إعداد وتحرير: صباح جلّول
"بعضهم يصل وحيداً، من دون أيّ فردٍ ناجٍ من عائلته".
ها نحن هنا، مجدداً، نشهد على أسوأ ما يمكن لامرئ أن يشهده.
ها هو يحدث، ذلك الأمر الشنيع، مرة أخرى، اليوم، كما حدث أمس، وقبل أمس.
ها هو طفلُ يُسحَب بأعجوبة من تحت الرماد، يصل بأعجوبة إلى مستشفى، ينقصه طرفٌ أو يكاد، لكنّ به نبض..
سواه أطفالٌ كثر، أخرَجوهم بلا نبض، بلا حياة. سرقهم الوحش. لكنّ هذا الطفل، بمحض الصدفة، "نجا".
نجا؟.. النجاة طريقٌ طويل، شاقّ، وفي حالة هذا الطفل بالذات، هي طريق يتسم بالوحدة: لقد "وصل وحيداً"..
هل هو طفلٌ في لبنان أم في غزة؟ لا فرق. فهو في كلتا الحالتين ضحية الكيان الإبادي الإسرائيلي، وقد صار هذا الطفل أطفالاً كثر، حتى استحال تصنيفاً في طب النزاعات والحروب والكوارث، معرَّفاً بأحرف قليلة تختصر وصف الحالة:WCNSF – Wounded Child, No Surviving Family، أي "طفل مصاب، لا ناجين من عائلته".
مرعِبٌ أن يصير جزءٌ من أطفالنا، عيونهم، رغباتهم، هواياتهم، أصوات ضجيجهم، خيالهم، نشاطهم، كلّهم، تصنيفاً بهذه القسوة، من خمسة حروف فقط، يشكّل واقعهم الجديد: مصابون خسروا أهلهم!
"الإبادة من المسافة صفر" .. الآن!
06-03-2025
يحاول الاحتلال استنساخ "نجاحاته" الإجرامية الإبادية من غزة إلى لبنان، ونشهد كل يوم منذ أكثر من أسبوعين صعود عدّاد الشهداء والجرحى والنازحين.. من بين هؤلاء، الأطفال هم الأقل حيلة. أكثر من 111 طفل وطفلة شهداء في لبنان، وما يزيد عن 330 منهم جرحى (بين 2 و17 آذار/ مارس 2026)، كثير منهم يصلون بإصابات بالغة: حروق وكسور وبتر وشظايا في أجسادهم صغيرة، عدا عن أثر فقدان أحد أو كلي الوالدَين، أو الإخوة وأفراد العائلة...

"عندما كتبتُ لأول مرة عن هذه الظاهرة في غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لم أكن أتخيل أن العالم سيسمح لإسرائيل بمواصلة هذا الظلم في المنطقة عام 2026"، قال جراح الترميم الطبيب غسان أبو ستة عن ظاهرة الأطفال المصابين بلا أهلٍ ناجين. لكن ها نحن هنا، مجدداً، لا نطيق النظر في عيون هذا الطفل أو تلك الطفلة، بل يكاد المرء يصاب بالجنون لاضطراره على أن يشهد على صورة وصوت طفلٍ يتوجع، ويعبّر عن قهره، ويكبر في يومٍ سنين..
"في غرفة العمليات: طفل آخر يبلغ من العمر أربع سنوات مصاب بجروح متعددة في الوجه وكسور وبتر جزئي في القدم. شقيقته مصابة أيضاً. قُتل والداهما. هذه حرب إسرائيل على الأطفال في لبنان"، يقول الدكتور أبو ستة في منشورٍ آخر..
"نتكفل بهم"
أمام هذا الواقع، واستكمالاً للدور الذي اضطلع به الدكتور أبو ستة في غزة، ومعه عشرات الأطباء والجراحين المخلصين أثناء حرب الإبادة (ومنهم من استشهد وأصيب وأسر وما زال في الأسر، كالطبيب حسام أبو صفية..)، أعلن صندوق غسان أبو ستة للأطفال عن تغطيته لعلاج جميع الأطفال المصابين جراء الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، بحيث يتكفل بتقديم الرعاية الطبية اللازمة بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، ووزارة الصحة اللبنانية، وبالاشتراك مع الشبكة الدولية للعون والغوث. يركّز صندوق غسان أبو ستة للأطفال على تقديم رعاية تصون كرامة الأطفال والعائلات وتُعنى بالتأهيل طويل الأمد، وإلى ذلك، يشجع الصندوق التبرعات و"كفالة" طفل مصاب بما يستطيع كلّ منا تقديمه[1].
