بين وحشية السوق وسكينة المسجد

إحدى ملامح حي سيدي مومن الشهير في الدار البيضاء، الذي خرج منه مرتكبو تفجير 2003. عشوائية هائلة يقطنها أكثر من 300 الف نسمة، وسط فقر مدقع وانسداد أفق. مذاك خطط لمشاريع بناء ومواصلات وأندية..
2017-08-17

محمد بنعزيز

كاتب وسينمائي من المغرب


شارك
الصورة من موقع هسبرس المغربي

بينما يقوم الباعة بنشر سلعهم في محيط المسجد، يرتفع صوت آذان العصر. المكان خالٍ تقريباً والشمس حارقة. بعد الصلاة يتمدد ظلّ المسجد فيبدأ النشاط التجاري في الساحة حوله.
يمثل العصر المنطلق وما بعد المغرب قمة الرواج... هكذا ينضبط الإيقاع تبعاً لمواقيت الصلاة في محيط المسجد الذي يقع في حي شعبي في الدار البيضاء. يمكن ذكر عشرات الأحياء التي ينطبق عليها الوصف غير "سيدي مومن".
تبني الدولة مساجد كبيرة جداً صوامعها مكسوة بحجر منحوت يعطي للبناء هيبة هائلة. للمسجد أربع واجهات وهو أكبر وأهم مؤسسة اجتماعية في المنطقة، تفتح كل يوم، تمتلئ كل يوم، وتسمح للملاحظ بتفحص شاشة "ناشيونال ديموغرافي" الوحشية والرومانسية والروتينية.
هنا بشر يُنشئون سوقاً حول المعبد، بعضهم مهاجر في أوروبا جلب الكثير من الخردة وقد حول سيارته لدكان متنقل.. بشر يتنافسون بشراسة حول الأماكن. يبيعون سلعاً متلاشية، يمارسون مهناً موسمية وظرفية، يصرخون بالأمازيغية والعامية العربية بينما الفصحى مقصورة على بائع المسك والزنجبيل.. يستهلكون أكلات شعبية أي رخيصة، يخفضون الأسعار مع مرور الوقت، يتنافسون على جلب الزبائن، يتشاجرون لأسباب تافهة، يهدد بعضهم بعضاً وهذا يوفر فرجة يومية ساخنة. ثم ترتفع "الله أكبر". يمنع الآذان التاجر من قتل زميله وهما يتعاركان على الموقع ويلومان الشيطان الرجيم. وحين يقفان في صف، يسجدان معاً، ينخفض توترهما ويستوي فقيرهما وغنيهما. قال نابوليون: الدين هو ما يمنع الفقير من قتل الغني.

 

المرحاض معيار حاسم لمعرفة الوضع الاقتصادي للأسر، وهذه خبرة مفيدة للمقبلين على الزواج. المرحاض معيارٌ طبقي بدون علم ماركس.

 

يُرى المسجد من بعيد ويُسمع الآذان على الرغم من الضجيج والزحام حوله. بعد الأذان يدخل التجار والزبائن والمتسكعون ليعيشوا لحظة سكينة نادرة في اليوم. قبل الصلاة، لا بد من الوضوء في مراحيض جيدة واسعة مضاءة، فيها ماء سلسبيل يريح العين، بخلاف مراحيض آلاف الشقق الضيقة المحيطة بالمسجد ومساحتها لا تتجاوز الستين متراً. لكن على الجدران كلام غريب يشكك في السكينة، مثل وصية "أيها المصلون أحرصوا على أمتعتكم عند الوضوء".. كم من شاب أنيق واثق بأن التدين يزداد، وقد صلى صلاة العشاء في مسجد مزدحم، ولكنه عاد لبيته حافيا لأن حذاءه سرق.

 

المرحاض مدخل لفهم العالم

 

