النوبة في السودان: قضايا قديمة متجددة

تعود مشكلات جرى حلها على عجل أو تجاهلها لتحبِط مسارات مأمولة. هكذا تأجلت زيارة مبعوث الاتحاد الإفريقي إلى الخرطوم لنقاش إطلاق مفاوضات جديدة حول السلام. ما مصير منطقتي النوبة والنيل الأزرق؟
2017-04-01

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
صلاح المر - السودان

تأجلت زيارة مبعوث الاتحاد الإفريقي، ثابو أمبيكي، إلى الخرطوم لنقاش إطلاق جولة مفاوضات جديدة حول عملية السلام التي كانت الآمال بقرب إنجازها قد ازدادت مع استمرار إعلانات وقف إطلاق النار المتبادَلة، وكذلك تبادل الأسرى بين حكومة البشير في الخرطوم والحركة الشعبية ــ شمال التي تعتبر نفسها ممثلة منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق. وسبب التأجيل أن مبعوث الاتحاد الافريقي يحتاج في النهاية إلى معرفة من سيتفاوض باسم "الحركة الشعبية - شمال"، وأهم من ذلك معرفة ما إذا كان بالإمكان طرح مبدأ حق تقرير المصير لتلك المنطقتين على طاولة التفاوض، بعد التجربة المريرة التي طُبِّقت في جنوب السودان وأدت الى انفصاله وتشكيل دولته الخاصة في 2011، والانعكاسات على دول الجوار في شكل لاجئين ومخاوف أمنية من حالة عدم الاستقرار الناجمة عن الحرب التي اشتعلت في الجمهورية الوليدة.

ملامح النوبة

في العام 1973 صدر كتاب باللغتين الإنجليزية والألمانية يتناول منطقة جبال النوبة في جنوب غرب السودان. اعتمد الكتاب الصورة وسيلة أساسية لتسجيل ملامح الحياة القبلية والثقافية والاجتماعية لسكان تلك المنطقة النائية، وخاصة بما يتعلق بزخرفة الأجسام وفن المصارعة والقتال بالعصي وملامح الرقص والموسيقى التقليدية السائدة هناك. وقام الكتاب بتسليط الأضواء عليها، كما أسهم في إعادة تقديم مُصوِّرة الكتاب، الألمانية ليني رايفنستاهل، بصورة مهنية، وهي التي ظلت تلاحقها تهمة العمل مع هتلر وإنتاج بعض الأفلام الدعائية لصالح النازية. وكانت رايفنستاهل أول امرأة بيضاء تحصل على إذن العيش لعدة سنوات في منطقة جبال النوبة من أجل إنجاز كتابها هذا.

يقدَّر عدد سكان النوبة بأكثر من مليوني نسمة يعيش نصفهم في هذه المنطقة ويعملون بالأساس في الزراعة. وهي تضم أكثر من 50 مجموعة عرقية مختلفة، يوحدها إلى حد كبير إحساس النوبيين بالاختلاف وأيضا بالتمييز سواء من قبل السياسات المتبعة أو حتى من قبل جيرانهم من القبائل الأخرى الرعوية ذات الأصول العربية

تقع منطقة جبال النوبة في شمال الخط الحدودي الذي يفصل السودان عن جنوب السودان. وتمتد على مسافة 30 ألف ميل مربع في ولاية جنوب كردفان. يقدر عدد سكان النوبة بأكثر من مليوني نسمة يعيش نصفهم في هذه المنطقة ويعملون بالأساس في الزراعة، فيما غالبية النصف الآخر يتوزعون في مناطق السودان الأخرى التي هاجروا إليها للدراسة والعمل، إلى جانب عدة آلاف في المهاجر الخارجية. تضم النوبة أكثر من 50 مجموعة عرقية مختلفة، يوحدها إلى حد كبير إحساس النوبيين بالاختلاف وأيضا بالتمييز سواء من قبل السياسات المتبعة أو حتى من قبل جيرانهم من القبائل الأخرى الرعوية ذات الأصول العربية، مثل المسيرية والحوازمة، ويطلق عليها مجتمعة "بقارة"، أي رعاة البقر، إلى جانب "الإبالة" أو رعاة الإبل مثل الحمر والشنابلة. هذا إلى جانب وجود التجار الذين قدموا من الشمال، والجنود والإداريين من الحضريين الذين يمثلون سلطة الدولة.

