لطالما احتلّت الحماية الاجتماعية مكانة خاصّة في تصوّر التونسيين لدور الدولة، لا باعتبارها مجموعة من الآليات التقنية فحسب، بل بوصفها وعداً ضمنياً بالأمان. فمنذ نشأة الدولة الوطنية، ارتبطت منظومات الضمان الاجتماعي، والتغطية الصحية، والتقاعد، والدعم، بفكرة الدولة الراعية التي تتدخّل للتخفيف من آثار المرض والبطالة والشيخوخة وتقلبات الحياة. وقد شكّلت هذه المنظومات، لسنوات طويلة، أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي وعنصراً أساسياً في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. غير أنّ هذا الوعد، الذي لا يزال حاضراً في الخطاب، يواجه اليوم تحديات عميقة تجعل قدرة الحماية الاجتماعية على إنتاج الأمان موضع تساؤل.
تُظهِر المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية حجم هذه التحولات. فجزء واسع من المجتمع التونسي يعيش أوضاعاً هشّة تحت ضغط ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر. كما يشمل العمل غير المنظّم ما يقارب نصف اليد العاملة، ما يعني أنّ ملايين التونسيين يشتغلون خارج أي إطار مستقر للحماية الاجتماعية، من دون تأمين صحي فعلي أو أفق تقاعدي واضح. وفي المقابل، لم تتكيّف منظومات الحماية الاجتماعية بالقدر الكافي مع هذا الواقع الجديد، إذ ظلّت محكومة بقدرات مالية محدودة وإصلاحات جزئية ومنطق استهداف ضيّق. وهنا تبرز مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة إلى الحماية، تتقلّص قدرة المنظومة على الاستجابة الشاملة.
تتجسّد هذه المفارقة أيضاً في أزمة الصناديق الاجتماعية، التي تعاني منذ سنوات من عجز مالي متفاقِم نتيجة تراجع عدد المساهِمين مقابل ارتفاع عدد المنتفعين، وتقلّص التشغيل النظامي وضعف قاعدة التمويل. وقد دفع ذلك الدولة إلى التدخل المتكرر لإنقاذ الصناديق عبر تحويلات استثنائية أو الاقتراض، من دون أن يفضي ذلك إلى معالجة جذرية لأسباب الأزمة. وفي موازاة ذلك، تُقدَّم الإصلاحات غالباً بوصفها استجابة حتمية لإكراهات مالية، ما يفضي عملياً إلى إعادة توزيع جزء من كلفة الاختلالات على الأفراد، عبر زيادة المساهمات أو تعديل المنافع أو تأجيل بعض الاستحقاقات.
يعيش اليوم جزء واسع من المجتمع التونسي أوضاعاً هشّة، تحت ضغط ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر بمقاييسه المختلفة. كما يشمل العمل غير المنظّم ما يقارب نصف اليد العاملة، ما يعني أنّ ملايين التونسيين يشتغلون خارج أيّ إطار مستقرّ للحماية الاجتماعية، من دون تأمين صحي فعلي أو أفق تقاعدي واضح. وفي المقابل، لم تتكيّف منظومات الحماية الاجتماعية مع هذا الواقع الجديد، بل ظلّت محكومة بقدرات مالية محدودة، وإصلاحات جزئية، ومنطق استهداف ضيّق.
الدولة، التي تُقرّ بعجز منظوماتها الاجتماعية عن الاستمرار في الصيغة الحالية، تُخاطب المواطنين في الآن نفسه بلغة التضحية والصبر، وتقدِّم الإصلاحات المقترحة بوصفها حتمية لا بديل منها. وهكذا يُعاد توزيع كلفة الأزمة على الأفراد، في شكل مساهمات إضافية، أو تقليص للمنافع، أو تأجيل للاستحقاقات، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بالخيارات الاقتصادية الكبرى، وبأولويات السياسات العمومية، خارج دائرة النقاش العام.
في هذا السياق، لا يمكن فهم أزمة الحماية الاجتماعية في تونس باعتبارها مشكلة تقنية معزولة، بل بوصفها جزءاً من تحوّل أوسع في علاقة الدولة بالمجتمع. فمنذ عقود، ومع تعمّق الخيارات الاقتصادية الليبرالية، شهد دور الدولة إعادة تعريف تدريجية: من دولة تتحمّل مسؤولية الحماية وإعادة توزيع المخاطر، إلى دولة تنظّم هذه المخاطر وتديرها ضمن حدود الاستدامة المالية. وبدل أن تكون الحماية الاجتماعية حقاً مرتبطاً بالمواطَنة، صارت في كثير من الأحيان وضعية إدارية مشروطة تُمنَح عبر برامج موجّهة وتخضع لمعايير استهداف محددة.