يومياً، يغتسل الآلاف مجاناً في مرحاض جيد لتجنب استخدام مرحاضهم الخصوصي الضيق والذي فيه ماء بارد. في المقاهي، دخول المراحيض ببدل مالي. وحده السوبرماركت يستقطب أكثر من المسجد، لكن أفضل المراحيض توجد في المساجد، بينما مراحيض الاسواق الممتازة هي قيد الاصلاح منذ الطوفان. وحدها مراحيض ماكدونالد تتفوق على مراحيض المسجد.
يعتقد السوسيولوجي البصاص ــ الذي يكره المرحاض بسقف منخفض ــ أن المرحاض معيار حاسم لمعرفة الوضع الاقتصادي للأسر، وهذه خبرة مفيدة للمقبلين على الزواج. المرحاض معيارٌ طبقي بدون علم ماركس. في مراحيض المؤسسات العمومية صنابير تصب كثيراً، يكفي أن تفتح ليستمر الصبيب، بينما في مراحيض المؤسسات الخاصة من مطاعم وسينمات ومقاهي، فالصنبور يصب قليلاً ويجب أن تضغط كل مرة ليقطر بضع ثواني.
بعد مغادرة المراحيض يمشي المؤمن على سجاد وثير غالي ونظيف جداً. العالم هنا مناقض للسوق حيث الضجيج والغبار والحر. يشعر المؤمن بالسكينة ثم تطالعه كتابات غريبة مثل "الرجاء من الإخوة المصلين المحافظة على أمتعتهم وأغراضهم كيلا يتعرضوا للسرقة". يستحيل أن توجد هذه الكتابات حتى في سوق الذهب. لأن الناس هناك يحرُسون أشياءهم. في المسجد يسمحون لأنفسهم بالغفلة لأنهم رفقة المؤمنين. يقول المتصوفة أن النصارى لا يسرقون النعل في الكنائس بخلاف المسلمين.. يُنهي الإمام عن الخمر والسرقة ويحرص فعلياً على جز مقدمة النعل البلاستيكية المخصص للوضوء حتى لا يسرقه أحد، بل ويكتب "خاصة المسجد" على سطل الوضوء لكي ينكشف من سرقه.
يقارن السوسيولوجي البصاص بين أقوال الإمام وسلوك من يقفون ويركعون خلفه. يطلب الإمام من المصلين بأن يسووا صفوفهم ويسدوا الفرج ويغلقوا هواتفهم. لا يسمعون الموعظة الثالثة.

 

يصير المصلون ليبراليين يتاجرون ويُقسمون مئة مرة في الساعة. لا مشاكل للدِين مع قانون السوق.. بالنسبة للتاجر فالمال أساس كل خير، من يمارس التجارة يَقبل المساومة، والتجارة تعلم الابتسامة في وجه الزبون، ويدعو الدين للابتسام في وجه الأخ المشتري.

 

الأكبر سناً يصلون بالطلق والشبان يصلون بالقبض. من مظاهر التعدد في المغرب أن الملك يصلي بالطلق ورئيس الوزراء عبد الإله  بنكيران، المخلوع كان يصلي بالقبض. وشيخ السلفيين المغاربة محمد عبد الوهاب رفيقي، المعروف بأبو حفص، يُقر ذلك ولا ينحاز لأي منهما، وقد كتب على صفحته في فايسبوك "أن الخلاف بين من يقول بالقبض والسدل ليس خلافاً، غير معتبر كما كنا نظن ونتصور، فكما أن للقائلين بالقبض أدلتهم القوية فلمن يقول بالسدل أدلة كذلك، من أبرزها حديث المسيء صلاته وليس فيه الأمر بالقبض...". كانت العديد من المواقع قد اعتبرت صلاة بنكيران بجوار الملك محمد السادس بدعة، حين صلى الركعة الأولى بالسدل والثانية بالقبض. نسي وعاد للأصل..
في المسجد المغربي لا يثير هذا خلافاً لكن المصلين بالقبض يتكاثرون بسرعة تحت رياح الفتاوى الشرقية.. والملك لا يتأثر بها.
يزداد ممارسو الركن الثاني في الإسلام جماعة في رمضان والصيف. للاستجابة للطلب الظرفي تستحدث حول المساجد فضاءات عشوائية عبر تسييج مساحة وفرشها بالسجاد أو الحصائر حسب نقود المشرفين.. مرة ظهر فأر أثناء صلاة التراويح فتسبب في هروب الآلاف بمحيط مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء. بعض المصلين يصلون في الطريق العمومي يوم الجمعة. فكيف خافوا من الفأر ولم يخافوا من الشاحنات؟


أقرأ أيضا: كيف تكشف كرة القدم البنى الذهنية العميقة في المغرب؟


يتزاحم الملايين في صلاة التراويح.. زحام شديد في الصلاة يفسره الفقهاء بالروحانية، بينما يقدم المؤرخ الملعون هوبسباوم تفسيرا آخر لأنه رأى الظاهرة في مكان آخر: "عندما تنعدم التسلية للتخفيف من وطأة الحياة الشاقة الكالحة، تخلق اللقاءات الدينية تضامناً بين شتات من الناس" ("عصر الثورات")، وهو يفسر ذلك أيضا بارتفاع الإنجاب بين الفقراء الورعين.. وهؤلاء هم الزبائن اليوميون للفقيه لأنه يصعب عليهم الذهاب للشاطئ للاستمتاع. الصلاة مجانية بينما الشاطئ مكلف.
تنتهي الصلاة، ويدعو الإمام بالفصحى ويردد المصلون آمين بينما يلتحق المتعجلون بسلعهم. العجيب أن النشاط التجاري يزدهر أثناء صلاة الجمعة فيخاطب الإمام الباعة الذين بقوا خارج المسجد "دعوا تجارتكم وأقبلوا على صلاتكم". مشكوك لو سمعوه أن يجدوا سلعهم حين يخرجون. الفقيه طوباوي والباعة واقعيون ويعرفون بعضهم.. بعد الدعاء بالفصحى يعود الباعة للتلوث اللغوي الذي يتاجرون به في السوق.

