وإن كانت صحيحة. يميل الناس الى تصديق خبريات المؤامرات لأن ذلك أسهل على الفهم،...

للكاتب نفسه

الأفق السوداني المسدود

من أبرز ملامح حالة "الثورة بلا قيادة" حدوث نهوض جماهيري مناوئ للترتيبات السياسية والاقتصادية السائدة، إلا أنه على الرغم من قوة قناعات هذا النهوض ووضوح الرؤية أمامه حول "ما لا...