في قلب هذه التحولات تبرز الإشكالية التي تؤطّر واقع الحماية الاجتماعية اليوم:
هل تعبّر الأزمة الراهنة عن خلل في إدارة الموارد والصناديق يمكن إصلاحه داخل النموذج القائم، أم أنّها تعكس تحوّلاً أعمق في طبيعة الدولة نفسها، حيث يُعاد تعريف الأمان الاجتماعي كمسؤولية فردية أكثر منه التزاماً جماعياً؟
لا تُطرح هذه الإشكالية في مستوى التحليل النظري فحسب، بل تتجلّى أيضاً في التجربة اليومية للفئات الهشّة، التي تعيش على إيقاع الانتظار وعدم اليقين داخل مسارات إدارية معقّدة تتعلق بالدعم أو التغطية أو التسوية. وفي هذا المسار، يتراجع الشعور بالاطمئنان الذي كان يفترض أن تولّده منظومات الحماية الاجتماعية.
من هذا المنظور، تبدو الحماية الاجتماعية في تونس مرآة للتحولات الأعمق التي يعرفها المجتمع والدولة معاً: دولة تسعى إلى ضبط التوازنات المالية، ومجتمع يواجه مخاطر اقتصادية واجتماعية متزايدة، في سياق تتراجع فيه فكرة التضامن بوصفها ركيزة أساسية للعيش المشترك.
من الدولة الراعية إلى الدولة المُدبِّرة للمخاطر
إذا ما قُرِئت المعطيات المتعلقة بالحماية الاجتماعية في تونس قراءةً سوسيولوجية، فإنها لا تشير فقط إلى اختلالات مالية أو نسب بطالة مرتفعة، بل تكشف عن تحوّلات أعمق في كيفية تنظيم المجال الاجتماعي. فقد ارتبط بناء الدولة الوطنية منذ ستينيات القرن الماضي بتوسيع منظومات الضمان الاجتماعي وربطها أساساً بالشغل النظامي، بحيث أصبح الاندماج في سوق العمل المدخل الرئيسي للانتفاع بالحماية. غير أنّ التحولات الاقتصادية التي بدأت منذ أواخر الثمانينيات، وخاصة بعد برنامج الإصلاح الهيكلي سنة 1986، أعادت ترتيب أولويات السياسات العمومية، إذ أصبحت مسألة التحكم في النفقات والحفاظ على التوازنات المالية محدِّداً رئيسياً لصياغة السياسات الاجتماعية.
تتجلى آثار هذه التحولات بوضوح في سوق العمل. فمعدل البطالة يناهز في السنوات الأخيرة حوالي 16 في المئة، بينما تتجاوز بطالة الشباب بين 15 و24 سنة 40 في المئة، مع تفاوت جندري واضح حيث تبلغ بطالة النساء أكثر من 22 في المئة مقابل أقل من 14 في المئة لدى الرجال. ولا تعكس هذه الأرقام مجرد صعوبة في خلق فرص العمل، بل تشير أيضاً إلى امتداد فترات الانتقال إلى الاستقلال الاقتصادي، وتأخر الاندماج المهني لدى فئات واسعة من الشباب. وفي المقابل، تميل السياسات العمومية إلى التركيز على برامج الإدماج المؤقت أو دعم المبادرات الفردية، ما يجعل تحسين المهارات وتحفيز ريادة الأعمال محور التدخل، في حين يبقى خلق وظائف مستقرة محدوداً.
القطاع العمومي في تونس: ثلاثون تهدم ثلاثين..
22-03-2018
تونس: حين ترتفع "اليد اليمنى" للدولة
14-09-2016
وفي المجال الاجتماعي الأوسع، تشير التقديرات إلى أنّ نسبة الفقر في تونس تتراوح بين 16 و17 في المئة من السكان، أي ما يقارب مليوني شخص، مع ارتفاع لافت في فقر الأطفال الذي يناهز 26 في المئة. كما تمثل الفئة العمرية دون 18 سنة حوالي 27 في المئة من السكان، لكنها تمثل قرابة 40 في المئة من مجموع الفقراء. وتعكس هذه المعطيات الطابع البنيوي للهشاشة الاجتماعية، إذ تتداخل عوامل التعليم والصحة والسكن في إعادة إنتاجها عبر الأجيال. وفي المقابل، تُظهر البيانات أنّ نحو 75 في المئة من السكان يتمتعون بشكل من أشكال التغطية الاجتماعية، مساهمية كانت أو غير مساهمية، بينما يبقى حوالي 15 في المئة خارج أي نظام حماية، إضافة إلى نسبة من العمل غير المصرّح به تُقدَّر بحوالي 8 في المئة. غير أنّ هذا الاتساع العددي للتغطية لا يوازيه بالضرورة تحسن مماثل في جودة الحماية أو قدرتها على بلوغ الفئات الأكثر هشاشة، التي قد تواجه صعوبات في التسجيل أو في استيفاء شروط الانتفاع.