 

عالمان تفصلهما عتبة

 

يصير المصلون ليبراليين يتاجرون ويُقسمون مئة مرة في الساعة. لا مشاكل للدِين مع قانون السوق. ممنوع تطبيق قانون السوق في الاخلاق فقط. بالنسبة للتاجر فالمال أساس كل خير، من يمارس التجارة يَقبل المساومة، والتجارة تعلم الابتسامة في وجه الزبون، ويدعو الدين للابتسام في وجه الأخ المشتري..
بعد صلاة المغرب تنخفض درجة الحرارة ويصير محيط المسجد مركباً وملتقى للاستهلاك والمواعيد. موقع للاطلاع على الموضة الدينية من لباس وعطور سائلة يقال إنها مسك وعنبر. يجلس الرجال في محيطه بين المغرب والعشاء لتبادل الأخبار، وتتحدث النساء عمن تزوجن مؤخرا..
هنا تظهر سلع الثقافة الشعبية في شكلها الجديد، تباع عصافير وأسماك في أحواض زجاجية صغيرة، وورد بلاستيكي.. أحيانا يحضر حاكي شعبي ويشكل حلقة ويروي قصصه، لكن صوت الباعة يغطي صوته. كانت هذه الحلقة نموذج للثقافة الشعبية القروية، وهي تتبع زبائنها الذين هاجروا للمدينة وتبدل ذوقهم نحو تسلية حضرية توفرها التلفزة بشكل لا ينقطع.
يرتفع آذان صلاة العشاء فيهرع الشعب للمراحيض والاصطفاف خلف الإمام ويتكرر المشهد. لو خرج هذا العدد للمطالبة بالديمقراطية لتغير المغرب. هم لا يطالبون والمسجد يلبي جل مطالبهم.
يراقب السوسيولوجي البصاص المعبد والسوق، وخوفاً من عمى المألوف يشحذ حواسه كي لا يجرفه الملل.  يقر أنه رغم صعود جيل ونخب رجعية تاجرة، غير أن البحث عن الربح يدفعها للمرونة، لذا للنساء حضور كبير في محيط السوق الذي لا ينام.



يغادر المصلون ويبقى قليلون للحديث مع الإمام. يفتي الفقيه رأساً لرأس وليس علناً، إنها فتوى شخصية. الانتـقال من حالة النظام القبلي إلى النظام المدني يوجِد فرقاً بين مفتٍ يتحدث بصوت مرتفع ومفتي انتقته ودربته وزارة الأوقاف يهمس، لأن الفتوى شخصية لا يجب أن تتجاوز الجدران.. فتوى ثنائية لا عمومية. ولا يملك الفقيه شجاعة مفتي البوق في فيلم "باب الواد" لمرزاق علواش.
وبعد صلاة العشاء، يبدأ البشر في شراء عشائهم ومغادرة الساحة. يمكن بعد صلاة العشاء شراء كيلوغرامي بطاطس بأقل من نصف دولار وهي توفر وجبة كافية لتنويم أي جائع.. يفرغ السوق تدريجياً، تنسحب الجميلات والأغنياء، ومن يتأخر كثيراً لا يملك ما قد يطمع فيه الغير.. يحتجب الأغنياء مبكراً ويبقى الفقراء في الشارع لأنهم مضطرون للعمل وقتاً أطول ليرزقهم السوق يوماً بيوم.

مقالات من الدار البيضاء

المغرب: الأرض لمن؟

محمد هاكاش 2019-05-02

مخطط "المغرب الأخضر" يضع باسم الدولة وتحت وصايتها عوامل الإنتاج الأساسية (الأرض والماء ورأس المال) في يد الرأسمال الزراعي وحفنة من كبار الملاكين، مع إدماج الفلاحين الذين يملكون إمكانيات الإدماج....

في المغرب: الأرض المثمرة للمزارعين الكبار وعناد السماء للفلاحين الصغار

المغرب بلد "فِلاحي بامتياز"، إذ يزخر بحوالي 8.7 مليون هكتاراً كمساحات صالحة للزراعة، تتوزع على قطاعات متعددة تشمل الخواص والمستثمرين وأراضي الدولة والأراضي الجماعية. لا يعيش البلد أزمة غذاء حادة،...

للكاتب نفسه