هذا النص تقديم لملف عن الحدود في المنطقة العربية اعدته شبكة المواقع الاعلامية المستقلة حول العالم العربي والتي تضم علاوة على "السفير العربي"، "أوريان 21"، "مدى مصر"، "حبر"، "ماشاالله نيوز"، "المغرب الناهض"، "نواة"، و"باب المد".
ليونارد سومبيراك*
الخط الأصفر: هكذا سُمّي الخط الحدودي الذي تم ترسيمه في إطار اتفاقية «وقف إطلاق النار» في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد عامين من الإبادة الجماعية واستمرار الحصار. هذا «الخط» الذي يقسّم بشكل أحادي قطاع غزة، والذي ما يزال معظمه خاضعًا لسيطرة الجيش الإسرائيلي، يشكّل خطًا فاصلاً جديدًا متحرّكًا. وهو يشكّل أيضًا حدًّا فاصلاً بين الحياة والموت، إذ يُحكَم على أي شخص يجرؤ على عبور الكتل الخرسانية المطلية بالأصفر بالموت فورًا. وينطبق ذلك أيضًا على رفح، تلك المدينة الواقعة على تخوم سيناء، والتي أفرد لها موقع "مدى مصر" مقالاً يتتبّع تطوّرها التاريخي.
غزة فوق العالم
09-09-2025
معبر رفح.. لعنة الغزيين الأبدية
16-02-2026
ويتناقض اختيار الألوان الفاتحة لتوصيف الخطوط الحدودية في المنطقة مع واقع التوسع الإمبريالي لإسرائيل، التي لم تعيّن حدودها يومًا استنادًا إلى الكتاب المقدس الذي تتخذه مرجعيةً لها. الخط الأخضر في الضفة الغربية، والأزرق في جنوب لبنان، والبنفسجي فيما وراء الجولان المحتلة. تُرى ماذا سيكون اللون التالي، بعد ما شهدناه في العامين الأخيرين وفي الحرب التي تخوضها تل أبيب على سبع جبهات من رغبةٍ واضحة في التوسّع الإقليمي؟ إن الهجوم البرّي الأخير الذي شنّته إسرائيل في 3 مارس/آذار الجاري على جنوب لبنان، والذي قد يصل إلى نهر الليطاني، يعدّ شاهدًا على ذلك التوجّه.
في عام 1916، قسّمت فرنسا والمملكة المتحدة أراضي الإمبراطورية العثمانية بينها بعد تاريخ طويل من التنافسات الاستعمارية بموجب اتفاقيات سايكس–بيكو، إلى مناطق تحت الإدارة المباشرة ومناطق نفوذ. وفي العام التالي، أيّد وعد بلفور «إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين»، والذي تم تنفيذه رسميًا بإعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 على ثلاثة أرباع الأراضي الواقعة تحت الانتداب البريطاني. وبعد أكثر من 75 عامًا، وعقب نحو عشر هجمات أُطلِقت في محيطها الإقليمي، ما تزال إسرائيل تعيد تشكيل حدود المنطقة بدعمٍ غربي مستمر، ولا سيما أمريكي، والذي تجدّد منذ مطلع الألفية الثالثة بعد وصول إدارةٍ محافظة جديدة إلى سدّة الحكم، وضعت نصب عينيها إعادة تنظيم (أو بالأحرى تفكيك) المنطقة بما يخدم مصالحها، وخطت أولى خطواتها بغزو العراق. ولا عجب أن نُفّذ ذلك المخطط تحت ستار «الديمقراطية والاقتصاد الليبرالي والحرب على الإرهاب»، كما أورد جورج كورم بالتفصيل في كتابه "قضية الشرق الجديدة" منذ أكثر من عقد، منتقدًا «ازدواجية المعايير» و«الغطرسة» الغربية. وما العدوان الإسرائيلي الأمريكي الحالي على إيران ومؤسساتها الحكومية إلا امتداد لذلك المنطق القائم على نشر الفوضى على حساب الشعوب والقانون الدولي. ومع ذلك، لا يمكن القول بوجود حتمية أو جبرية تاريخية.
وسواء في القرن الأول الميلادي في ظل الإمبراطورية الرومانية الممتدة إلى جنوب البحر المتوسط، أو في بدايات الإسلام مع توسّع الخلافة الأموية بفضل الفرسان شبه الرحّل من الأطلسي إلى نهر السند، أعيد تشكيل الأقاليم مع تغيّر خطوط المواجهة، وهو ما تمثّل أحيانًا في عمارةٍ دفاعية، مثل الرباطات التي ما تزال قائمة في المغرب العربي. وقد أثّر ذلك على تدفقات الأشخاص والسلع والأفكار، على غرار طريق القوافل الشهير في الجزيرة العربية في عصر مل قبل الإسلام. في هذا الملف، يلقي موقع"حبر" الأردني الضوء على آثار التحوّل السياسي على التبادلات الحدودية، من خلال رصد تطوّر التجارة بين الأردن وسوريا عقب سقوط بشار الأسد.
