إعداد وتحرير: صباح جلّول
فُتّحت زجاجات الشمبانيا في أروقة الكنيست الإسرائيلي احتفالاً. رُفعت حبال المشانق، ولُبست المشنقة رمزاً تزيينياً مذهّباً على الصدور. عمّت التبريكات بمرور القرار، وأيّ قرار!
أقرّ البرلمان الإسرائيلي مساء الاثنين في الثلاثين من آذار/ مارس 2026 قانوناً يجعل من عقوبة الإعدام الحكم المعياري القانوني الجديد بحق الأسرى الفلسطينيين. لطالما كان إعدام الأسرى واقعاً قائماً في فلسطين المحتلة منذ النكبة، فهم قُتلوا وجُوِّعوا واغتُصبوا حتى، بدون رادع في سجون الكيان المسخ، والآن بات قتلهم مباحاً قانوناً أيضاً، بعد أن كان مباحاً بطرق شتى، مفسحاً المجال أمام مزيد من الجرأة على ارتكابه والتطبيع معه.
62 نائباً صوتوا بنعم لقرار الإعدام، مقابل 48 صوتوا بلا، وامتنع نائب واحد في الكنيست. مشروع هذا القانون كان تقدَّم به ما يسمى حزب "القوة اليهودية"، الذي يرأسه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، مع عضو الكنيست الليكودي نيسيم فاتوري. وينصّ القانون على تطبيق العقوبة على أي مواطن فلسطيني يَقتل إسرائيلياً، لكنه لا يُطبق بأي حال على إسرائيلي يقتل فلسطينياً. قانون فصل عنصري إذاً، متسق تماماً مع الدولة العبرية شكلاً ومضموناً ومؤسسات ومجتمعاً. وهو قانون إبادة أيضاً، منسجمٍ تماماً مع المنحى الذي اتخذته إسرائيل في حربها على غزة - وما قبلها وما بعدها، والآن بشكل متزايد وعلى مرأى العالَم، ودونما أدنى خجل أو محاولة لإخفاء النشوة بتطبيع الإبادة أو التخفيف من لهجة التفوق العرقي.


لبس الوزراء والمشرّعون الإسرائيليون المؤيدون للقرار أزراراً تمثّل حبل المشنقة، بينما استعرض المستوطنون حبال المشانق وكذلك فعلت وسائل الإعلام، محتفلين بالقتل باعتباره "إنجازاً". (الصور عن منصة "إكس")
إنها صورة هذا الكيان العارية، بكل فجاجتها، وإنه مشهد مريع يؤذي القلب والبصر: شامبانيا وابتسامة بن غفير البلهاء في وجوهنا، قرابة 10 آلاف أسير فلسطيني ينتظرهم مصير مرعب.
منافسة في التوحّش
"كنتُ في الميدان. أصدرتُ أوامر بإطلاق النار على إرهابي في رأسه، وهو مكبّل اليدين خلف ظهره". هذا ما قاله يوم الاثنين أحد أعضاء الكنيست، ميكي ليفي، من حزب "يتش عتيد" "الوسطي"، حسب التصنيفات الإسرائيلية! بكل فخر، شارك ليفي شهادته، اعترافه بالقتل بدم بارد بدون سبب، أثناء خدمته كقائد شرطة القدس خلال انتفاضة الأقصى عام 2002، محاولاً المزايدة على أعضاء كتلة القوة اليهودية، حزب بن غفير الذي دفع بقانون الإعدام قدماً.
الأسرى المحررون: "لا تنسوا الأسرى"!
11-07-2024
لم يخفِ ليفي جريمته، لكن كيف تعامل معه المجتمع والمؤسسات الإسرائيلية؟ الجوال: كبطل لا يستحق سوى الاحتفاء. ترقّى في مسيرته المهنية، وأصبح ملحقاً للشرطة الإسرائيلية في الولايات المتحدة، ثم عضواً في الكنيست ورئيساً للجنة التدقيق الحكومية، ثمّ رئيساً للكنيست ونائباً لوزير المالية الإسرائيلي. في العام نفسه الذي أمر فيه بإعدام أسير فلسطيني بدم بارد، حصل ليفي على جائزة "فارس الحوكمة الرشيدة" في إسرائيل، وجائزة "شخصية العام" من القناة الثانية الإسرائيلية.
تأملوا في فكرة أن "خصوم" حركة بن غفير المتطرفة هم هؤلاء "الوسط". إنها زاوية أخرى للصورة المرعبة التي تشكل ماهية إسرائيل، كلتاهما مكثفتان في جلسة واحدة - جلسة إقرار قانون إعدام الأسرى.
