عن مكتبة في صُور.. لم تنزح مع النازحين

تلك المكتبة رفيقتي التي لم تخنِّ يوماً، وكنت أحملها معي لأنقلها من شقة مستأجَرة إلى أخرى. كبرتْ أمام عيني، وتنوعت مواردها، وتمددت لتحتل مساحات مختلفة من تلك الشقق. كنت أعتني بها وتعتني بي، فتجبر كسري حين يعزّ الرفيق، وتؤنس وحشتي حين يغيب الأنيس. وها أنا أهجرها من جديد وقلبي متعلق بها.
2026-03-13

عماد الدين رائف

كاتب وصحافي من لبنان


شارك
جزء من المكتبة

تركتُ صور.

انطلق بي الفان (الميكروباص) من محطة البصّ شرق المدينة، ينهب الأرض نحو صيدا. فكرّت في أن أكتب رسالة اعتذار إلى نتالي المتحدرة من أصل لبناني التي تعيش في مدينة فرنكندروف السويسرية. كانت قد لجأتْ إليّ تبحث عن معلومات حول تاريخ أجدادها الذين هاجروا أيام العثمانيين، فتركوا "مرقد العنزة" خلفهم ورحلوا إلى "أرض الفرص"، أميركا. وجدَتني بعد طول بحث، إذ شاهدتْ صدفة بعض الصور والوثائق عن أجدادها في محاضرة لي قبل ثمانية أعوام، ضمن مؤتمر تاريخ الأدب العربي الثالث، الذي نظمه قسم اللغة العربية في جامعة تاراس شيفتشينكو الوطنية في كييف.

حاولتُ صياغة رسالة مقتضبة على شاشة هاتفي المرتجِفة بفعل الطريق المتحفِّر، ثم استسلمتُ ليجول نظري في مشهد المحال التجارية عن يميني وبساتين الموز عن يساري.. ذلك المشهد الهارب إلى الخلف.

ما الذي سأكتب؟ أأقول لها أنني تركت مكتبتي خلفي، ولا إمكانية للبحث في مجموعات الكتب والصحف القديمة؟

مقالات ذات صلة

تلك المكتبة رفيقتي التي لم تخنِّ يوماً، وكنت أحملها معي لأنقلها من شقة مستأجَرة إلى أخرى. كبرتْ أمام عيني، وتنوعت مواردها، وتمددت لتحتل مساحات مختلفة من تلك الشقق. كنت أعتني بها وتعتني بي، فتجبر كسري حين يعزّ الرفيق، وتؤنس وحشتي حين يغيب الأنيس. وها أنا أهجرها من جديد وقلبي متعلق بها.

في حرب الـ 66 يوماً الماضية، هجرتها كذلك. لكنها احتلت يومذاك جدران شقة أخرى في شارع المدرسة الدينية في قلب حي الرمل.

صبّ طيران العدوّ جام غضبه على مباني الحيّ المتهالكة ذات الجدران الرملية المشبعة بملح البحر. الضربة الأولى كانت الأقسى، إذ أغار الطيران على المباني المقابلة لمسجد الدينية فغيّرت قنابله وجه الشارع. انهارت مبان ومالت أخرى واختفت الزاروبة (الزقاق) التي تصل بين الدينية وحيرام. عصفتْ القنابل بالشقة فاقتلعت النوافذ والباب الخارجي. لم أنم حين سمعت بتلك الغارات، رغبت في أن أعرف ما الذي حلّ بالمكتبة.. ثم أتت ضربة ثانية، اقتلعت بناية الدلباني والمباني المجاورة خلف المنزل. تضررتْ غرفة النوم، وتضررت الكتب المتراكمة فيها، إلا أن المكتبة نفسها نجت.

