عامان على الحرب في اليمن

يمكن للحرب الدائرة في اليمن وعليها أن تستمر لسنوات، مدمرة البلاد ومنتجة كوارث مديدة ومكبّدة كلفة عالية حتى لأصحابها، وسط عدم اكتراث شامل بها. وهي لن تُحسم بالقتال. بشعة وعبثية، فلتتوقف!
2017-03-30

نهلة الشهال

رئيسة تحرير السفير العربي


شارك
حكيم العاقل - اليمن

كل الحروب بشعة بذاتها، كائنة ما كانت أسبابها وأهدافها. فكيف حين تضاف العبثية إلى بشاعتها..
 مضى عامان على بدء عمليات القصف الجوي والأرضي على اليمن من قبل "تحالف عربي" مشكّل على عجل بقيادة السعودية، بحجة أن هناك من استولى بطريقة غير شرعية على السلطة في صنعاء، وبحجة أن لإيران مصلحة ــ ما ــ في هذا الحدث. عدد ضحايا السنتين قارب الثمانية آلاف في الأرواح عدا الجرحى والمعاقين الذين تقدرهم الأمم المتحدة بأكثر من 42 ألفاً. وأغلب الضحايا من النساء والأطفال، فما يُقصف، سواء عن قصد أو بالخطأ، هو المساكن والمدارس والمستشفيات والملاجئ.. وهناك أكثر من 3 ملايين نازح تشردوا خارج بيوتهم. وفي اليمن مجاعة، ويموت ما متوسطه 20 شخصاً كل يوم بسبب الافتقاد إلى الغذاء والى الدواء. وفيها دمار كبير طال كافة البنى التحتية.. وأما كلفتها المالية فهائلة.. حتى على أصحابها وأولهم السعودية. وهناك من يتسلى بتقدير ثمن القذائف المطلقة كل يوم وتكاليف الطلعات الجوية، وما يُصرف على الجيش (اليمني بالدرجة الأولى) الذي يرسل الى الجبهات.. وكذلك على جيش السياسيين اليمنيين الذين يلوذون بالرياض. وكل ذلك هزّ الوضع المالي للسعودية أكثر مما فعل تراجع أسعار البترول، مصدر دخل البلاد الفعلي، وصرنا نشهد هنا خطط تقشف، وقرارات برفع الضرائب وخفض التقديمات.
الإنفاق العسكري السعودي تصاعد بشكل مهول، وبالأخص مع بداية هذه الحرب، ما يسعد مصانع السلاح في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. السعودية في المرتبة الثانية عالمياً في لائحة مشتري الأسلحة هذا العام بحسب "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، وميزانيتها الحربية (56.9 مليار دولار) تنافس روسيا (58.9 مليار دولار) وتكاد تلحق بها، وتتفوق على كلٍ من بريطانيا والهند واليابان وفرنسا وألمانيا! والبند العسكري هو على أية حال أول بنود الميزانية العامة السعودية، ويخصص له أكثر من ربعها. وهذا الإنفاق يتجاوز بالطبع ما يتطلبه التدخل في اليمن، على ارتفاع فاتورته، ولكن تلك هي الحرب التي تخوضها الرياض، فعلياً ومباشرة وكل يوم.
 ويمكن لهذه الحرب أن تستمر لسنوات، طالما تسود فكرة إنهائها بتحقيق حسم عسكري فيها لصالح أي من الجهتين.. بينما ذلك غير ممكن، كما تُثْبت التجارب في اليمن وفي سواها. فبعد ستة حروب عالية الأكلاف على كل المستويات، شنتها السلطة التي كان يرأسها علي عبد الله صالح على صعدة في شمال البلاد (منذ 2004 وحتى 2010، بمعدل واحدة في العام!)، وكان يُقصد منها هزيمة الحوثيين، ها الحوثيون يستولون في 2014 على صنعاء العاصمة، بمساعدة علي عبد الله صالح نفسه الذي دارت الأيام لغير صالحه. وها هم وحليفهم يخوضون المعارك في طول البلاد، يتقدمون هنا ويتراجعون هناك، حتى من دون أن يكون توازن القوى العسكري متوفراً، حتى وإن لحقت بهم هزائم كبيرة كما حدث منذ أسابيع في مدينة "المخا" الاستراتيجية على البحر الأحمر (وبالمناسبة فاسمها محوّراً  mocka أعطي للقهوة في أنحاء العالم، فقد كان تصديرها يتم عبر مينائها). والمخا تتبع محافظة تعز، التي تحاصر عاصمتها منذ سنتين وتقصف بلا رحمة، وتعز مدينة مميزة أنجبت كبار مثقفي البلاد، ويسكنها ما يقارب نصف مليون إنسان..
... يمكن لهذه الحرب أن تستمر لسنوات، فهي تخضع في جانب منها لقوانين الحروب الأهلية التي تنتهي بصعوبة وتترك جراحاً غائرة، حتى وإن كان معظم اليمنيين يتجنبون الانخراط العملي فيها، على الرغم من استعراض القوة الذي قام به الحوثيون وصالح منذ أيام فملئوا بمئات الألوف من المؤيدين ساحة عامة في صنعاء. ومن لا يذكر التظاهرات المليونية المتضادة في بيروت منذ عقد من الزمن، فيما لبنان بلد متناه الصغر.. مما لا يثبت شيئاً، ولا يدوم بعد زوال نشوة لحظة التباهي بالجموع.
يمكن لهذه الحرب أن تستمر لسنوات، فهي لا تثير الاكتراث العالمي بها، حتى حين يُقتل في غارة مئات المدنيين دفعة واحدة، ولا يعني أحداً الدمار اللاحق ببناها.. وأما ضآلة المتابعة الإعلامية العالمية وغياب المعلومات المتوفرة عنها، حتى بالمناسبات ك"عيدها" الثاني، فمدهشة..
والقتال لن يحسمها! فلتتوقف، وليستعاد الصراع سلمياً في كل الميادين، الى أن يتبلور حل مرضٍ وقابل للحياة. تلك هي الأمنية الوحيدة الجديرة.

مقالات من السعودية

جوع، دبلوماسية، وأصدقاء لدودون: ما بعد الهاوية في اليمن

"لا تعتبر المحادثات (التي جرت مؤخراً في السويد) نقطة انطلاق لاتفاق أكبر، بل توليفة تخدير موضعية". هذا ما تقوله افتتاحية التقرير السنوي 2018 لـ"مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية". وتقول أيضاً "أن...

للكاتب نفسه

ماكرون لدى السيسي: أسماك القرش!

لم تُوقع عقود بيع للأسلحة هذه المرة، ولكن محادثات بشأنها جرت بعيداً عن الاضواء.. وهي تُجهّز لمرة قادمة. هناك حوالي 30 عقداً وقعت قيمتها مليار يورو، وهي تخص تأهيل مترو...