كما تكشف تطورات ميزانية الأسرة عن تأثير التحولات الاقتصادية في الحياة اليومية. فقد ارتفعت حصة الإنفاق على الغذاء من نحو 28.9 في المئة سنة 2015 إلى أكثر من 31 في المئة سنة 2022، في سياق تضخم بلغ قرابة 9 في المئة سنة 2023 قبل أن يتراجع إلى حدود 7 في المئة كمعدل عام سنة 2024. ويعني هذا الارتفاع أنّ الأسر باتت تخصص جزءاً أكبر من مواردها لتأمين الحاجات الأساسية، ما يفرض إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتقليص الموارد المخصصة لمجالات أخرى كالتعليم أو الصحة أو الترفيه. وهكذا تصبح الأسرة نفسها إطاراً لإدارة الضغوط الاقتصادية اليومية عبر التكيف المستمر مع تغير الأسعار والدخل.
منذ عقود، ومع تعمّق الخيارات النيوليبرالية، شهد دور الدولة إعادة تعريف تدريجية: من دولة تتحمّل مسؤولية الحماية وإعادة توزيع المخاطر، إلى دولة تُنظِّم وتدير هذه المخاطر، وتدفع الأفراد والعائلات إلى تحمّل جزءٍ متزايد منها. من خلال هذه المؤشرات، يتبيّن أنّ الدولة لم تنسحب من المجال الاجتماعي، بل أعادت تموضعها داخله. وهي لا تتخلى عن الحماية، لكنها تعيد صياغتها ضمن حدود مالية صارمة، ما يجعل الأمان الاجتماعي مشروطاً بقدرة النظام على الاحتمال، لا بعمومية الحق.
لقد بُنيت الدولة الوطنية منذ ستينيات القرن الماضي على توسيع منظومات الضمان الاجتماعي وربطها بالشغل النظامي، بما يجعل المواطَنة الاجتماعية امتداداً للمواطَنة السياسية. غير أنّ التحولات الاقتصادية منذ أواخر الثمانينيات من القرن الفائت، وتحديداً بعد برنامج الإصلاح الهيكلي سنة 1986، دفعت نحو إعادة ترتيب الأولويات: صارت التوازنات المالية والقدرة على التحكم في النفقات إطاراً مرجعياً لصياغة السياسات الاجتماعية، لا مجرد أداة من ضمن أدواتها.
أما فيما يتعلق بأنظمة التقاعد، فقد شهدت الصناديق الاجتماعية عجزاً متزايداً منذ سنة 2013، قُدّر في بعض السنوات بأكثر من مليار دينار بالنسبة إلى بعض الصناديق الكبرى، مع خسائر متراكمة بمليارات الدنانير. وقد دفع ذلك إلى إقرار إصلاح سنة 2019 الذي نصّ على الترفيع في سن التقاعد إلى 62 سنة وزيادة نسب المساهمات. ومن منظور محاسبي، تهدف هذه الإجراءات إلى تحسين توازن المنظومة المالية، غير أنّها تعني عملياً تمديد مدة النشاط المهني وربط استقرار النظام بقدرة الأفراد على الاستمرار فترة أطول في سوق عمل يتسم بدرجة معتبرة من التقلب.
ويتفاقم هذا الوضع مع اتساع الاقتصاد غير المنظم، الذي يشمل في بعض التقديرات قرابة نصف اليد العاملة، خاصة في قطاعات الفلاحة والبناء والتجارة. ولا يقتصر أثر هذا المعطى على فقدان جزء من موارد الاشتراكات فحسب، بل يعكس أيضاً التباعد بين نظام حماية مبني على العمل المصرح به وواقع اقتصادي تتزايد فيه أشكال التشغيل غير المستقرة. وفي هذا السياق، تتجه السياسات الاجتماعية في الغالب نحو برامج تحويلات نقدية موجّهة للفئات الأكثر حاجة، مثل برامج الأمان الاجتماعي التي تشمل حوالي 260 ألف عائلة، غير أنّ حجم هذه التحويلات يظل محدوداً مقارنة بتدهور القدرة الشرائية.