إن مفهوم "الحدود"، بوصفه مفهومًا ويستفاليًا بامتياز، لا يعبّر عن واقعٍ طبيعي، بل يمثّل بناءً سياسيًا يهدف إلى حصر ممارسة السلطة في إقليمٍ معيّن. وإذا كان نموذج الدولة القومية لا يزال له اعتباره في القانون الدولي، استنادًا إلى مبدأ الحيازة الجارية الذي يفضّل استقرار الحدود الموروثة عن الاستعمار على إعادة النظر فيها خوفًا من زعزعة هذا الاستقرار، فيمكننا التساؤل عن الوجاهة التاريخية لهذا النموذج من خلال سوسيولوجيا العالم العربي. خاصةً أن هناك منطقًا آخر سبق وجود هذا النموذج، سواء أكان بدويًا أو توحيديًا، مثل "العصبية"، فضلاً عن التنوع الإثني والديني في المنطقة. وهذا يتجاوز الهوامش، بعضها شديد القدَم مثل تلك الفاصلة بين الجزائر والمغرب. كما أن النزعات الفدرالية لم يُكتب لها النجاح، سواء في منطقة القبائل أو العراق أو سوريا، كما يعكس الوضع الراهن في روج آفا الكردية أو في جبل الدروز. والواقع أن المساس بالحدود القائمة يبدو اليوم، على أقل تقدير، مغامرة محفوفة بالمخاطر.
والأمثلة على النزاعات والنزعات الوحدوية والخلافات الإقليمية بين دول المنطقة كثيرة: من أزمة لواء إسكندرون بين دمشق وأنقرة التي استمرت حتى عام 1950، مرورًا بحرب الرمال بين الجزائر والمغرب عام 1963، أو النزاع بين إيران والعراق عام 1980 – الذي كان النهر الحدودي "شط العرب" ذو الأهمية الاستراتيجية في المبادلات الدولية أحد رهاناته الأساسية – أو غزو العراق للكويت بقيادة صدام حسين عام 1990 وما ترتب عليه من تداعيات معروفة. وقد خرج الفضاء الفرعي الإقليمي من تلك التناحرات أكثر انقسامًا من ذي قبل. وكانت الحدود أحيانًا موضوع تجاربٍ بين الدول العربية، كما يذكّرنا مثال الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 بين مصر وسوريا. وفي عام 2011، أصبحت جنوب السودان أحدث دولة ذات سيادة تعلن استقلالها عقب استفتاءٍ شعبي، في حين لا يزال السودان حتى اليوم يتجرّع ويلات الحرب. وأخيرًا، إذا كان اليمن قد توحّد عام 1990، فإنه يعاني منذ أكثر من عقد من نزاعٍ دموي، يتطابق خط المواجهة فيه تمامًا مع الحدود السابقة…
إنّ إعادة النظر في الحدود، ولا سيّما في بعدها الرمزي — فهي تعد بالفعل «علامةً رمزية» على حد تعبير العالم الجغرافي ميشيل فوشير – بلغت ذروتها بلا شك في صيف عام 2014، عندما فرض تنظيم الدولة الإسلامية وجوده بين سوريا والعراق، ماحيًا، باسم الخلافة، الخريطة التي رسمها الأوروبيون، ومذكّرًا بالطابع المصطنع للحدود الراهنة وأثره في تأجيج الطائفية. في مقالها، تصف لنا المنصة الإعلامية العربية "السفير العربي" المأساة التي عاشها الإيزيديون أثناء عبور تلك الحدود، والوضع الأمني الحالي.
منذ قرن، أسهمت عمليات ترسيم الحدود الحديثة في تقييد فضاءٍ كان حتى ذلك الحين مفتوحًا، لمن توفّرت لديهم السبُل. فلم يكن من النادر أن نجد رحّالة كبار مثل الإدريسي أو ابن جبير في القرن الثاني عشر، أو ابن بطوطة بعد أكثر من قرن، الذي جاب شمال أفريقيا ومصر وفلسطين وسوريا والجزيرة العربية، ثم العراق وبلاد فارس. وقد أسفرت رحلات ابن بطوطة عن نوعٍ أدبي جديد، كما ولّدت شعورًا بحرية التنقّل داخل دار الإسلام، حيث كانت مكة تمثّل بالفعل وجهةً سياحية مركزية.
حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الترحال أكثر سهولة بفضل تطوّر شبكة السكك الحديدية في تركيا وسوريا، والعراق والجزيرة العربية، ومن لبنان إلى سيناء مرورًا بفلسطين — التي تنتشر فيها اليوم مئات الحواجز ونقاط التفتيش والعوائق العسكرية الأخرى، إن لم تكن الطرق نفسها معزولة. وقد أتاحت تلك التنقلات تذوّق مزيد من الخصوصيات المحلية وأشكال التمازج، بما في ذلك الدينية، قبل انتشار العصبيات القومية وتحصين الهوامش. يسلّط موقع "أوريان 21" الفرنسي الضوء، من خلال شهادةٍ نادرة، على تلك السهولة التي كانت تتسم بها الحركة في الشرق الأوسط قبل عام 1948، حين لم يكن نهر الأردن يشكّل أي حدودٍ سياسية أو إدارية.
اليوم، يتم تعزيز عسكرة الحدود عبر تقنيات المراقبة والتحكم، وهي تقنيات مربحة جدًا وذات طابع تجريبي، وذلك على حساب حرية التنقّل وكرامة المهاجرين/ات والتكامل الإقليمي. وإذا كان التنقّل بين دول المنطقة أبعد ما يكون عن السهولة — يتطلب العديد من الرحلات تأشيرات مسبقة ويواجه الفلسطينيون إجراءات أشد تعقيدًا (كان أحد زملائنا الصحفيين شخصيًا ضحية هذا التعقيد) — فإن القطيعة تبدو أكثر حدّة بين شمال المتوسط وجنوبه.
منذ عام 2014، لقي أكثر من 40 ألف شخص حتفهم غرقًا، في حين ارتفعت ميزانية وكالة حرس الحدود الأوروبية "فرونتكس" خلال الفترة نفسها من 100 مليون يورو إلى أكثر من مليار يورو، وهو ما يعكس المفارقة. وقد تزامن ذلك مع تشييد السياج القاتل في الجيبين الإسبانيين سبتة ومليلية بالمغرب، ومع
إرساء سياسة تفويض إدارة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي لطرفٍ ثالث، على السواحل الجنوبية للمتوسط. في مقاله، يكشف الموقع الإيطالي "بابلميد" كيف تستفيد جماعات المافيا من تلك التدابير الحدودية في مختلف أنحاء المتوسط. أما دبي، محور رأسمالية مالية ومعَولمة، فتبدو وكأنها منطقة خارج الحدود تبيح تلك الممارسات.
____________
من دفاتر السفير العربي
- سرديّات الهجرة من خارج الجداول والبيانات
- الهجرة واللجوء: العالم مغلق!
____________
هل يمكن تصوّر شكل آخر من الاندماج داخل المنطقة؟ وهل تستطيع الدول الـ22 الأعضاء في جامعة الدول العربية تعزيز تعاونها، من باب أولى في مجال حرية التنقل؟ هل يمكن أن يتحقق ذلك على الأقل في الأقاليم الفرعية، من خلال اتحاد المغرب العربي كمثال، مستغلاً غياب الحواجز الدينية واللغوية، بعد أن أصبح أشبه بهيكلٍ فارغ بسبب أزمة الصحراء الغربية؟ هذا ما يرويه لنا الموقع الإعلامي التونسي "نواة" من خلال تجربة قافلة «الصمود» البرية التي انطلقت من تونس إلى ليبيا دعمًا للشعب الفلسطيني، ليبرهن على أن الحدود قد لا تكون السبب دائمًا في الفصل بين الشعوب. وهو ما يؤكده الموقع الجزائري "مغرب إيمرجنت" في التحقيق الميداني الذي أجراه عند تخوم جنوب الصحراء.
بعد نشر ملفَّين سابقين حول موضوع الهجرة، تهدف هذه المبادرة الجديدة لـشبكة الإعلام المستقل عن العالم العربي، التي تحتفل هذا العام بمرور عشر سنوات على تأسيسها، إلى إتاحة محتواها بالكامل عبر الإنترنت، باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، أملاً في كسر الحواجز المادية والذهنية على حدٍّ سواء.
ترجمته من الفرنسية إلى العربية دينا علي
*عضو هيئة تحرير "أوريان XXI "، ومنسق "شبكة المواقع الاعلامية المستقلة حول العالم العربي".

