بينما كنت أُمارس عادة الإنسان الحديث في "التعفن الدماغي" بالتقليب على مواقع التواصل الاجتماعي، وفيما أشاهد بعض المقاطع على "فيسبوك"، ظهرتْ لي مشاهدُ من مدينة غزّة وشوارعها قديماً. أقصد قبلَ الحرب. فهذه الفارقة الزمنية ليست شيئاً عابراً، على الرغم من أنها ليست سوى ثلاث سنوات، وكما يقول كثيرون، فإنّ السنة والسنتيْن ومثلهما في عُمر الدول والشعوب ليست محسوبة، بمعنى ألّا أثرَ كبيراً لها.
المهم أنني شاهدت مقاطع لأشياء أعرفها. منتزه الجندي المجهول الشهير والمركزي في مدينة غزّة، وفي قلب حي الرمال، البسطات والمقاهي الصغيرة من حوله. ألعاب الأطفال والأراجيح، وأصوات الأغاني الصادحة التي طالما انزعجنا منها عند مرورنا منه. الليل في المكان، حين تخرج أغاني جورج وسوف وعمرو دياب ورائحة القهوة المحلية، أو "قهوة الشوارع" كما أُسمّيها، التي لا أستلطفها أبداً، كشخصٍ يُحب إعداد القهوة بنفسه، وبـ"أعلى مزاج".
غزة فوق العالم
09-09-2025
زحمة الشارع، الباعة والعمّال في محلات الملابس والأحذية وهُم ينادون على المارّة. "تفضلي يا بنت"، "أهلاً وسهلاً يا أستاذ.. تعال عنا، بتشرفنا"، وغيره يقول: "عنا حاجات حلوة، بس تعال شوف". هذه الأصوات المعهودة للشارع، مع صوت صافرة شرطي المرور وزحمة مُفترق فلسطين، المختلطة مع أنغام السيارات، ومحل "السوسي" الشهير لبيع الفلافل.
مقطع آخر، تمنّيت للحظة لو أنني الذي صوّرته، لسيارة تمرّ عبر شارع عمر المختار - نفسه في حي الرمال - حتى المجلس التشريعي وصولاً إلى الطريق إلى البحر وميناء غزّة، عدا عن مشاهد مختلفة لهذه الأماكن، خاصة وقت المطر، ووقت الازدحام بالسيارات والناس.
وأنا أشاهد هذه المقاطع، داهمني ألمٌ فظيع. ألمٌ خطير وقاتل، لا أعرف كيفَ أتعامل معه. قد أظن أنني الوحيد، لكنني لاحقاً تأكدتُ أن كلّ الناس في غزة يشعرون بهذا الألم، ولا أعتقد أنه من السهولة أن يصفهُ أحد.
كانت هذه المدينة بينَ أيدينا. كان كُلّ شيءٍ معنا. كانت الشوارع هُنا، وكانت الأصوات حولنا، كُنّا أبناءها الذين نمشي فيها كلّ يوم من دونَ أن ننتبه. هل حقًا لم ننتبه؟ أم أننا كنّا نعيشها فعلاً؟. لماذا لم نصوّرها؟ لماذا؟
يُقال أحيانًا إن الإنسان الحديث ينغمس في تصوير اللحظة وتوثيقها، ناسياً أن يعيشها. لكن هذه المقولة، على الرغم من اقتناعي الكبير بها، تبدّلتْ حالها، ورأيي فيها، ما بعد سنوات الإبادة. إذ كانَ علينا توثيق الكثير وتصويره، كان علينا أن نحمل كاميراتٍ فوق رؤوسنا. آه لو كنا نعرف.
أسمع هذه الكلمة كثيرا،ً لكن لا أعرف ماذا سيفعلون؟ هناك من قال إنهُ سيعيش اللحظة. لماذا؟ ألم نكُن نعيشها؟ هل كنّا نعيش آلامنا ولم نُدرك أنها "بسيطة" مقارنةً باللحظة الحالية؟ وهل كنّا نتذكر المدينة وتفاصيلها، ونحنُ نتأمل مدنَ الآخرين ونحلم بالسفر إليها، والعيش فيها؟
وأنا أشاهد مقاطع من غزة قبل تدميرها، داهمني ألمٌ فظيع. ألمٌ خطير وقاتل، لا أعرف كيفَ أتعامل معه. قد أظن أنني الوحيد، لكنني لاحقاً تأكدتُ أن كلّ الناس في غزة يشعرون بهذا الألم، ولا أعتقد أنه من السهولة أن يصفهُ أحد.
