الحلم العنيد وثبات قلب "أم الشهيد"

"أنا أحب حياتي"، هي آخر جملة قرأتها فاتن معازي من ابنها محمّد الذي استشهد وعمره 19 عاماً داخل حرم جامعة القاهرة التي كان يدرس فيها الهندسة عام 2013، وهي تسعى بعناد لتحقيق شيء من العدالة.
2017-03-10

منى سليم

صحافية من مصر


شارك
خلدون عزام - سوريا

جاء إليها، بعد انتظار طويل، في تشرين الثاني / نوفمبر 1992، ورحل عنها ـ في لمح البصر ـ في التوقيت نفسه بعد 19 عاماً. كان ذاك الشهر هو ذكرى ميلادها هي الأخرى، لكن هل لا زالت تهتم؟ هل يأتي للأم ميلاد جديد بعد رحيل الوليد؟

 

     لم يضع رسالة كعادة المسافرين
     تقول: إني عائدٌ.. وتسكت الظنون،
     ولم يخطّ كلمة تضيء ليل أمه
     التي تخاطب السماء والأشياء.

 

لم يقل محمد بالفعل شيئاً كثيراً لوالدته فاتن مغازي قبل رحيله، لكنها تتذكر باكية كلمته الأخيرة على حسابه الشخصي بموقع فيسبوك: "I love my life"  تتذكر السيدة ـ الذي كان هو وشقيقه كل حياتها ـ  أنه قال هذه الجملة بعد عودته من رحلة جميلة مع رفاقه إلى منطقة الشلالات، ولا تنسى أن تزيد وجعها، فتلوم نفسها  قائلة "كان أول مرة ينطقها بسبب إني دايماً كنت باضغط عليه عشان يركز في مستقبله".
لكن القصة ليست كلها وجع، بل فيها الكثير من المثابرة والتصميم. ليست كلها ضعف، ففيها الكثير من القوة. من رحم التجربة العلقم استطاعت السيدة متوسطة العمر فاتنة الإرادة أن تقدم كل ما هو مُلهِم، درس لكل من فقدت ابنها مثلها، لكل من لا زالت  تلف صغيرها بين ذراعيها وتخاف المستقبل، لكل من تحلم بالأمومة وتخشى أن يتحول الحلم إلى كابوس.

في يوم الرحيل، يحكي الرفاق، جاءت "السيدة" ـ والدة شهيد كلية هندسة جامعة القاهرة الذي قتل في نهاية عام 2013 على يد قوات الشرطة داخل حرم الجامعة ـ  بهدوء وثبات أذهل الجميع، دلفت إلى المشرحة لفت يديها حول جسده، مسدًت شعره، وأخذت تحدثه..

 

     تقول: يا وسادة السرير!
     يا حقيبة الثياب!
     يا ليل! يا نجوم! يا سحاب:
     أما رأيتم شارداً.. عيناه نجمتان؟

 

لم تكن أسوار الهندسة إلا حلمها الجميل، كانت تقول لمحمد :"أنا ما خدتش فرصتي في دخول الجامعة وكل ما أعدّي عليها وأنا راجعة من الشغل أقول كل التعب يهون بس أشوفك ورا السور ده.. في كلية هندسة".

جرافيتي شارع محمد محمود - مصر

 

تعبت هذه السيدة كثيراً من أجل الطفلين محمد وشقيقه الأصغر محمود، بعد قرارها بالانفصال عن والدهما بينما كان محمد لم يكمل بعد العاشرة من عمره.

 

تتكئ بيدها وقلبها على صورته المنقوشة فوق حائط الشهداء في ميدان التحرير وقد ثبتوا له جناحين، وتتابع بقوة أخبار رفاقه، وتدعو لهم قبيل الامتحان الأخير للتخرج

 

لم تكتف بعمل واحد بل قررت الاستزادة بفتح "متجر" صغير أسفل منزلها من أجل تلبية مصاريف دراسة الولدين. تفلت منها دموعها في رقة عندما تتذكر حنوه الشديد عليها، تلبيته طلبها بالتفوق، الوعد بالنجاح والعمل من أجل أن يسكب الراحة بيده على عالمها.

 

     يداه سلتان من ريحان
     وصدره وسادة النجوم والقمر
     وشعره أرجوحةٌ للريح والزهر!