لم ألتق بها إلا بعد مرور أسبوع على إعلان الاتفاق على "وقف إطلاق النار" المزعوم، وذلك بعد تأمين باب خارجي للشقة بسعر خيالي، وبعض النايلون لتسكير الفجوات التي كانت نوافذ. كان الباب الخارجي المقتلَع مُسنّداً بعارضة خشبية، والشقة، كعشرات الشقق الأخرى، معرّضة للسرقة، حين لم يبق في المدينة، على قول أحدهم، سوى المتطوعين والمسعفين و"المقاطيع" (الذين لا مكان آخر يؤويهم)، والحرامية. لم أخش السرقة، فلن يسرق أحد كتاباً في بيئة بينها وبين الكتاب عداء سافر. ربما خشيت من برد كانون الأول/ ديسمبر، وأن تتحول الكتب إلى وقود تدفئة، إن سرقها من لا يعرف قيمتها.

على أي حال، بعد الحرب مباشرة، وحين بدأ الشارع يستعيد بعض شكله الماضي، غزا الجشع قلوب المؤجِّرين مع تدفق آلاف النازحين من القرى الحدودية إلى المدينة. إذ تبيّن أن وقف إطلاق النار كان من جانب واحد، وأن لا عودة لأهل القرى الحدودية إلى بيوتهم. تضاعفت الإيجارات مرات ومرات، ولم يعد أحد يأبه بعقد أو اتفاق أو كلمة، وبات "كل واحد بيعمل مصلحته" وليس "كل واحد بيعمل بأصله". أصاب داء "كَلَب المال" الناس فأكل القوي الضعيف وتلذّذ في التهامه. ليس هذا حكماً أخلاقياً بل مجرد توصيف للحال، فمَن رحمه العدوّ لم يرحمه ابن بلده، وخلفهما تقف حكومة اللصوص التي امتصت خلال الشهور الخمسة عشر الماضية القدرة الشرائية من الأوراق النقدية، أو كما قال الشاعر العاملي: "قطع اللصوص عليَّ دربي، بعدهم/ قطعت حكومتهم عليَّ دروبي".

تحت الضغط، نزحتُ مع مكتبتي ربيع العام الماضي إلى جوار مخيّم البصّ، فتمددتْ وارتاحت على جداري غرفتيْ الشقة المستأجرة بوساطة كاتب صديق، وبضعف الإيجار القديم. اختليتُ بها نحو شهر من الزمن أسحب كتبها من عشرات الصناديق وأرتّبها على الأرفّ. لا أنظمة بيننا، ولا أعراف، بل الذاكرة وحدها تحكم علاقتي بها، إذ لم أعاملها يوماً بنظام "ميلفل ديوي" العشري، الذي أرهقني هو ومادة "البيبلوغرافيا" في سنتي الجامعية الثانية قبل 33 سنة. بل رتبتُ الكتب في الخزائن الخشبية وفق مستوى احتياجي لها في عدد من البحوث المستمرة التي أُجريها. وخصصت إحدى الخزائن للمعاجم والقواميس التي ينبغي أن تبقى بمتناول اليد، وأنا عاكف على بعض الترجمات بين العربية واللغات السلافية.

وها أنا أتركها من جديد في عين الله بجوار مخيم البصّ للاجئين الفلسطينيين.

والمفارقة تكمن في أنها كانت قد وُلِدت قبل عقود بجوار مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين.

كنت طفلاً حين ولدتْ مكتبتي على رفّين مرتجلين في تجويف باب مقفل. كان المالك قد قسم شقته إلى قسمين أجّرنا قسماً منهما، بعدما سدّ الأبواب بين القسمين وبات بإمكاني أن أطلب من والدي أن يضع رفّين لمجلاتي وكتبي القليلة. كان ذلك ليلةَ كبرتُ فجأة، وكانت ليلة مرتبطة بالعدوّ وعدوانه وبمكتبتي أيضاً...

ولعل ذلك أول ما حُفر عميقاً في الذاكرة بشكل لا يمكن لشيء أن يمسحه.

هناك. أمام شباك واسع في الغرفة الأخيرة من المنزل الأرضي. شباك مشرّعة أبجوراته على حديقة كبيرة، تحتل جزءاً منها بركة ماء إسمنتية قرب توتة معمِّرة ضخمة. حديقة الجيران، المحرَّمة علينا، نحن الأطفال، مليئة بالمزروعات الصيفية، وبينها أثلام في التراب الأحمر تسمح لمياه الريّ بالمرور السلس من البركة.