وعلى الرغم من التعايش الذي ساد عبر التاريخ بين هذه المجموعات، إلا أنه كان يشوبها عنصر الشك خاصة وأن وجود الرعاة كان يؤدي إلى احتكاكات مع مزارعي النوبة الذين نزحوا أكثر فأكثر إلى الجبال وهي ترتفع بحدة من السهول في شكل سلاسل جبلية يتراوح علوها ما بين 500 - 1000 متر فوق السهول التي تحيط بها. ومع أن الجبال تمثل العنصر المُهيّمن على المنظر في المنطقة، وهي ما أعطاها اسمها، إلا أن المساحة التي تغطيها تبلغ أقل من ثلث المساحة الكلية لجبال النوبة. وتوجد منحدرات ووديان صالحة للزراعة إلى جانب السهول الطينية التي تعتبر من أخصب المناطق الزراعية في السودان، واجتذبت انتباه الآخرين لاستثمار هذه المناطق في مشروعات استغل فيها جهاز الدولة والعلاقات الاجتماعية والسياسية على حساب أهل المنطقة الأصليين.

الاندماج والهوية

ظلت حالة التوتر، ما بين الاندماج في الدولة السودانية والحفاظ على الهوية المستقلة التي تتضمن بعض المسيحيين وأصحاب العقائد التقليدية، تميّز علاقة النوبة بالمركز. بل إنه في فترة الاستعمار وحتى العام 1945 شهدت هذه المنطقة أكثر من 30 ثورة وحالة تمرد. وشمل قانون المناطق المقفولة الذي أعده الإنجليز أساساً للجنوب منطقة جبال النوبة، وهو قانون يقوم على منع التواصل بين هذه المناطق وبقية السودانيين، للحد من نشر الإسلام واللغة العربية، واشترط في التواصل الحصول على أذونات رسمية. وعلى الرغم من أن الوضع تغير بعد ذلك، بإلغاء القانون ثم مع الاستقلال، تفاقمت الأمور مع دخول عامل الدين الإسلامي في المعادلة السياسية، ووصل هذا التفاقم الى  ذروته إثر تسلّم الرئيس عمر البشير السلطة في 1989 ببرنامج معلن لأسلمة وتعريب المجتمع.

اتفاق السلام الشامل في 2005 قام على أساس إعطاء الجنوب حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية، والحفاظ على القوانين الإسلامية في شمال السودان، بما في ذلك منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق، على الرغم من تميزهما الثقافي والاجتماعي والديني. واستدرك ذلك بإعطائهما مفهوماً غامضاً أطلق عليه "المشورة الشعبية"

في تلك الأثناء كانت "الحركة الشعبية لتحرير السودان" التي أسسها جون قرنق قد انطلقت من جنوب السودان بهدف إعادة هيكلة الدولة السودانية، وبناء سودان جديد يقوم على المساواة والمواطنة على أسس علمانية، ومخاطبة مناطق الهامش في الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان لتشارك في هذا المجهود. وبالفعل قامت وحدة من الجيش الشعبي بإشعال الحرب في منطقة جبال النوبة في العام 1985 وهي مستمرة بوتائر متفاوتة منذ ذلك الوقت.

والغريب أنه عندما تدخل الأمريكان في العام 2001 إبان رئاسة جورج بوش للتوصّل إلى اتفاق سلام، اختيرت منطقة جبال النوبة لتكون نقطة البداية ومجال الاختبار، قبل تعميم العملية السلمية إلى جنوب السودان حيث التمرد الرئيسي. وبالفعل تم التوصل إلى اتفاق لإطلاق النار في 2002 في سويسرا، وهو ما فتح الباب أمام اتفاق السلام الشامل بعد ذلك بثلاث سنوات. لكن ذلك الاتفاق قام على أساس إعطاء الجنوب حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية، والحفاظ على القوانين الإسلامية في شمال السودان، بما في ذلك منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق، على الرغم من تميزهما الثقافي والاجتماعي والديني. واستدرك ذلك بإعطاءهما مفهوماً غامضاً أطلق عليه "المشورة الشعبية" يقوم على أساس تلمس رغبات مواطني المنطقتين حول مستقبلهم.

اتفاقية السلام تلك انتهت بانفصال الجنوب الذي أصبح دولة مستقلة. وبسبب التصارع الذي ساد العلاقة بين الدولتين، وعدم حسم العديد من القضايا المعلقة، ومنها الحدود، ومصير قوات "الحركة الشعبية" التي كانت موجودة في منطقة جبال النوبة والنيل الأزرق، وأصبحت بالتالي وفي واقع الأمر داخل السودان بينما هي تتبع جيش دولة أجنبية هي جنوب السودان.. بسبب ذلك كله وسواه، فقد انطلقت الحرب مرة ثانية ولا تزال مستمرة منذ ست سنوات.

أهداف متباينة

الحركة الشعبية الأم بقيادة قرنق كانت تعتبر منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق تابعتين إلى جنوب السودان سياسياً وتنظيمياً وعسكرياً، بأمل أن تنفصلا وتتحدا مع الجنوب بعد ممارسة حق "المشورة الشعبية" الذي يمكن أن ينتهي إلى تقرير المصير. لكن أي قوة سياسية شمالية، مهما كانت معارضتها للنظام، لم تتعاطف مع هذه الفكرة التي لا تحظى حتى بتأييد شامل من أبناء النوبة.

