جرح النازحين النازف

انهال عليهم القصف الإسرائيلي بعد منتصف الليل، وهم نيام في أسرّتهم، في شهر رمضان، بين إفطارهم وسحورهم. ومنهم كثرُ ممّن لم يسعفه الوقت للمّ "حقيبة الهريبة" المجهزة تلك ، فخرج كما هو، تحت الصواريخ وفي حالة ذعر، إلى العراء الكبير، عراء كلّ مكان ليس بيته ولن يكون. إلى القهر الكبير، قهر التهجير والنزوح القسري المتوحش.
2026-03-12

شارك
نازحون في اليوم الأول من العدوان الإسرائيلي. (تصوير محمد زعتري – أسوشيتد برِس)
إعداد وتحرير: صباح جلّول

في كلّ بيت من بيوت سكان الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت، كان ثمّة حقيبة مسنودة على حائطٍ أو خلف خزانة منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، أي منذ نهاية ما يبدو لنا الآن أنه كان الجولة الأولى من الحرب مع العدو الإسرائيلي. منظر تلك الحقيبة في بيوت أهلنا كان مبعث حزن، فالحقيبة دليل هشاشة حياتنا واستعدادها للانفجار في أي لحظة، وشاهد على القليل الذي يبقى لنا ما إن تحين لحظة إجبارنا على ترك بيوتنا وأشيائنا. لا حقيبة تتسع لحياة كاملة.

"شنطة الهريبة". كانوا يمزحون بتوتّر مبطّن، وتوكّل كبير على الله، فيما يتابعون حياتهم بين حربين، ويقولون أن تلك الحقيبة فيها "الحيلة والفتيلة"، مُلئت بالمستندات الأساسية والأوراق الثبوتية، وما تملك العائلة من قرشٍ أبيض خبّأته لليوم الأسود، وربما بعض ممتلكات ثمينة محمولة قد تنقذ من يضطر للخروج من بيته بلا أثاثه وأغراضه. بعض العائلات تضيف إليها شنطة أخرى لثياب أساسية، شتوية وصيفية – فالحرب تحلّ غفلةً في أي موسمٍ من المواسم، وقد تتقلب في الحرب الواحدة مواسم وفصول.

ليل الأحد-الاثنين (1-2 آذار/ مارس 2026)، حمل عشرات آلاف اللبنانيين في مناطق جنوب لبنان والضاحية الجنوبية شنطة النزوح تلك، التي تمنّوا طويلاً ألّا يضطروا لاستعمالها مجدداً، وخرجوا إلى حيث لا يعلمون، بعد أن انهال عليهم القصف الإسرائيلي بعد منتصف الليل، وهم نيام في أسرّتهم، في شهر رمضان، بين إفطارهم وسحورهم. ومنهم كثرُ ممّن لم يسعفه الوقت للمّ تلك الحقيبة حتى، فخرج كما هو، تحت الصواريخ وفي حالة ذعر، إلى العراء الكبير، عراء كلّ مكان ليس بيته ولن يكون. إلى القهر الكبير، قهر التهجير والنزوح القسري المتوحش.

ومنذ ليل الأحد-الاثنين ذاك، لم يهدأ القصف. لم يعد أحد إلى البيت، بل غادر المزيد من الناس دوائر الموت ونار القنابل، كما من الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية، كذلك من مخيمات الشتات الفلسطيني والبقاع. خرجوا إلى نار غربةٍ في بلدهم، وتوسعت دائرة ما يسميه الإسرائيليون "الإخلاءات"، أي التهديد بالموت والإجبار على مغادرة المناطق.

مَن أسعفه الحظ أو المال، استطاع استئجار شقة أو غرفة فندق - بأسعار خيالية لا ترحم ولا تجد ضابطة لها، ومن استطاع لجأ إلى بيوت الأقارب والأصدقاء بانتظار انجلاء الغبار، وأكثرهم لجأ إلى مراكز الإيواء والمدارس، إلى حياة بلا خصوصية أو راحة، وكثرٌ في الطريق، ما زالوا هناك، في سياراتهم، على كورنيش البحر، في الحدائق العامة...