كانت حفلة بعد الظهر قد انتهت. حفلة سقاية يومية مرحة، تستحق المشاهدة. تكون الحاجّة قد زربتْ الدجاجات في أقنانها، وشمّر الشبان عن سيقانهم وأذرعهم، وتسلحوا بمجارف صغيرة، يسارعون بها إلى تغيير وجهة المياه المتدفقة من البركة إلى الزرع.. يعيدون موضعة الأثلام الترابية كي يضمنوا أن جذور المزروعات كلها تشبعت بالرطوبة المنعشة.

كنا في انتظار حفلة أخرى مع حلول الظلام، تدور فيها الخفافيش حول التوتة، تسرق من كبوشها الليلكية أطيبها، تقضم منها ما تيسر ثم ترمي بها بعيداً. فإذا ما كانت أمي قد نسيت البياضات على الحبل، تغدو ثيابنا مهرجان ألوان. إلا أن تلك الليلة كانت من دون غسيل منشور. كانت صافية. وكنا فيها على موعد مع مهرجان ألوان من نوع آخر.

كان خبر الاجتياح البريّ قد تأكد، وبدأت الغارات الإسرائيلية تنهش جسم العاصمة، بدءاً من مدينتها الرياضية.. ومهرجاننا بدأ كذلك، بتسلق الصوفا المستندة إلى حائط الشبَّاك، ثم ارتقاء حافته العريضة والتمسك بحدائده الإفرنجية الملوية على شكل أوزّتين كبيرتين تلتقيان وسطه. أوزتان حديديتان مطليتان بالأصفر. كنا نتأرجح متمسكين بالحدائد ونحن ننظر إلى السماء التي احتلها طائرات الـ"أف 16"، ببالوناتها الحرارية الحمر المشرّبة بالبرتقالي، وانفجارات طلقات المضادات الأرضية حولها، ببياض مائل إلى الرمادي. تلك اللوحة الغريبة الألوان بأحمرها ورماديّها، ما زالت منقوشة في الذاكرة مؤطَرة بحوافّ شبّاك بيت على أطراف مخيم برج البراجنة.

تلك الليلة، ليلة 6 حزيران/ يونيو 1982، كانت الفاصلة بين طفولة و"لا طفولة". فَرحنا المرحلي بإقفال المدرسة على عتبة امتحانات آخر السنة، وفرحي برفّين يضمان كتبي ومجلاتي في تجويف باب.. تبعتهما جروحات قاسية مقيمة في الوعي. إنه الاجتياح الذي لن يبرح الذاكرة، وسيغير تفاصيل الحياة اليومية، مرة وإلى ما سيمتد به العمر.

هناك وُلدت مكتبتي، ثم نَمت ونَمت، وابتعدتُ عنها. سافرتُ طويلاً ثم عدتُ إليها. حملتُها من برج البراجنة إلى بيروت، ثم حي ماضي والرويس... شقق كثيرة آوتها قبل أن تحلّ في مدينة صور.

اليوم، لن أخبر نتالي القاطنة في أقصى الشمال السويسري، قرب الحدود الألمانية بكل ذلك. ولن أخبرها كيف جمعتُ خلال العقود الثلاثة الماضية آلاف الوثائق والكتب عن النصف الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين... بطبيعة الحال هي ليست معنية بهوسي المرضيّ بمكتبتي، وبإدماني على استنشاق عطر الورق العتيق. وحدي المعني بعربة خضار ذات ثلاثة دواليب حوّلها الحاج أبو محمد المسنّ إلى عربة كتب، وركنها قرب محل حلّاق (مزيِّن) في ساحة عين السكة، يوم كانت الساحة تحمل اسم جمال عبد الناصر ويحتل وسطها تمثال نصفي للقائد، وتلعلع في الأذهان كلماته "أرفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد... ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة". كانت تلك العربة جنّتي التي غذيت منها مكتبة الطفولة بالمجلات المصوّرة والألغاز. يوم كبرتُ قليلا حملتها في شوال واستبدلتها بطبعة بولاق من كتاب "ألف ليلة وليلة". وغير بعيد عن العربة، محل قديم قدم الساحة، يوم كانت عين وكانت سكّة وكانت سنديانة ضخمة تظللهما. محل يبيع كتباً مستعملة تمتد على جداره عبارة كتبت بخط الرقعة الجميل: "فتح ديمومة الثورة، والعاصفة شعلة الكفاح المسلح"... وبعد زمن تطل وجوه: عصام عيّاد قرب نزلة البيكديللي يتلذّذ بمضاعفة أسعار كتبه القديمة حين تمتد اليد إلى أحدها، وجميل يوسف الكوردي المثقف في مكتبة الجديد يمدّني بمصادر ومراجع، يبحث ويبحث عن كل عنوان أرغب بإضافته إلى مكتبتي ولا يهدأ حتى يجد لي منه نسخة.. وهادي بكداش ينتقي المراجع من بين أكوام الكتب في منزله العثماني البناء في رأس النبع...