على الرغم من جولات التفاوض العديدة التي جرت، لم يجر التوصل إلى اتفاق محدد. فالحكومة تصرّ على قصر التفاوض على المنطقتين، بينما الحركة ترى أن حل مشاكل المنطقتين يتم من خلال مواجهة الخلل في بنية الدول السودانية

بعد انفصال جنوب السودان في 2011، تمّ تكوين "الحركة الشعبية – شمال" عبر مجلس قيادي يترأسه مالك عقار من النيل الأزرق، وعبد العزيز الحلو من جبال النوبة كمسؤول للشؤون العسكرية، وياسر عرمان من وسط السودان أميناً عاماً ومكلفاً بملف التفاوض مع الحكومة السودانية عبر وساطة الاتحاد الإفريقي وبدعم غربي تقوده الولايات المتحدة.

لكن وعلى الرغم من جولات التفاوض العديدة التي جرت، لم يجر التوصل إلى اتفاق محدد. فالحكومة تصرّ على قصر التفاوض على المنطقتين، بينما الحركة ترى أن حل مشاكل المنطقتين يتم من خلال مواجهة الخلل في بنية الدول السودانية. وفي هذه الأثناء دخلت دولة جنوب السودان، التي مثلت القاعدة الخلفية للمنطقتين بسبب العلاقة القديمة بينهما، في حرب أهلية منذ العام 2013، مما أسهم في إضعاف السند اللوجستي لقوات "الحركة الشعبية" التي تقاتل الخرطوم، إضافة إلى وجود تباين في وجهات النظر بين عقار وعرمان من ناحية والحلو من ناحية أخرى فيما يتعلق بملف التفاوض وفي كيفية التعامل مع الوضع، خاصة أن أبناء النوبة هم الذين يمثلون الثقل العسكري في الحركة. الحلو، وفي خطوة محسوبة، دفع باستقالته إلى مجلس تحرير جبال النوبة، قائلاً إنه لا يستطيع تحمل المسؤولية خاصة وأن كُلاً من عقار وعرمان لا يأبهان برأيه. وأوصى أن يسعى النوبيون إلى حق تقرير المصير وألا يلقوا السلاح حتى تحقيق ذلك المطلب. ويلاحظ أن خطابه هذا تجاوز المجلس القيادي للحركة الشعبية ومجلس تحريرها الذي يعتبر السلطة العليا، وتوجه مباشرة إلى مجلس تحرير جبال النوبة مما يعطي تحركه بعداً إثنياً.

مجلس تحرير النوبة اجتمع وقرر رفض قبول استقالة الحلو، وكذلك اعتماد حق تقرير المصير، وسحب ملف التفاوض من عرمان وجعل الحلو مرجعية لأي تفاوض مستقبلي مع الخرطوم. ويلاحظ أن هذه القرارات صدرت قبيل وصول كُلاً من عقار وعرمان إلى منطقة جبال النوبة للبحث في الأزمة وكيفية احتواءها في الإطار العام للحركة الشعبية، علماً بأن الحلو لم يكن في المنطقة وإنما في كينيا، وهو ما يشير إلى أن توقيت صدور القرارات قصد منه خلق واقع جديد وقفل الباب أمام أي تسوية.

عملياً، تبدو الحركة وكأنها انقسمت على نفسها أو في طريقها إلى الانقسام  ما لم يتمكن عقار وعرمان من تجاوز الأزمة بصورة ما. يضيف هذا تعقيداً جديداً إلى عملية السلام، ولاسيما أن منطقة جبال النوبة نفسها تعاني من عدم الانسجام الإثني والديني إلى جانب أنها منطقة مغلقة جغرافياً، مما يجعل متنفسها الرئيسي يمر عبر السودان، تماماً مثلما هو جنوب السودان الذي استقل سياسياً لكنه ظل مرتبطاً بالدولة الأم عبر عامل الجغرافيا.

مقالات من السودان

السودان: هل تهدد "الجيوش المتعددة" الفترة الانتقالية؟

يواجه السودان تحديات متنوعة ومخاطر كبيرة تحيط بالفترة الانتقالية التي فرضتها الثورة العارمة، بعدما اطاحت بالبشير وعقدت تسوية مع العسكر، قوامها تقاسم السلطة والتمهيد لمدنية الحكم ولاجراء انتخابات عامة خلال...

للكاتب نفسه

"خذلان" أمريكي لثورة السودان

تفحص لأسباب "تجاهل" واشنطن للسودان الجديد الذي نجحت ثورته الشعبية السلمية في فرض المرحلة الانتقالية بعد الاطاحة بالبشير، وهي التسوية السياسية التي توصلت لها مع تكتل العسكريين المتبقي من النظام...