منذ أيام، تلاحق الكاميرات عيون هؤلاء، وتقول العيون الشيء نفسه: دمع، دمع، وانتظار مقهور.

"جينا مبارح ما معنا تياب، ما معنا أكل، ما معنا شي..."، قالت السيدة المنتظِرة على الطريق، وغصّت بدمعٍ تَملّكها حتى أعجزها عن الحكي، بحرقة واضحة تؤذي كلّ من به ضمير. رأيتُ في المقاطع المصورة مثلها كثراً، صوتهم مربوط في عقدة الغصّة.

على الطريق، في زحمة النزوح.. (تصوير محمد زعتري – أسوشيتد برِس)

الأوضاع على الأرض

حسب وزارة الشؤون الاجتماعية، بلغ عدد النازحين المسجّلين في مراكز الإيواء حتى مساء يوم الاثنين 9 آذار / مارس 667,831. تضمّ مراكز الإيواء الجماعية البالغ عددها 567 حتى اللحظة أكثر من 119,700 شخصاً من النازحين.

هذا وكانت أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية في الحكومة اللبنانية، حنين السيد، أن مراكز الإيواء في بيروت وصيدا وصلت إلى حدودها الاستيعابية خلال اليومين الأولين من الحرب، داعية النازحين للتوجه إلى مراكز إيواء في مناطق أخرى.

يتبين أن مخزون المواد الإغاثية ووجبات الطعام والفرش والبطانيات، غير كافٍ لسيناريو النزوح الواسع الذي يشهده لبنان حالياً، كما يتضح أمام العين المجردة، وبجولة بسيطة على المشهد، كيف يُترَك النازحون لمواجهة مصيرهم بأنفسهم، وإدارة شؤون تشريدهم المفاجئ على كلفتهم الخاصة، أمام أسواق غير منضبطة، متروكة لتلاعب التجار بالأسعار (وقد وصلت زيادات أسعار بعض السلع الغذاية لحدود 48 في المئة في الأسواق)، وفي ظلّ سوق إيجارات متفلّت، فاجر الغلاء بشكل يضاهي حتى ما واجهه الناس في الحرب المدمرة السابقة عام 2024، بينما تقوم مؤسسات شعبية ومبادرات فردية قاعدية بتولّي مهمة جمع التبرعات وتوزيع المواد الإغاثية الأساسية، بما تيسر، وهو جهد مهم للغاية، إلا أنه لا يردم هوّة الحاجات التي لا يمكن سوى لمؤسسات الدولة إدارتها.

حسب موقع "صفر" للصحافة الاقتصادية، ففي مقابل موجة النزوح الجديدة وغياب التمويل الحكومي لمعالجة تداعيات الحرب، تواجه مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان نقصاً حاداً في التمويل، إذ لم تحصل سوى على 14في المئة من التمويل/ من أصل احتياجات تبلغ 472 مليون دولار، وهو ما يزيد الأمور تعقيداً على الأرض.

البحث عن مأوى، البحث عن دواء.. قهر النزوح اللامنتهي. (الصور من صفحة الصحافية سندريلا عازار – إنستغرام).

الخيم، مأوى مرتَجَل في ساحة الشهداء وسط بيروت. (الصورة محمد أذاكر – رويترز).

مَشاهد...

أكثر من 500 شهيد وشهيدة، 88 منهم أطفال، هي حصيلة الدم من هذا العدوان (حتى تاريخ كتابة هذه السطور)، والعدّاد ما توقّف. إزاء هذه الظروف القاتمة وأمام المجهول الكبير، هذه مشاهِد "عشوائية" من بلادنا، بدون ترتيب معيّن، بعضها يخلع القلب، وبعضها نقاط نور صغيرة في ظلامنا الكبير.