وتُظهر هذه المؤشرات أنّ تدخل الدولة في المجال الاجتماعي لم يتراجع بقدر ما تغيّرت أدواته. إذ يجري تطوير آليات التسجيل والاستهداف الإحصائي وتدقيق معايير الانتفاع، مع تركيز متزايد على ضبط النفقات وضمان استدامة التمويل. غير أنّ هذا التوجه التقني في إدارة البرامج الاجتماعية يطرح تساؤلات حول مدى قدرة المنظومة الحالية على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المجتمع التونسي.
هشاشة الشغل وتآكل قاعدة التضامن
تشكل هشاشة الشغل في تونس أحد أبرز ملامح التحولات التي عرفها سوق العمل خلال العقود الأخيرة. فالنموذج الذي تأسست عليه منظومات الضمان الاجتماعي كان يفترض وجود قاعدة واسعة من التشغيل المستقر، بما يضمن استمرارية المسارات المهنية وإمكانية الاندماج الاجتماعي عبر العمل. غير أنّ التحولات الاقتصادية المتسارعة منذ أواخر الثمانينيات، ثم تعمّقها بعد سنة 2011، أفرزت سوق عمل أكثر تجزؤاً، يتجاور فيها العمل القار مع أنماط تشغيل مؤقتة أو متقطعة، الأمر الذي جعل الاستقرار المهني أقل انتشاراً مما كان عليه في السابق.
تصف الأدبيات السوسيولوجية هذه الظاهرة عبر مفاهيم مثل "ازدواجية سوق العمل" و"تآكل الوظيفة القياسية". ففي العديد من القطاعات يتشكل انقسام واضح بين فئة محدودة تتمتع بوظائف مستقرة ومحمية، وأغلبية متزايدة تعمل في ظروف أقل استقراراً أو تتنقل بين فترات العمل والبطالة. ومع انتشار العقود المؤقتة والعمل العرضي، لم يعد الحصول على وظيفة يعني بالضرورة الخروج من دائرة الهشاشة الاقتصادية، بل ظهرت فئة من العاملين الذين يشتغلون باستمرار من دون أن يحققوا استقراراً فعلياً في أوضاعهم المعيشية.
تعكس هذه التحولات أيضاً تغيراً في المسارات المهنية للأفراد. فبدلاً من المسار التقليدي الذي يقوم على دخول مبكر إلى سوق العمل ثم الاستمرار في وظيفة مستقرة نسبياً، أصبح الانتقال بين أنشطة مختلفة أو بين العمل والبطالة جزءاً متكرراً من التجربة المهنية، خاصة لدى الشباب. ويترتب عن ذلك تأخر الاستقلال الاقتصادي وصعوبة التخطيط للمستقبل، سواء على مستوى تكوين الأسرة أو الادخار أو الاستثمار في التعليم والسكن.
وفي موازاة ذلك، برز توجه متزايد نحو السياسات التي تشجع التكيف الفردي مع تقلبات السوق، مثل برامج التدريب أو دعم المبادرات الاقتصادية الصغيرة. ويعكس هذا التوجه تصوراً جديداً للمسارات المهنية يقوم على تنمية قدرات الأفراد على التكيف مع التغيرات الاقتصادية، بدل الاعتماد على استقرار طويل الأمد في مواقع العمل.
بهذا المعنى، تكشف هشاشة الشغل في تونس عن تحوّل في موقع العمل داخل البنية الاجتماعية. فحين تصبح المسارات المهنية أكثر تقطعاً وتزداد الفجوة بين الوظائف المستقرة والأعمال الهشة، يتغير أيضاً الدور الذي يلعبه العمل في تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ولم يعد العمل، في كثير من الحالات، يوفر ذلك الأفق المستقر الذي شكّل لعقود طويلة أحد المرتكزات الأساسية للاندماج الاجتماعي.
خاتمة
تكشف التحولات التي عرفتها منظومات الحماية الاجتماعية في تونس خلال العقود الأخيرة عن مسألة تتجاوز حدود السياسات القطاعية أو الإجراءات الإدارية. فهذه المنظومات لا تعمل في فراغ مؤسسي أو تقني، بل تتقاطع مع بنية الاقتصاد، وأنماط التنظيم الاجتماعي، وتوازنات الدولة نفسها. لذلك فإنّ ما يظهر اليوم من توترات داخل هذه المنظومة يعكس في جزء كبير منه التحولات التي عرفها المجتمع التونسي في علاقته بالعمل وبالدولة وبآليات التضامن الجماعي.
