بلغة الأرقام قبل غيرها، يمكِّن تلمس حجم الجرح الذي لا يندمل في جسد هذا التراث الحضاري الجلل. فوفق بيانات رسمية حديثة، أعلنت الحكومة المصرية عن نجاحها خلال العام الأخير وحده في استرداد حوالي 5 آلاف قطعة أثرية من الخارج، ليتجاوز بذلك إجمالي الاسترداد حوالي 30 ألف قطعة على مدار الاثني عشر عاماً الأخيرة .
في مقابل ذلك إحصاءات موثقة تشير إلى أكثر من 100 ألف قطعة أثرية مصرية مسجلة رسمياً في المتحف البريطاني في لندن، فيما يضم متحف "بتري" حوالي 80 ألف قطعة، وهو المتحف البريطاني أيضاً، المتخصص بالآثار المصرية والسودانية وحدها. ويضم متحف اللوفر في فرنسا أكثر من 50 ألف قطعة بعضها مخفي عن العرض. ويَقدر عدد القطع الأثرية المصرية في المتاحف الأمريكية بأكثر من 200 ألف قطعة، موزعة على متاحف: المتروبوليتان في نيويورك، ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن، ومتحف جامعة بنسلفانيا، والمعهد الشرقي في شيكاغو، ومتحف كليفلاند، ومتحف بروكلين.
أرقام لا تكشف فقط عما هو معروف بالضرورة عن الاستعلاء والاستغلال الغربي للأمم، مهد الحضارات الإنسانية، ولكنها تطرح التساؤل بشأن مدى القدرة على استعادة الحق المسلوب، ونوع الإرادة اللازمة وطبيعتها، التي لا بد منها لإنجاز ما يمكن إنجازه.
مسارات الاستعادة والعثرات
أصدرت الدولة المصرية أول قوانين تنظيم الكشف عن الآثار المصرية منذ أكثر من 111 عاماً. وعلى مدار السنوات بلغ العدد حوالي 7 قوانين صدر آخرها عام 2010، شمل الأخير منها الحظر الكامل لسفر الآثار خارج مصر وفق أي ترخيص، كما شمل تغليظ عقوبة التهريب بالسجن والغرامة.
وعلى الرغم من ذلك، ووفق شهادة أشرف العشماوي، المستشار القانوني للجنة استرداد آثار مصر في الخارج، في الفترة من 2003 وحتى 2011، فإن تلك الغابة من التشريعات أسهمت في خروج أكثر من نصف آثار مصر إلى الخارج.
في كتابه الثري، "سرقات مشروعة"، وهو اسم يتمم القصة من دون شرح، يستفيض عشماوي في توضيح كيف جرى الأمر، ليتبين من دون مواربة كيف شُرْعِنت السرقات، وكيف ارتبطت بمدى تدني الاستقلال الوطني للسلطات المتتالية، أو بضحالة وعيها أيضاً بالمسألة، ومن ثم الأثر الممتد لذلك، سواء بسبب عراقيل صنعها هذا الماضي أو عطب في الرؤية والإرادة الحالية.
تهديد التراث عندما يطال الأهرامات
10-03-2023
إزالة المدافن الأثرية: كله مباح في مصر!
19-05-2022
فإذا كان مؤسس مصر الحديثة، الجندي الألباني محمد علي، هو أول من أصدر مرسوم يستهدف تنظيم التعامل مع "الأشياء المصرية القديمة" (هكذا كان مسماها)، واستطاع ابنه "إبراهيم" إنشاء أول متحف تحت اسم "الانتكخانة"، فإن من جاء من بعدهم طوروا كلّاً من القانون والمتحف تحت شعار الحماية، ولكنهم في الوقت نفسه، وتحت ضغوط القنصليات الأوروبية في مصر، سمحوا بالتوسع في عمليات البحث والتنقيب في كافة ربوع البلاد، والأهم أنهم أعطوا تلك البعثات "حق القسمة" الذي وصل في مراتٍ عدة حد الـ 100في المئة، فضلاً عن ثغرات تتعلق بالدور النافذ الذي لعبه الموظفون الأجانب، في هيئة الآثار من دون أية رقابةٍ حقيقية، وما نتج عن ذلك من تلاعب بالتراخيص، وتزييف أوصاف القطع أو المقتنيات التي خرجت من مصر... بصورة رسمية.
