التحولات المناخية في تونس: الموارد المائية وتآكل البنى الفِلاحية التقليدية

تَطرح الحالة التونسية إشكالية تتجاوز فكرة "نقص المياه" بحدّ ذاتها. فالسؤال لم يعد فقط كم تبقّى من الموارد، بل كيف تُدار، ولصالح من، وبأي كلفة اجتماعية وبيئية. هل نحن أمام أزمة ظرْفية يمكن حلّها بتقنيات إضافية وتعبئة موارد جديدة؟ أم أمام مسار أعمق يتعلّق بتآكل البنى الفِلاحية التقليدية التي كانت تنظِّم العلاقة بين المجتمع والمناخ، في وقت لم تنجح فيه السياسات الحديثة في بناء بدائل مستدامة؟
2026-04-02

فؤاد غربالي

أستاذ علم الاجتماع، تونس


شارك
ضيعة زيتون في تونس

في تونس، البلد الصغير في شمال أفريقيا، لا يتجاوز متوسط نصيب الفرد من المياه المتجددة سنوياً 450 متراً مكعباً، أي أقلّ بكثير من عتبة الفقر المائي المحددة دولياً بـ 1000 متر مكعب. في بعض السنوات الجافة، ينخفض هذا الرقم فعلياً إلى ما دون 300 متر مكعب. في المقابل، يستهلك القطاع الفِلاحي ما بين 75في المئة و80 في المئة من الموارد المائية، في اقتصادٍ لا تتجاوز فيه مساهمة الفلاحة 10في المئة من الناتج الداخلي الخام. هذه الأرقام لا تعكس فقط اختلالاً قِطاعياً، بل تطرح سؤالاً مباشراً عن كيفية توزيع مورد نادر، ومن يتحمّل كلفة استنزافه.

منذ ثمانينيات القرن الماضي، تضاعف استغلال المياه الجوفية في تونس عدة مرات، خاصة في المناطق الداخلية والجنوبية. اليوم، يُصنَّف أكثر من نصف الموارد المائية المستغلَّة على أنها في حالة استنزاف أو ضغط مرتفع. في بعض المناطق، تراجع منسوب المياه بعشرات الأمتار، وارتفعت نسبة الملوحة إلى مستويات تؤثّر مباشرة على الإنتاج الزراعي. في الوقت نفسه، لم تَعد السدود، التي تمثّل أحد أعمدة السياسة المائية منذ الاستقلال، قادرة على لعب دورها كما في السابق: معدلات امتلائها صارت أكثر تقلباً، وتكرّرت سنوات لا تتجاوز فيها نسبة التخزين 30 في المئة أو 40 في المئة. هنا تتشكل مفارقة أولى: الدولة التي استثمرت بكثافة في تعبئة الموارد السطحية تجد نفسها أكثر اعتماداً على موارد جوفية أقلّ استقراراً وأكثر هشاشة.

في موازاة ذلك، تشير المعطيات المناخية إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة بحوالي 1.5 درجة خلال العقود الأخيرة، مع توقعات بزيادة إضافية قد تصل إلى درجتين أو أكثر بحلول منتصف القرن. لكن الأهم ليس فقط الارتفاع الحراري، بل تغيّر نمط الأمطار: تراجع في المعدلات السنوية في بعض المناطق، وارتفاع في حدّة التذبذب، مع أمطار مركَّزة في فترات قصيرة تؤدي إلى انجراف التربة بدلاً من تغذية المخزون المائي. بالنسبة إلى الزراعة البعلية، التي تُغطي جزءاً مهماً من المساحات المزروعة، يعني ذلك تقلّصاً في مردودية المحاصيل وتزايداً في المخاطر. وبالنسبة إلى الواحات والأنظمة السقوية التقليدية، يعني ضغطاً إضافياً على توازنات دقيقة كانت تقوم على توزيع محدود ومدروس للمياه.

لكن المسألة لا تتعلّق فقط بندرة طبيعية. فخلال الفترة نفسها التي اشتدّت فيها الضغوط المناخية، شهدت تونس تحولات عميقة في أنماط الإنتاج الزراعي: توسّع الزراعات السقوية، اعتماد متزايد على الضخّ الفردي، وتراجع أنظمة التسيير الجماعي للمياه. في العديد من المناطق، حلّت الآبار الخاصة محلّ الشبكات التقليدية، ما أدّى إلى تفكيك آليات الضبط المحلي وتقاسم الموارد. هنا تظهر مفارقة ثانية: كلما توسّعت القدرة التقنية على استخراج المياه، تراجعت القدرة الجماعية على تنظيم استخدامها بشكل مستدام.