على ماذا ينص القانون؟
ينطبق القانون حصراً على المواطنين الفلسطينيين، فقد جاء في نصه أن عقوبة الإعدام ستُفرض على من يقتل شخصاً "بقصد إنكار وجود دولة إسرائيل"، وهذا يعني عملياً أن "الإرهاب القومي اليهودي" كمثل هجوم المستوطنين و"بوغروماتهم" لإحراق وقتل الفلسطينيين في القرى التي يُغيرون عليها هو عمل لا يستوجب العقوبة في إسرائيل (بل يتمّ التشجيع عليه من عدد من الوزراء والمسؤولين).
حسب صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، "يُطبَّق هذا القانون في أي منطقة تسيطر عليها إسرائيل فعلياً، بما في ذلك الضفة الغربية وما نسبته 53 في المئة من قطاع غزة.
يقول القانون أن طريقة الإعدام هي الشنق، مع الحفاظ على مجهولية ضابط السجن المنفِّذ، لتلافي المحاسبة والانتقام، بل أن المنفِّذ يُمنَح حصانة جنائية ومدنية كاملة. من "ميزات" القانون أن حكم الإعدام بموجبه هو حكمٌ بلا استئناف، مع وجوب التنفيذ خلال 90 يوماً من صدوره.

يمكن للمحكمة العليا في إسرائيل إبطال إقرار القانون بعد أن تقدم استئناف به، لكن من غير الواضح ما إذا كان سيمرّ فيصير سارياً، أو يُبطَل خلال الأيام القادمة. إلّا أن سابقة مرور قرار الإعدام حصلت بالفعل، وهذا بذاته ينبئ بأوضاع كارثية إضافية للأسرى الذين هم أصلاً لدى الاحتلال في ظروف غير آدمية.
لكن الوضع "القانوني" في الكيان الصهيوني اليوم هو كما يلي: يمكن اعتقال المواطن الفلسطيني، احتجازه من دون تهمة، محاكمته في محاكم الاحتلال اللاشرعية، الحكم عليه بأغلبية بسيطة، منعه من الاستئناف أو تخفيف الحكم، وإعدامه في غضون 90 يوماً… وكلّه "بالقانون"!
ردود الفعل
أثار الحكم إدانات واسعة من فصائل فلسطينية ومنظمات حقوقية وخبراء وحكومات دولية، اعتبرته انتهاكاً للقانون الدولي. ففعلياً، لا يجوز لسلطة الاحتلال أساساً تطبيق قوانينها المحلية على الأراضي المحتلة، وهذا القانون يضرب في عرض الحائط بهذا الشرط.
وصفت منظمات حقوق الأسرى القانون بأنه عنصري وخطير، بينما رأت الخارجية الفلسطينية أنه يكرّس حصانة إسرائيل من العقاب، ويعكس نوايا لارتكاب جرائم حرب.
قالت منظمة العفو الدولية "آمنستي" إن إسرائيل تمنح نفسها "كارت بلانش" لإعدام الفلسطينيين، بينما تتجاوز أبسط معايير المحاكمات العادلة، في ما يرقى لتصنيفه "جريمة حرب" لو نُفّذ.
عدد من الدول الأوروبية، منها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة، حذرت إسرائيل عبر وزراء خارجيتها من أن مشروع القانون "قد يُقوّض التزامها بالمبادئ الديمقراطية"، على أساس زعم إسرائيل أنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وهو زعم لا تبدو دولة الاحتلال مهتمة كثيراً بالتمسك به بعد الابادة التي ارتكبتها في غزة. أما الولايات المتحدة الأميركية، فأكّدت على "حق إسرائيل في سنّ قوانينها الخاصة".
"لن نناشد.. سنتصرّف"
26-03-2026
إلى ذلك، جاء في بيانٍ لأسطول الصمود العالمي، تعليقاً على إقرار القانون: "بإضفاء الشرعية على إعدام شعب محتل بموجب نظام محاكم عسكرية يحافظ أصلاً على معدل إدانة شبه كامل (للأسرى الفلسطينيين)، انتقلت إسرائيل من استراتيجية الاعتقال الجماعي إلى سياسة التصفية الجماعية التي ترعاها الدولة". ويتابع البيان أن هذا التحوّل يُمثّل "خاتمة منطقية، وإن كانت مروِّعة، لنظام بُني على التجريد الممنهج للفلسطينيين من إنسانيتهم، وثقافة الإفلات من العقاب المُقنّن. إنه يُوسّع نطاق العنف القائم في حصار غزة وتشريد الضفة الغربية ليُصبح بنية نهائية للموت لا رجعة فيها".
بُنية للموت المستدام هي دولة الاحتلال.. وصناعة الموت مدعاة للاحتفال فيها. هذا ما نحاول الصمود اليوم خطاً أخيراً في وجهه.