تشير إحصاءات موثقة إلى أكثر من 100 ألف قطعة أثرية مصرية مسجلة رسمياً في المتحف البريطاني في لندن، فيما يضم متحف "بتري" حوالي 80 ألف قطعة، وهو متحف بريطاني أيضاً، متخصص بالآثار المصرية والسودانية وحدها. ويضم متحف اللوفر في فرنسا أكثر من 50 ألف قطعة، بعضها مخفي عن العرض. ويَقدَّر عدد القطع الأثرية المصرية في المتاحف الأمريكية بأكثر من 200 ألف قطعة.
أصدرت الدولة المصرية أول قوانين تنظيم الكشف عن الآثار المصرية منذ أكثر من 111 عاماً. وعلى مدار السنوات بلغ العدد حوالي 7 قوانين صدر آخرها عام 2010، شمل الأخير منها الحظر الكامل لسفر الآثار خارج مصر وفق أي ترخيص، كما شمل تغليظ عقوبة التهريب بالسجن والغرامة.
في ضوء ذلك وصل كل من "حجر رشيد" إلى المتحف البريطاني، و"رأس نفرتيتي" إلى المتحف الألماني، وغيرها من قصص سنعرج عليها ببعض التفصيل. أما العدد الأكبر من القطع الأثرية المصرية المنتشرة في المتاحف الأميركية فيبقى المصدر الرئيسي لها هو أعمال التنقيب بغير ترخيص، والتهريب بأوراق ملفقة، وبيع تلك القطع عبر المزادات وصالات الفن العالمية.

وقد جاء السعي المصري الذي اتخذ شكلاً أكثر منهجية منذ العام 2003، من أجل استرداد ما يمكن استرداده، خاصةً في ضوء إصدار منظمة "اليونسكو" اتفاقية "باريس 1970" للتأكيد على حق الدول في مراجعة كافة اتفاقيات خروج آثارها، وخاصةً تلك التي وقعت في أوقات الاستعمار الأجنبي، واسترداد ما لم يخرج منها بصورة مشروعةٍ أو شابها التباس فيما يتعلق بالقسمة أو الإهداء.
إلا أن الشاهد أن المرجعية التي توفرها اليونسكو، على أهميتها، لا تتعدى كونها دعماً فنيّاً وقانونيّاً في المفاوضات التي تجريها الدول مع "سارقيها"، أو خلال سعيها أمام المحاكم المختصة داخل تلك الدول، وهو ما لم يتكرر مع مصر وحدها. فعلى سبيل المثال، هناك المسار القضائي الذي اتخذته دولة "بيرو" لاستعادة آلاف القطع من جامعة "ييل" الأميركية، وانتهى بوساطة من اليونسكو إلى تسوية الأمر عبر التفاوض، وهو ما سمح بعودة جزء كبير من القطع. وتكرر ذلك حين نجحت إيطاليا عبر التفاوض أيضاً في استعادة "إناء يورفورونيوس" من متحف المتروبوليتان في نيويورك. في الحالة الأولى، تم إثبات احتيال باحث أميركي على إخراج القطع بصورة غير شرعية، وأما الثانية فكانت عبر شبكات التهريب.
وبين هذا وذاك، تبقى الحالة المصرية حالة عظمى وليست فقط استثنائية. في ضوء ما تمثِّله تلك الحضارة عالمياً، ووفق قيمة الكم والكيف المسروق، وتهاوي الحجج التاريخية التي ساقها "السارقون" عن إدراكهم وحدهم لقيمة وأهمية ما يتم الكشف عنه، وأن الحضارة العالمية تتطلب الإشراف العلمي الغربي على هذا التراث الإنساني... عبر الاستيلاء عليه!