لقد بُنيت نظم الحماية الاجتماعية في سياق تاريخي اتسم بقدر من الاستقرار النسبي في المسارات المهنية وبفكرة واضحة نسبياً عن العلاقة بين الدولة والمجتمع. غير أنّ التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي شهدتها البلاد منذ نهاية القرن الماضي أدّت إلى إعادة تشكيل هذه العلاقة على مستويات متعددة. فقد أصبحت المسارات المهنية أكثر تقطعاً، وتزايدت أشكال النشاط الاقتصادي غير المستقر، وتوسعت الفجوة بين الفئات القادرة على الاندماج في دوائر الحماية الرسمية وتلك التي تعيش في هوامشها. وفي مثل هذا السياق، لم تعد أدوات الحماية الاجتماعية التي صيغت في ظل أنماط تشغيل أكثر استقراراً قادرة دائماً على مواكبة التحولات الجارية في بنية المجتمع.
غير أنّ التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بمدى ملاءمة هذه الأدوات للواقع الاقتصادي والاجتماعي الجديد، بل أيضاً بالتصورات التي تؤطر النقاش العمومي حولها. ففي كثير من الأحيان يُختزل النقاش في مسألة التوازنات المالية أو في البحث عن حلول تقنية لضبط الموارد والنفقات. وعلى الرغم من أهمية هذه المسائل، فإنّ الاقتصار عليها يحدّ من القدرة على النظر إلى الحماية الاجتماعية باعتبارها جزءاً من تصور أوسع للتنمية ولتنظيم العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع.
ارتفعت حصة الإنفاق على الغذاء من حوالي 28.9 في المئة سنة 2015 إلى أكثر من 31 في المئة سنة 2022، في سياق تضخم بلغ حوالي 9 في المئة سنة 2023، قبل أن يتراجع إلى حدود 7 في المئة كمعدل عام لسنة 2024. هذا التحول في بنية الإنفاق يعني أنّ الأسر تعيد ترتيب أولوياتها تحت ضغط الأسعار، فتقتطع من مجالات أخرى لضمان توفير الحاجيات الأساسية.
اتسع الاقتصاد غير المنظم، الذي يشمل قرابة نصف اليد العاملة في بعض التقديرات، مع نسب مرتفعة في قطاعات كالفلاحة والبناء والتجارة. هذا المعطى لا يمثل فقط فقدانًا لموارد الاشتراكات، بل يكشف عن تناقضٍ بين نموذج حماية قائم على العمل المصرَّح به وواقع اقتصادي يتجه إلى الهشاشة والتجزئة.
إنّ الحماية الاجتماعية ليست مجرد منظومة تحويلات أو خدمات، بل تمثل إحدى الأدوات الأساسية التي تعبّر من خلالها المجتمعات عن كيفية توزيع المخاطر والأعباء بين أعضائها. ومن هذا المنظور، فإنّ النقاش حول مستقبلها يرتبط بالخيارات الكبرى التي تحدد طبيعة العقد الاجتماعي نفسه. فالسؤال المطروح لا يتعلق فقط بكيفية تمويل هذه المنظومات أو إدارتها، بل أيضاً بنوع المجتمع الذي يسعى إلى بنائه: مجتمع يقوم على تقاسم المخاطر على نطاق واسع، أم مجتمع تتحمل فيه الفئات والأفراد نصيباً أكبر من هذه المخاطر بصورة فردية.
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في السياق التونسي، حيث تتقاطع التحولات الاقتصادية مع ضغوط اجتماعية متزايدة وتوقعات مرتفعة من قبل المواطنين تجاه دور السياسات العمومية. ففي ظل التغيرات التي يعرفها سوق العمل وتزايد حالات الهشاشة الاجتماعية، تصبح منظومات الحماية الاجتماعية إحدى الساحات الأساسية التي تتجلى فيها هذه التوترات. فهي مطالبة في الوقت نفسه بالاستجابة لحاجات اجتماعية متزايدة وبالتكيف مع قيود مالية ومؤسسية معقدة.
إنّ التفكير في مستقبل الحماية الاجتماعية في تونس يقتضي، في نهاية المطاف، تجاوز المقاربات الضيقة التي تحصر المسألة في بعدها التقني أو المالي فقط. فالتحدي المطروح اليوم يتمثل في كيفية بناء منظومة قادرة على التكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي يعرفها المجتمع، وفي الوقت نفسه الحفاظ على دورها في الحد من التفاوتات ودعم الاستقرار الاجتماعي.