وها أنا أجلس فوق العشب الربيعي خلف درابزين رصيف الروشة ووجهي إلى البحر. على بعد أمتار مني عائلات نازحة وأكوام من الفرش والبطانيات والشراشف. يخالط عواء الريح في المدى أصوات الدوّي الآتية من ضاحية بيروت الجنوبية بعدما أخلاها الناطق باسم جيش العدو من سكانها بإدراج مرعب على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي...

أنظر إلى البحر ولا أراه، بل أتفحص رفوق مكتبتي بهدوء كبير. أراها تختال كعروس فستانها مطرز بالكتب وتدور في اللامكان. أخالها تنتظرني لتحتضنني حين أعود. ينتظرنا الكثير من العمل. تلك الكتب المنثورة على الطاولات، بعضها مقلوب على بطنه مفتوح على صفحة محددة، سأستخدم منها اقتباساً في بحث، بعضها الآخر مُتكوِّم فوق الصوفا في انتظار أن أفرج عن أدباء ورسّامين سافروا إلى المشرق من الديار السلافية، كتبوا عن أجدادنا وأرضنا التي نهبتها عصابات الهاغاناه وهدمتها الذخائر الأميركية الصهيونية... ستحدثني عن لبنان وسوريا وفلسطين وشرق الأردن قبل الاحتلالين البريطاني والفرنسي، وكيف عبث بمصائرنا الاستعمار ولا يزال.

إن بقيت حياً سأعود إلى عروسي المطرز فستانها بالكتب. لكن، أخشى ألّا أعود.. وأخشى أن تلتهمها نيران العدو الذي لا يرحم. أناجيها من مكاني وأنا أنظر نحو البحر.. ولا تحضرني سوى كلمات روستيسلاف فاسيلينكو:

أحقًا سيختفي كل شيء بلا أثر،
كما أيامنا الرمادية هذه؟
وكل ما يتبقى لنا، يا فتاتي الحبيبة،
مجرد ذكريات حزينة؟
أسيذوي الجمال، ويخفت النبض،
ويعمّ الضباب الشاحب أيامنا؟
ويسودنا أولئك اللامبالون
الذين لم تعرف قلوبهم الحبّ!

تلك المكتبة رفيقتي التي لم تخنِّ يوماً، وكنت أحملها معي لأنقلها من شقة مستأجَرة إلى أخرى. كبرتْ أمام عيني، وتنوعت مواردها، وتمددت لتحتل مساحات مختلفة من تلك الشقق. كنت أعتني بها وتعتني بي، فتجبر كسري حين يعزّ الرفيق، وتؤنس وحشتي حين يغيب الأنيس. وها أنا أهجرها من جديد وقلبي متعلق بها.

للكاتب/ة

أوفتشينيكوف: عن التربية والتعليم في فلسطين العثمانية (1)

تتخطى مقالات ميخائيل أوفتشينيكوف عن فلسطين العثمانية وصف الأحداث التي جرت معه، والأشخاص الذين قابلهم، إلى محاولاته الخوض في التحليل الاقتصادي-الاجتماعي، مما يرفع من قيمة نصوصه، ومن ضمن ذلك التحليل...