في دمنهور، لا يزال التاريخ نصف حكاية
27-11-2025
نقاش لوظائف موكب نقل مومياءات الملوك والملكات في مصر
08-04-2021
وبالعودة إلى المستشار القانوني للجنة - وهو الحفيد لأول وزير معارف مصري سعى إلى استرداد "رأس نفرتيتي" من ألمانيا عام 1946- فإن هذا الحفيد يشهد بأن "القواعد القانونية والمواثيق ذات الصلة ستظل ضعيفة طالما لا توجد آلية تجبر الدول على إعادة المقتنيات الثقافية المسروقة. أما الركون إلى دبلوماسية رقيقة، من باب التعاون فتسمح بالمماطلة. لا بد من آلية تسمح بفض النزاع، فالمصاريف القضائية التي تتحملها الدولة تفوق ثمن القطعة الاثرية، وأغلب المنهوب هو من الدول النامية، مهد الحضارات القديمة، ومحل الاحتلال الحديث.
ويتساءل بناء على تجربته التي امتدت إلى حوالي عشر سنوات: "ماذا لو منعت مصر أعمال التنقيب قبل نحو مئتي عام، أو اشترطت تعليم أجيال مصرية قبل بدء هذا العمل؟ وماذا لو طبّقت مصر خلال العشرين عاماً الأخيرة حظر عمل البعثات الأجنبية حتى تعيد دولها ما نهبته؟".
لم تنجح مساعي مصر في استرداد حجر رشيد، على الرغم من انطباق المادة الرابعة من اتفاقية باريس 1970، التي أطلقتها اليونسكو، عليه، إذ إن هذا الحجر ليس نتاج إهداء أو اتفاق قسمة، ولم يخرج بترخيص رسمي. وهو المشهد نفسه الذي تكرر مراتٍ عدة، حين حاولت الحكومة المصرية مخاطبة الحكومات الألمانية من أجل استرداد رأس نفرتيتي، ما قوبل بالرفض في المرات كافة.
الحالة المصرية حالة عظمى وليست فقط استثنائية. في ضوء ما تمثِّله تلك الحضارة عالمياً، ووفق قيمة الكم والكيف المسروق، وتهاوي الحجج التاريخية التي ساقها "السارقون" عن إدراكهم وحدهم لقيمة وأهمية ما يتم الكشف عنه، وأن الحضارة العالمية تتطلب الإشراف العلمي الغربي على هذا التراث الإنساني... عبر الاستيلاء عليه!
هو استخلاص يفسر ما ألمحت إليه الأرقام عن قلة عدد القطع المستعادة بالنظر إلى حجم المنهوب. استخلاص لا يغالبه الاحتفال المستحَق بافتتاح المتحف الكبير، ولكن يتوقف عند الربط غير المنطقي بين هذا الافتتاح والإعلان عن بدء موجة استعادة الآثار، وكأنه - أي المتحف - شهادة الكفاءة والتحضر التي ستتقدم بها مصر لتشجع السارقين على إعادة سرقاتهم، من منطلق أنهم كانوا جديرين بها ونحن الآن على طريق هذه الجدارة!
هذا ما تسرده علينا التجارب التالية:
نوادر الاسترداد والنكبات
إنها بعض من أهم معالم الآثار المصرية التي تُصادِف الجميع أينما ذهبوا، ونبدأ بالأقدم، وهو "حجر رشيد"، الذي يطبق عليه الأثريون مقولة "من لا يملك أعطى لمن لا يستحق". الحجر الذي يحمل النقوش الهيروغليفية، الذي لولا نجاح الباحث الفرنسي شامبليون في فك طلاسمها، لما عرف العالم أسرار هذه الحضارة. اعتبرت الحملة الفرنسية على مصر أنه ملك لها جراء كشفها عنه. أخذته عنوة. لكن سياسة التعدي دائماً ما تنكسر بتعدٍّ أكبر منها، وهو ما حدث في العام 1801، عقب رحيل نابليون الثالث عن مصر، واضطرار حملته إلى توقيع اتفاق تسليم للمملكة البريطانية، التي اشترط ممثلون لها الحصول على الحجر، ومن ثم صار مقره، حتى اليوم، هو المتحف الوطني في لندن.
لم تنجح مساعي مصر إلى استرداده، على الرغم من انطباق المادة الرابعة من اتفاقية باريس 1970 التي أطلقتها اليونسكو عليه، إذ إن هذا الحجر ليس نتاج إهداء أو اتفاق قسمة، ولم يخرج بترخيص رسمي.