هذه التحولات لا تؤثر على جميع الفاعلين بالشكل نفسه. الفلاحون الصغار، الذين يعتمدون على موارد محدودة وعلى نظم إنتاج أقلّ مرونة، هم الأكثر عرضة لتقلّبات المناخ وارتفاع كلفة المياه. في المقابل، تستطيع الاستثمارات الكبرى امتصاص جزء من الصدمات عبر تعميق الآبار أو تغيير أنماط الإنتاج. النتيجة هي إعادة تشكيل تدريجية للخريطة الزراعية والاجتماعية: تراجع بعض الأنشطة التقليدية، توسّع أخرى أكثر كثافة في استهلاك المياه، وازدياد الفوارق بين الجهات.

في الشمال الغربي، حيث تتجاوز التساقطات أحياناً 500 إلى 800 مم سنوياً، تُخزَّن أغلب المياه السطحية عبر السدود الكبرى، التي تغذّي مناطق أخرى أقل مطراً. لكن هذا "الفائض النسبي" صار هشاً: سنوات الجفاف المتتالية خفّضت مخزون السدود. هذا يعني أن الشمال لم يعد فقط منتجاً للماء، بل صار منطقة ضغط، لأن عليه أن يلبّي حاجاته المحلية، وفي الوقت نفسه يُموِّن الساحل والعاصمة. هكذا يتحول "الخزّان" إلى مجال تنازُع ضمني بين وظائف محلية ووطنية.

في الجنوب، حيث تقل التساقطات غالباً عن 100 مم سنوياً، يبدو أن الوضع لم يتغير في الظاهر: اقتصاد مبني على الندرة. لكن التحول الحقيقي هو في عمق المورد. الواحات، التي كانت تعتمد على توازن دقيق بين الاستغلال والتجدد، صارت اليوم مرتبطة بضخّ مكثَّف من الموارد العميقة، وهي موارد غير متجددة عملياً. في مناطق من مثل: قبلي، وتوزر، توسعت الزراعات السقوية، خصوصاً التمور، لكنها صارت مرتبطة بتكلفة مائية وطاقة متزايدة. 

من هنا تَطرح الحالة التونسية إشكالية تتجاوز فكرة "نقص المياه" بحدّ ذاتها. فالسؤال لم يعد فقط كم تبقّى من الموارد، بل كيف تُدار، ولصالح من، وبأي كلفة اجتماعية وبيئية. هل نحن أمام أزمة ظرْفية يمكن حلّها بتقنيات إضافية وتعبئة موارد جديدة؟ أم أمام مسار أعمق يتعلّق بتآكل البنى الفلاحية التقليدية التي كانت تنظّم العلاقة بين المجتمع والمناخ، في وقت لم تنجح فيه السياسات الحديثة في بناء بدائل مستدامة؟ هذه المفارقة بين وفرة نسبية في الوسائل التقنية، وتفاقم في الهشاشة المائية والاجتماعية هي ما يجعل من التحولات المناخية في تونس مدخلاً لفهم تحوّل أوسع في علاقة المجتمع بالموارد وبالفضاء الريفي نفسه.

من ندرة المناخ إلى أزمة المورد: قراءة في الجغرافيا المائية

إذا قرأنا الجغرافيا المائية في تونس اليوم من خلال الخرائط فقط، فهي تبدو بسيطة: شمال أكثر مطراً، جنوب أكثر جفافاً. لكن قراءتها من خلال التحولات المناخية والاقتصادية، تجعلها شبكة مترابطة من الضغوط، حيث ما يحدث في جندوبة ينعكس في صفاقس، وما يُستخْرج من قفصة يُستهلك في الساحل، وما يتآكل في الواحات يُترجم في السوق الوطنية للفلاحة. هنا تحديداً لم يعد المناخ يوزِّع الماء فقط، بل يعيد توزيع الأدوار داخل المجال الوطني.