  • على الطريق الواصل بين الجنوب وبيروت، في صيدا تحديداً، زحمة سير خانقة امتدت ليومين. نزح الناس مرة واحدة، جلّهم صائمون، كلّهم منهكون، معهم كبار في السن وأطفال ومرضى. خرج إليهم شباب مخيم عين الحلوة، ليوزعوا المياه على الناس في السيارات العالقة لساعات طويلة، ومِن أهالي المخيم مَن أعلنوا استعدادهم استقبال النازحين في بيوتهم دون مقابل.
  • يتجمّع أهالي قرية علما الشعب الجنوبية في كنيسة قريتهم بعد أن هددهم الاحتلال الإسرائيلي: الإخلاء وإلّا. "مش فالين". يقرعون أجراس الكنيسة، ويرفضون ترك القرية. "أجراس عَلما بدها تضلّ تدقّ!"..
في المسرح الوطني
  • فَتح المسرح الوطني اللبناني في كل من صور وطرابلس أبوابه للنازحين، "في الحرب كما في السلم"، يجب أن يكون المسرح مساحة مفتوحة للناس. مطاعم ومقاهٍ ومساحات ثقافية فعلت المثل، فقدّمت مطابخها لخدمة النازحين وتزويدهم بوجبات طعام جاهزة، أو منحت مساحاتها لأنشطة ترفيهية لدعم الأطفال والعائلات.
النزوح المعاكس الى الجنوب!
  • دُفعت عائلات كثيرة بعد أيام قليلة من بدء الحرب إلى العودة إلى أماكن الخطر تحت القصف والتهديد بالموت، بعد أن شعروا أن الدنيا أغلقت أبوبها في وجوههم. فبين أسعار الإيجار الاستغلالية والخيالية من جهة، واكتظاظ مراكز الإيواء من جهة أخرى، وصولاً إلى العبارات الجارحة – والعنصرية أحياناً - التي سمعها بعض النازحين (وإن لم تكن تلك الصبغة العامة لطريقة التعامل معهم، إلا أنّ القليل من هذه الحالات مؤذٍ بشكلٍ كبير).. كل هذا دفع بعائلاتٍ كثيرة إلى التفكير بالعودة إلى بيوتها، وإن تحت القصف، فكانت هذه الصورة أعلاه، تظهر النزوح العكسي إلى الجنوب!

"ما في مكان نروح عليه. ونحن كتار. شو بروح بقعد بالشارع؟ بموت بالبيت أحسن". كان هذا آخر ما كتبته الشهيدة بتول حمدان لصديقتها عبر واتساب، قبل أن تنال منها ومن طفليها غارة إسرائيلية غادِرة على بلدة النميرية مساء الاثنين 9 آذار/ مارس...

  • ما العمل؟ فتح الأبواب لكلّ نازح، لكلّ محتاج، لكل من بحث عن أمان... فقد أعلنت التنسيقية الشعبية في لبنان عن فتح باب التطوع أمام من يرغب بالانضمام إلى شبكتها التطوعية التعاونية "لتأدية واجبنا في توفير مقومات الصمود لأهلنا النازحين من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية"[1]، كما فتح باب جمع التبرعات عبرها لتأمين أساسيات النازحين وأسباب الصمود.
  • وهنا مشهدٌ آخر، عاملات مهاجرات تَنظمْن ضمن جمعية "إنيا لنيا" في لبنان، أخذن على عاتقهن جمع مواد إغاثية وطعام وثياب للعائلات النازحة والمحتاجين والعاملات المنزليات اللواتي تركهن التشريد وحيدات في أحيان كثيرة[2].

مشاهد التضامن كثيرة، على الرغم من كل شيء، على الرغم من كلّ السواد.

هي نقاط نور مهمة للغاية، لكنها لا تكفي وحدها لسدّ فجوة يتوجب على الدولة اللبنانية وأجهزتها التصدي لها بكل ثقلها. أهلنا في الطرقات، في خوفٍ وضيقٍ وقهر. لنكن على قدر المسؤولية لنكون وطناً. لا أمل بسوى ذلك...

______________

  1. رابط التبرعات للتنسيقية الشعبية:

    https://shorturl.at/fpPMG

  2. رابط التبرع:

    https://shorturl.at/P3p3J

مقالات من لبنان