هو المشهد نفسه الذي تكرر مراتٍ عدة، حين حاولت الحكومة المصرية مخاطبة الحكومات الألمانية من أجل استرداد رأس نفرتيتي. وهو ما قوبل بالرفض في المرات كافة، بما فيها تلك التي قادها الأثري المصري المعروف زاهي حواس عام 2010، من أجل المطالبة فقط باستعارة التمثال خلال افتتاح متحف "تل العمارنة" في محافظة المنيا، مسقط رأس التمثال.
يحدث هذا على الرغم من نجاح لجنة الاسترداد المصرية في توثيق وتدقيق ما تم من "تدليس" على يد البعثة الألمانية عام 1914، التي خالفت لوائح قانون القسمة الساري آنذاك، الذي يضع القطع الثمينة والنادرة ضمن حصة مصر. فتم التحايل بالتنسيق مع موظف فرنسي كبير، في مصلحة الآثار المصرية، من أجل تسجيل رأس الملكة باعتباره مجرد رأس جيري.
نجحت لجنة الاسترداد المصرية في توثيق وتدقيق ما تم من "تدليس" على يد البعثة الألمانية عام 1914، التي خالفت لوائح قانون القسمة الساري آنذاك، الذي يضع القطع الثمينة والنادرة ضمن حصة مصر. فتم التحايل بالتنسيق مع موظف فرنسي كبير، في مصلحة الآثار المصرية، من أجل تسجيل رأس الملكة باعتباره مجرد رأس جيري.
محاولات استرداد رأس نفرتيتي بدأت منذ الثلاثينيات، وتكررت في الأربعينيات من القرن العشرين، ليكون الرد هذه المرة على لسان "هتلر"، حين قال إنه مستعد لخوض حرب كاملة، حتى لا تخرج هذه الجميلة من ألمانيا.
محاولات الاسترداد بدأت منذ الثلاثينيات، وتكررت في الأربعينيات من القرن العشرين، ليكون الرد هذه المرة على لسان "هتلر"، حين قال إنه مستعد لخوض حرب كاملة، حتى لا تخرج هذه الجميلة من ألمانيا.
فكيف بعد كل هذه السنوات الطوال، لا تزال مصر تقبل بالمنطق الأعوج نفسه، ولو جاء عبر رسائل دبلوماسية منمّقة؟
أما في متحف اللوفر الفرنسي، فقد كان مساراً شاقّاً، انتهى بتسليم "الجداريات المصرية" عام 2008 خلال زيارة رئيس الجمهورية المصرية آنذاك، ولكن تحت بند "الإهداء"، وهو ما جاء كرد فعل مبطن وملتوٍ على حملة جريئة وشجاعة للجنة الاسترداد، كشفت عن تهريب تلك الجداريات عام 1980 بشكل غير شرعي وشراء اللوفر لها من مزاد فني.
أطلس الوحشيات في العراق
12-03-2015
عودة "جلجامش الحلم" إلى العراق
07-10-2021
وفي مقابل هذا التعنت والإيغال في السرقة، كان هناك موقف مصري رائد في جولة استرداد الآثار المصرية، التي نهبتها إسرائيل تحت اسم الكشف العلمي خلال احتلالها سيناء؛ إذ تمت استعادة آلاف القطع وإنشاء متحف خاص بها في مدينة طابا جنوب سيناء، وهي التجربة التي تضافرت فيها الجهود الرسمية بالحملات الثقافية والشعبية، وهو الدرس الذي يُبرِز حجم الفارق الذي يتحقق حين تحضر الإرادة السياسية.
***
هذه بعض من ملامح منحى لا يتعلق بالماضي، بقدر ما يتعلق بقراءة اللحظة. ففي عالم يعصف فيه الغشم والطغيان والاستهزاء، كم يمكن لمصر تحويل هذا الملف إلى قضية وجود، وتعريف بالهوية، وتعبير عما يجب أن تكون عليه الأمم، إذا ما أرادت أن تخبر العالم أنها تصيغ مستقبلها بقدر ما تحترم ماضيها.