في الشمال الغربي، حيث تتجاوز التساقطات أحياناً 500 إلى 800 مم سنوياً، تُخزَّن أغلب المياه السطحية عبر السدود الكبرى التي تغذّي مناطق أخرى أقل مطراً. لكن هذا "الفائض النسبي" صار هشاً: سنوات الجفاف المتتالية خفّضت مخزون السدود في بعض الفترات إلى أقل من 40 في المئة من طاقتها، وفي المقابل تأتي أمطار قصيرة وعنيفة ترفع الانجراف، ولا تتحول إلى مخزون فعلي. هذا يعني أن الشمال لم يعد فقط منتجاً للماء، بل صار منطقة ضغط، لأن عليه أن يلبّي حاجاته المحلية (فلاحة حبوب، تربية مواشي) وفي الوقت نفسه يُموّن الساحل والعاصمة. هكذا يتحول "الخزان" إلى مجال تنازع ضمني بين وظائف محلية ووطنية.

هذا التوتر يُترجَم مباشرة في الساحل والشمال الشرقي، حيث يتركّز الطلب. في الوطن القبلي والساحل وصفاقس، حيث الفلاحة المروية والزراعات ذات القيمة التجارية: (قوارص، خضر، زيتون مكثف)، يتجاوز الضغط على المياه الجوفية قدرتها على التجدد. في بعض هذه المناطق، تُصنَّف أغلب الموارد المائية في حالة استغلال مفرِط، مع تراجع في المنسوب وارتفاع في الملوحة. هنا تتشكل مفارقة حادة: المناطق الأكثر ديناميكية اقتصادياً، التي تسهم بقسط مهم من الإنتاج الفلاحي الموجه إلى السوق، هي نفسها التي تعيش على مورد مائي يتدهور بسرعة. بمعنى آخر، النمو الفلاحي في هذه الجهات لم يعد فقط مرتبطاً بالأرض والعمل، بل بقدرة مؤقتة على استنزاف مورد غير متجدد بالوتيرة نفسها.

هذا الاستنزاف لا يبقى محلياً، بل يمتد إلى الداخل. في الوسط الغربي، حيث تتراوح التساقطات بين 200 و400 مم، تعتمد الفِلاحة بدرجة كبيرة على الأمطار وعلى المياه الجوفية المتوسطة العمق. ومع تزايد التذبذب المناخي، صارت الزراعات البعلية (حبوب خاصة) أكثر عرضة للخسائر، ما يدفع نحو التوسع في السقي لتعويض النقص. لكن هذا التحول يصطدم بواقع الموارد: حفر الآبار يتطلب استثماراً، والضخّ يتطلب طاقة، والمياه نفسها صارت أقل جودة. هنا تظهر طبقة جديدة من التفاوت: ليس فقط بين الجهات، بل داخل الجهة نفسها، بين فلاح قادر على الوصول إلى الماء وفلاح آخر رهين الأمطار. وهكذا تتحول الندرة إلى عامل إعادة فرز اجتماعي داخل المجال الريفي.

في الجنوب، حيث تقل التساقطات غالباً عن 100 مم سنوياً، يبدو أن الوضع لم يتغير في الظاهر: اقتصاد مبني على الندرة. لكن التحول الحقيقي هو في عمق المورد. الواحات، التي كانت تعتمد على توازن دقيق بين الاستغلال والتجدد، صارت اليوم مرتبطة بضخّ مكثَّف من الموارد العميقة، وهي موارد غير متجددة عملياً. في مناطق مثل قبلي وتوزر، توسعت الزراعات السقوية، خصوصاً التمور، لكنها صارت مرتبطة بتكلفة مائية وطاقة متزايدة. في قفصة، يتداخل الضغط الفلاحي مع الاستعمال الصناعي، ما يزيد من استنزاف الأحواض الجوفية. وفي قابس، يُضاف إلى ذلك عامل التلوث، ما يطرح ليس فقط سؤال الكمية، بل أيضاً نوعية المورد.

إذا رُبِطت هذه المناطق ببعضها، تتضح صورة مختلفة: تونس ليس بلداً فيه مناطق غنية بالماء وأخرى فقيرة فقط، بل بلد فيه نظام تحويل غير متوازن. الماء يتحرك من الشمال إلى الساحل، بينما يتحمل الداخل والجنوب جزءاً كبيراً من كلفة التذبذب المناخي واستنزاف الموارد الجوفية. في الوقت نفسه، يستهلك القطاع الفلاحي حوالي 80 في المئة من المياه، لكنه لا يوزّع قيمته بشكل متكافئ: بعض الزراعات المروية في الساحل موجهة إلى السوق، وتحقق عائداً أعلى، بينما تبقى الزراعات في الداخل أكثر هشاشة وأقل مردودية.