أكد الصندوق في بيان له أن الأطفال المصابين سيُستَقبلون ويُعالَجون في المركز الطبي بالجامعة الأمريكية في بيروت، وأن بإمكان المستشفيات الأخرى التنسيق مباشرةً مع المركز الطبي بالجامعة الأمريكية في بيروت لترتيب نقلهم وإدخالهم[2].
جرح النازحين النازف
12-03-2026
بالإضافة إلى ذلك، يقدّم برنامج "أقوى"، المساعدة في رعاية الأطفال الجرحى جراء الحرب[3]، من الرعاية الطبية المنقِذة للحياة، إلى إعادة التأهيل، والدعم النفسي للأطفال المتضررين. و"أقوى" هو برنامج أُطلِق بعد جولة الحرب الماضية بشهور، في شهر آذار/ مارس من العام 2025، "كأول نهج شامل متعدّد القطاعات بقيادة وزارة الصحة العامة واليونيسف، وبالشراكة مع المنظمة الدولية للإغاثة والمساعدة (إينارا) وصندوق غسان أبو ستة للأطفال"، حسب موقع اليونيسف. في ظلّ ندرة الجهات التي تقدم دعماً صحياً وافيا في هذه الظروف، تبرز أهمية جهود التعاون بين مؤسسات رسمية ولاحكومية وأممية لتقديم خدمات تأمل بأن توفر مقاربة شاملة للرعاية، عبر علاج طبي متخصص وعمليات جراحية، كما لتوفير أطراف صناعية، وصولاً إلى الدعم النفسي الاجتماعي بالغ الأهمية، الذي يستفيد منه حالياً مئات من بين آلاف الأطفال الذين تتحقق لديهم الحاجة للحصول على هذا النوع من الدعم.


"لم يبقَ من أهله أحد"! (من صفحة صندوق غسان أبو ستة للأطفال على انستغرام)
"تبلّد" تجاه قتل الأطفال!
"ليست حرباً لأسعار النفط، إنها حرب على الأطفال"، قال المتحدث العالمي باسم اليونيسف، جيمس إلدِر، محذراً من أن "العالم بات أكثر تبلّداً تجاه مقتل الأطفال في الحروب". صار خبرهم أمراً يمكن "التسامح معه"، تمريره من بين عشرات الأخبار الأخرى في اليوم، ومتابعة الحياة. أي عالمٍ هذا؟
هذه الجمل نفسها صارت بائتة ومكرورة. تساءلنا "أي عالمٍ هذا؟" عندما قصفت غزة، المدارس، المستشفيات، البيوت والخيم، ومنذ أسابيع فقط، عندما قصفت مدرسة شجرة طيبة في إيران، وعشرات المرات في لبنان مع كلّ مجزرة وجريمة.
بالنسبة لإلدر، "إن مقتل طفلٍ واحد يجب أن يُوقفنا تماماً"، من السودان إلى غزة وما بينهما، غير أن مقتل الأولاد والبنات صار "ضجيجاً عادياً".
نسأل بذهول: ما الذي سيتطلبه منا إبعاد هذا الخدَر المشين إزاء قتل وجرح وترويع الأطفال بشكل خاص، وإزاء تدمير حياتنا كلها عموماً؟
لدى الدكتور غسان أبو ستة نصيحة دائمة: "لا تفكر بحجم المشكلة، فكر بما تستطيع تقديمه بإمكاناتك. ما نستطيع إنجازه بغاية الأهمية".
_______________________
- للتبرع على الرابط: https://act.upaconnect.org/give/553537/#!/donation/checkout ↑
- الاتصال على الخط الساخن 0096181560332 لتنسيق التواصل وترتيب نقل الأطفال المصابين. ↑
- يمكن للأهل أو مقدمي الرعاية للأطفال المصابين أو المتضررين من الحرب الاتصال بالخط الساخن لبرنامج "أقوى": 0091676325928 و 0096176835307. ↑