كنتُ في السيارة مع أمي قبلَ يوميْن، كانت تقود وتحاول الهرب من مياهٍ أغرقت الشارع بعد منخفضٍ جوي ماطر وكثيف، وعلى الجنب كانت البسطات تملأ الطريق، فلا مجال للسيارة أن تمشي إلا فوق الماء، فالطريق مُدمَّر، غارق، وما تبقى منه استولت عليه الخيام والبسطات والركام، فقالت بعفويةٍ مُطلقة: "كنّا نتذمّر من غزّة، كنّا نحكي إنها مش حلوة، وهلقيت نتمنى لو ترجع زي قَبل"!
وهذه أُمي التي لم تتذمّر من غزّة في يومٍ من الأيام، وتجادلني في كلّ مرةٍ أقول إنني سأُسافر الى بلادٍ أجمل وأفضل، لتقول لي: "وين حتروح؟ فش أحلى من غزّة". لوهلة شعرت أن كلمتها في السيارة، كانت عتاباً لا أسىً، كأنها تقول لي بطريقةٍ أخرى: هذه غزّة التي كنتَ تراها غير جميلة، الآن صارت كما ترى، وقد كانت الأجمل، وأنت لم تُشاهدها على حقيقتها.
هل حقاً لم نشاهدها؟ هل كانت أعيننا مغلقة عن جمالها؟ هل كانت تؤلمنا بعض حبّات الرمل التي تملأ الشوارع، فاستبدَلها الله لنا بشوارع مُجرّفة ومدمَّرة كلها؟ هل كان يؤلمنا ضيق الشوارع وازدحامها فاقتطَعَ خمسين في المئة من مساحة المدينة وأعطاها للصوص، بينما أبقى على الخمسين الأُخرى مدمَّرة ومليئة بالنازحين وبالخيام، فلا عُدنا نمشي ولا نأخذ مساحتنا فيها؟ هل هذا صحيح؟
إنها تساؤلاتٌ لا تكاد تنفكُّ عنّي كلّ ليلة. أشعر بالذنب تجاه المدينة، تجاه نظرتي ورأيي فيها كلّ يوم، وأشعر طويلًا أنني لم أحظَ بفرصةٍ لأعرفها حقاً، على أنني كنتُ أكثر المستمتعين فيها، بشوارعها وبالمشي فيها، ببحرها وذكرياته، بأحيائها وتفاصيلها الدقيقة وأصواتها التي لا تتركني إلا وقد هاجمتني في كلّ مقطع أقلّبه على الانترنت.
هذه التفاصيل الصغيرة التي سرعان ما تُهاجمني، تظهر كفخاخٍ للذاكرة. ينزلُ المطر، وعلى الرغم من غرقنا وانهيار كلّ شيء من حولنا، من شبابيك المنزل المتهرئة والمرقّعة، وجرينا السريع لتدارك الأمر وتصريف المياه قبلَ الغرق، إلّا أنني أحسُّ بلهفةٍ للمدينة في المطر. أشمُ رائحتها في أنفي، وأتذكر بحرها في الشتاء، والمشي في أيامها الماطرة.
الذاكرة انتقائية، فهي تتمسّك بالتفاصيل الصغيرة، وتعلّقنا بها. تُشبه المقابض، تمنعنا من النسيان، وتمنعنا من الجريان الكُلي في ألم اللحظة الحاليّة، فكلما غرقنا، تُعيدنا هذه المقابض إلى أبواب الذكريات.
غزة 1847: رحلة من خان يونس إلى أسدود
22-10-2023
أفكّر في كلّ ذلك، وأقرِّر: نحن بحاجة إلى دروسٍ في التعامل مع الذاكرة. وهذه مدينة كاملة، بحاجة، إلى جانب حصص الدعم النفسي والاجتماعي، إلى دوراتٍ تتعلّق بالذاكرة، وكما يقول وليد سيف، مُبدع التغريبة الفلسطينيّة، التي تتشابه بشكلٍ أكثر فجاجة وشدّة مع مأساتنا: "من يحمل عبء الذاكرة؟ ومن يكتب سيرة من لا سيرة لهم في بطون الكتب؟".. وأنا أقول: من يحملُ عبء الذاكرة، ومن يكتبُ سيرة غزة؟