هكذا يعيد التغير المناخي تشكيل الجغرافيا المائية ليس عبر تقليص المورد فقط، بل عبر تعميق هذا الترابط غير المتكافئ. فالشمال يفقد استقراره كخزان، الساحل يضغط أكثر على الموارد، الداخل يصبح مجالاً للضغط الاجتماعي، والجنوب يقترب من حدود الاستنزاف. النتيجة ليست مجرد "أزمة ماء"، بل إعادة تشكيل للفضاء الوطني حول مورد يتناقص، إذ صار السؤال المركزي: ليس أين يوجد الماء، بل كيف يتحرك، ومن يسيطر على مساراته، ومن يدفع ثمن هذا التوزيع؟.

فِلاحة تحت الضغط: التحولات الإنتاجية بين التوسع السقوي واستنزاف الموارد

إذا كانت الندرة المائية قد أعادت رسم الخريطة على المستوى الوطني، فإن انعكاسها الأكثر وضوحاً يظهر داخل القطاع الفلاحي نفسه، حيث تحوّل الإنتاج الزراعي في تونس خلال العقود الأخيرة من منظومة قائمة جزئياً على التكيّف مع المناخ إلى منظومة تعتمد بشكل متزايد على تعويض هذا المناخ بالماء. هنا تحديداً نشأ ما يمكن تسميته بـ"فلاحة تحت الضغط": توسّع في المساحات السقوية، ارتفاع في كثافة الاستغلال، مقابل تآكل متسارع للموارد التي تقوم عليها.

إذا رُبِطت هذه المناطق ببعضها، تتضح صورة مختلفة: تونس ليس بلداً فيه مناطق غنية بالماء وأخرى فقيرة فقط، بل بلد فيه نظام تحويل غير متوازن. الماء يتحرك من الشمال إلى الساحل، بينما يتحمل الداخل والجنوب جزءاً كبيراً من كلفة التذبذب المناخي واستنزاف الموارد الجوفية.

لم تعد الفلاحة السقوية خياراً لتحسين الإنتاج فقط، بل صارت شرطاً للاستمرار في الإنتاج أصلاً. لكن هذه النقلة تحمل مفارقة أساسية: كلما توسّع السقي كحلّ لمخاطر المناخ، تحوّل هو نفسه إلى مصدر ضغط جديد على المورد. 

تُظهِر المعطيات أن المساحات المروية في تونس تجاوزت 450 ألف هكتار، مع توسّع ملحوظ منذ التسعينيات، خاصة في الزراعات ذات القيمة السوقية العالية من مثل: الخضر، القوارص، والتمور. هذا التوسع لم يكن مجرد خيار تقني، بل استجابة مباشِرة لتزايد عدم انتظام الأمطار وتراجع مردودية الزراعات البعلية. بمعنى آخر، لم تعد الفلاحة السقوية خياراً لتحسين الإنتاج فقط، بل صارت شرطاً للاستمرار في الإنتاج أصلاً. لكن هذه النقلة تحمل مفارقة أساسية: كلما توسّع السقي كحلّ لمخاطر المناخ، تحوّل هو نفسه إلى مصدر ضغط جديد على المورد.

في قلب هذا التحول، برزت ظاهرة الضخّ الفردي كعنصر حاسم في إعادة تشكيل المجال الفلاحي. ففي عدد من المناطق، خاصة في الوسط والجنوب، لم يعد الفلاّح ينتظر شبكات الري العمومية أو التوزيع الجماعي، بل صار يحفر بئره الخاصة، ويضخّ بحسب قدرته التقنية والمالية. هذا التحول من إدارة جماعية إلى استعمال فردي للماء غيّر قواعد اللعبة بالكامل. فمن جهة، سمح لبعض الفلاحين بتوسيع إنتاجهم والتحول إلى الزراعات السقوية المكثفة، ومن جهة أخرى، فتح المجال لاستنزاف غير مضبوط للموائد المائية. النتيجة ليست فقط ضغطاً بيئياً، بل أيضاً إعادة توزيع غير معلنة للسلطة داخل المجال الريفي: من يملك القدرة على الحفر والضخّ يملك القدرة على الإنتاج، ومن لا يملكها يُقصى تدريجياً.

هذا المسار تعزّز بسياسات فِلاحية شجّعت، بشكل مباشر أو غير مباشر، على التوسع السقوي من دون أن تنجح في ضبط حدوده. فالدعم الموجّه إلى الاستثمار، والتشجيع على الزراعات التصديرية، وتوسيع البنية التحتية للري، كلها عوامل دفعت إلى تكثيف الاستعمال، من دون أن تُرافقها دائماً آليات فعالة للرقابة على الموارد الجوفية. وهنا تظهر مفارقة ثانية: الدولة التي حاولت تحديث الفلاحة عبر تعميم تقنيات الري وزيادة الإنتاج، أسهمت في الوقت نفسه في تعميق أزمة المورد الذي يقوم عليه هذا الإنتاج. فالتخطيط ظلّ يركّز على تعظيم العرض الفِلاحي، أكثر من تركيزه على استدامة القاعدة المائية.