 

ولكن ماذا إذا لم يرد القدر، واختار أن تبقى الصورة ناقصة الألوان، فأصبح الأحمر هو قدر الصغير بعد أن رحل إثر رصاصة غدر اخترقت صدره وأصابته بصدمة نزيفية. أما هي فاختارها "الأسود"، هذا الذي لم تخلعه على مدار ثلاثة أعوام، وهو سلاحها الذي تشهره من اليوم الرابع لرحيله، حيث بدأت وبمنتهى الثبات والبأس رحلتها من أجل القصاص لمن غاب.
تذهب إليه تطمئنه، تلتقط الصور مع شاهد القبر، تقف كل صباح تتابع الهواء وهو يداعب صورة له معلقة بالشارع، في مواجهة شرفة منزلٍ كان يوماً منزله.

 

     أما رأيتم شارداً
     مسافراً لا يحسن السفر!
     راح بلا زوادة.
     من يطعم الفتى
     إن جاع في طريقه؟
     من يرحم الغريب؟

 

استطاعت بمساعدة فريق قانوني متطوع ـ وعبر دعم نفسي قوي ـ من التحرك خلف خيوط القضية، جمعت الصور والفيديوهات والشهادات، وثّقت بالصوت والصورة لحظة القتل، حددت وجه القاتل، عرفته ونطقت اسمه على لسانها. وعلى الرغم من هذا، جاءتها الرصاصة الثانية: تم إغلاق ملف القضية. لم يستمع إليها أحد. تحالف أصحاب البذّات المختلفة ضدها، هي السيدة النحيفة. تخرج عن وقارها بتلك اللحظة فقط، وتصرخ في ردهات النيابة العامة بعد إغلاق القضية: "النهاردة ابني مات". تسأل: "لِمَ كل هذا الظلم والفساد؟"

 

     قولوا لها، يا ليل! يا نجوم!
     يا دروب! يا سحاب
     قولوا لها: لن تحملي الجواب
     فالجرح فوق الدمع..
     فوق الحزن والعذاب!

 

تمر الأيام وهي لا تزال تنتظر، لا تنطفئ جذوتا الحزن والغضب في عينيها، علّها إن جاء القصاص يوماً ترتدي الأبيض، علّها تبتسم ابتسامة من القلب ـ الذي رغم فراغه على رحيل الصغير ـ لا زال ينبض.

تتكئ بيدها وقلبها على صورته المنقوشة فوق حائط الشهداء في ميدان التحرير وقد ثبتوا له جناحين، وتتابع بقوة أخبار رفاقه، وتدعو لهم قبيل الامتحان الأخير للتخرج. تبث لـمحمد رسائلها على صفحته، تحكي له عن أخيه محمود الذي يفتقده كثيراً، وله عنده عشرات الحكايات التي لا يحكيها لها. تتوحد مع كل من يبلسم وجعها، وتتبنى قضايا من يناضل ضد الظلم، وتحاول أن تخفف الألم، تنضم لحملات سياسية ضد ضياع الأرض، ترفض حكم الإعدام في بلد يفتقد ـ قسراً ـ لملامح العدل. تفعل وكأنها لا تعرف إلا أن تستكمل مسيرة ما كان يوماً اسمها مسيرة تنشئة "رجل".

     لن تصبري كثيراً.. لأنه،
     لأنه مات، ولم يزل صغيرا

 

"هي"، فاتنة، شديدة الروعة، غزيرة الألم، شاهدة ووالدة، و لها لا نملك في يوم المرأة العالمي إلا أن نقرئها السلام ونكمل معها القصيدة، وهي توصيها:
 

     يا أمه!
     لا تقلعي الدموع من جذورها
     خلّي ببئر القلب دمعتين!

 

أم محمد مع جرافيتي لابنها الشهيد / تصوير: عبد الرحمن الشامي

ـــــــــــــــــــــــــ

المقتطفات من قصيدة "عاد في كفن" للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.

مقالات من مصر

صـابريـن

منى علاّم 2020-02-07

بورتريه لصابرين، الفلاحة الجميلة التي تبيع الخضار في شوارع الإسكندرية البعيدة عن بيتها، تتولى زمام أسرتها وتقود أبنائها وتوفر لهم كل مصاريفهم، وتصر على تعليم ابنتها الكبرى في الجامعة.

المجال العام والفضاءات العامة (2)

حتى الآن، عجز الفكر والخيال السياسيان في بلداننا عن تحديد مسألة أساسية بما يخص المجال العام (وسواه) تتعلق بكيفية إنتاج السلطة، وبالعلاقة العضوية بين السلطة والثروة، وهو نمط مستند إلى...

للكاتب نفسه

ألم "يمني" فوق جسر النيل

منى سليم 2019-10-15

نصف مليون يمني، من الناس العاديين "عالقون" في مصر دون محل ثابت أو حلم نابت، وهي البلد الذي لطالما اعتبروه نفس وطنهم. جاء أغلبهم بعد انهيار أوضاع بلدهم للعلاج من...