على مستوى الممارسة الزراعية، تُترجم هذه التحولات في أنماط إنتاج جديدة أكثر كثافة في استهلاك الماء. في الساحل والوطن القبلي، مثلاً، توسّعت الزراعات السقوية المرتبطة بالسوق، لكنها صارت تعتمد على موارد مائية تعاني من تملُّح متزايد. في الوسط الغربي، تحوّل جزء من الفلاحين من الحبوب البعلية إلى الخضر أو الأشجار المثمرة المَسقية، لكن بكلفة مرتفعة من حيث الطاقة والمياه. وفي الجنوب، توسعت الواحات الحديثة خارج الأطر التقليدية، مع اعتماد شبه كامل على الضخّ العميق، ما أدى إلى تسريع استنزاف الموارد غير المتجددة.

الدولة التي حاولت تحديث الفِلاحة عبر تعميم تقنيات الري وزيادة الإنتاج، أسهمت في الوقت نفسه في تعميق أزمة المورد، الذي يقوم عليه هذا الإنتاج. فالتخطيط ظلّ يركّز على تعظيم العرض الفِلاحي، أكثر من تركيزه على استدامة القاعدة المائية.

لا يمكن فهم صعود "الأثرياء الجدد" في الفِلاحة التونسية كحالة عرَضية، بل كنتاج مباشر لتقاطع بين المناخ والسوق والسياسات. إنهم يمثلون نموذجاً جديداً للفعل الزراعي، حيث لا تحدِّد الأرض وحدها الموقع الاجتماعي، بل تحدده القدرة على تحويل الندرة إلى فرصة. وفي المقابل، تتوسع دائرة الهشاشة، لا فقط لأن الموارد تتناقص، بل لأن الأطر الاجتماعية التي كانت تتيح تقاسمها وإدارة مخاطرها تتفكك من دون أن تُستبدل بمنظومات أكثر عدالة أو استدامة. 

بهذا المعنى، لم تعد الفلاحة مجرد قطاع مستهلك للماء، بل صارت مجالاً يعاد فيه توزيع المورد نفسه. فحين يستهلك القطاع حوالي 80 في المئة من المياه المتاحة، لا يتعلق الأمر فقط بحجم الاستهلاك، بل بكيفية توجيهه: أيّ الزراعات تُعطى الأولوية، أي مناطق تستفيد من البنية التحتية، وأي فاعلين يملكون القدرة على الوصول إلى الماء. وهكذا تتحول الفلاحة إلى فضاء تتقاطع فيه اختيارات تقنية مع علاقات قوة، حيث لا تعكس أنماط الإنتاج فقط التكيف مع المناخ، بل أيضاً القدرة على تحويل الندرة إلى مورد .

تكشف هذه التحولات مفارقة مركزية: الفلاحة التونسية صارت أكثر إنتاجاً في بعض المواقع، وأكثر اندماجاً في السوق، لكنها في الوقت نفسه صارت أكثر هشاشة من حيث الأساس الذي تقوم عليه. فكل توسّع في السقي يحمل داخله بذور تقليص المورد الذي يغذّيه، وكل تكثيف في الإنتاج يُقرِّب المنظومة من حدودها البيئية. بذلك لا تعني "الفلاحة تحت الضغط" فقط صعوبة الإنتاج في ظل المناخ، بل تعني أيضاً أن نموذج الإنتاج نفسه صار جزءاً من الأزمة التي يحاول تجاوزها.

تآكل البنى الفلاحية التقليدية: الفردنة والهشاشة

إذا أُعيد إدراج هذه التحولات ضمن سياقها المناخي، فإن ما يبدو كتحوّل اقتصادي أو تقني داخل الفِلاحة يكشف في العمق عن إعادة تشكيل سوسيولوجية للريف التونسي. فالتغير المناخي، من خلال تقليص استقرار الموارد ورفع كلفة الوصول إلى الماء، لم يخلق فقط ضغطاً على الإنتاج، بل أعاد تحديد من يملك القدرة على البقاء داخل النشاط الفلاحي نفسه.

في مناطق مثل الرقاب بسيدي بوزيد وقفصة، لم يعد امتلاك الأرض كافياً لضمان الاستمرار. فمع تراجع مردودية الزراعة المطرية وتزايد الحاجة إلى السقي، صار الوصول إلى الماء العميق شرطاً أساسياً للإنتاج. غير أن هذا الشرط ليس متاحاً للجميع: حفر بئر أو تعميقها يتطلب رأس مال، والطاقة اللازمة للضخّ صارت مكلفة، والبنوك لا تنظر إلى صغار الفلاحين كفاعلين جديرين بالائتمان في ظل مخاطر مناخية مرتفعة وتفتُّت الملكية. هكذا يجد الفلاح الصغير نفسه في موقع مفارِق: يمتلك الأرض، لكنه عاجز عن تحويلها إلى مورد فعلي للعيش. في المقابل، يدخل مستثمرون جدد - أطباء، محامون، تجار- يمتلكون السيولة والقدرة على الاستثمار، فيحوّلون تلك الأرض نفسها إلى مشروع منتِج.

هذا التحول لا يعني فقط انتقال الملكية أو تغييراً في أنماط الإنتاج، بل يشير إلى تفكك العلاقة التقليدية بين الأرض والانتماء الاجتماعي. ففي النمط القديم، كانت الأرض جزءاً من نظام اجتماعي أوسع، يربط العائلة بالجماعة وبشبكة من الأعراف التي تُنظّم العمل والماء. أما اليوم، فقد صارت الأرض أقرب إلى أصل اقتصادي قابل للتداول، يُقاس بقابليته للاستثمار أكثر مما يُقاس بانتمائه الاجتماعي. لذلك نلاحظ في عدة مناطق داخلية أن بعض الفلاحين اضطروا إلى بيع أراضيهم أو تأجيرها، ثم عادوا إليها كعمّال موسميين، أي أن موقعهم داخل المنظومة تغيّر جذرياً: من مالكين إلى قوة عمل.

وتتجلى هذه الديناميكية بشكل أوضح مع صعود نموذج الزيتون المكثف المستورد من التجربة الإسبانية. فهذا النموذج، القائم على الكثافة العالية والسقي المنتظِم والأصناف سريعة الإنتاج مثل Arbequina، لا يفتح المجال أمام الجميع، بل أمام من يملك القدرة على تعبئة رأس المال والتقنيات. لذلك أسهم في ظهور طبقة فِلاحية جديدة لا تنتمي إلى الريف بالمعنى التقليدي، بل إلى فئات حضرية تستثمر في الفلاحة كقطاع مربح. هذه الفئة لا ترتبط بالأرض كإرث أو كفضاء اجتماعي، بل كمجال لتحقيق العائد، وهو ما يعمّق الفجوة بين "فلاحة استثمارية" و"فلاحة معيشية".

سوسيولوجياً، يمكن قراءة هذا التحول باعتباره انتقالاً من مجتمع فِلاحي قائم على أشكال تضامن وتنظيم جماعي للندرة، إلى فضاء ريفي مجزأ تحكمه علاقات السوق وتفاوتات في الوصول إلى الموارد.. فالتغير المناخي لا يخلق فقط ندرة في الماء، بل يخلق أيضاً ندرة في القدرة على التكيف، وهذه القدرة تُوزَّع اجتماعياً بشكل غير متكافئ. وهنا تتشكل مفارقة عميقة: الأزمة المناخية التي يُفترض أن تدفع نحو إعادة بناء أشكال جماعية لإدارة المورد، تُسهِم فعلياً في تسريع الفردنة، لأنها ترفع كلفة البقاء داخل النظم التقليدية، وتمنح الأفضلية لمن يستطيع الاستثمار السريع.

بذلك، لا يمكن فهم صعود "الأثرياء الجدد" في الفِلاحة التونسية كحالة عرَضية، بل كنتاج مباشر لتقاطع بين المناخ والسوق والسياسات. إنهم يمثلون نموذجاً جديداً للفعل الزراعي، حيث لا تحدِّد الأرض وحدها الموقع الاجتماعي، بل تحدده القدرة على تحويل الندرة إلى فرصة. وفي المقابل، تتوسع دائرة الهشاشة، لا فقط لأن الموارد تتناقص، بل لأن الأطر الاجتماعية التي كانت تتيح تقاسمها وإدارة مخاطرها تتفكك من دون أن تُستبدل بمنظومات أكثر عدالة أو استدامة.

مقالات من تونس