"القيم الرسمية" في مصر: معايير مزدوجة لفرض الوصاية والسيطرة

يكشف تتبع مسار الملاحقات التي جرت منذ عام 2020، تحت شعار "حماية القيم الأسرية المصرية"، عن انتقائية لا يمكن فهمها بمعزل عن عاملين أساسيين، وهما الطبقة الاجتماعية، والنوع الاجتماعي. فالقضايا التي رُفِعت خلال هذه الفترة لم تستهدف المحتوى بمعناه المجرد فقط، بل ركّزت على هوية من يُنتِجه، وموقعه الاجتماعي، ومدى توافقه مع الأدوار المتوقعة منه أو منها. بهذا الشكل، تصبح الأخلاق العامة أداة مزدوجة للرقابة والسيطرة، لضمان الالتزام بالمعايير المفروضة.
2026-03-04

إسلام ضيف

كاتب صحافي


شارك
مروى عادل - مصر

في السنوات الأخيرة، صار الحديث عن "القيم الأسرية" و"الأخلاق العامة" حاضراً بقوة في الخطاب الرسمي المصري، كمرجعية جاهزة تُستدعى كلما تعلق الأمر بتنظيم حياة الأفراد، وحدود المقبول في المجال العام.

اللافت أن هذا الاستخدام لا يأتي في صورة قرارات شاملة أو قوانين واضحة المعالم، بل يظهر في سلسلة ممارسات متفرقة، إدارية وأمنية وقضائية، تتراكم مع الوقت لتصنع واقعاً مقيِّداً. من طريقة التعامل مع حرية التنقل والعمل للنساء، إلى التدخل في خيارات شخصية تتعلق بنمط الحياة، وصولاً إلى فرض وصاية على التفكير والتعبير. في هذا السياق، لا تُمارَس السلطة دائماً عبر المنع الصريح، بل أيضاً عبر خلق مناخ عام، يجعل الخروج عن "المألوف أخلاقياً" مخاطرة غير محسوبة العواقب.

هذا المناخ لا يطال الجميع بالقدر نفسه. فالفئات الأكثر عرضة للتدخل والرقابة هي نفسها التي تقع عند تقاطع الهشاشة الاجتماعية والاختلاف. عندما تتحول الأخلاق من إطار قيمي عام إلى أداة انتقائية، تُستَخدم لتبرير التضييق على فئات بعينها، بينما تغض الطرف عن ممارسات أخرى لا تقل عنفاً أو انتهاكاً، طالما أنها لا تهدد التوازنات القائمة أو السردية الرسمية عن الاستقرار.

في الفضاء الرقمي، الأمر لا يختلف كثيراً. فالمحتوى على الإنترنت مراقَب، وأصحاب الأفكار غير السائدة معرضون لملاحقات قضائية طويلة. الشباب الذين يناقشون الدين أو يطرحون أسئلة مغايرة، يجدون أنفسهم أمام تهديدات مستمرة، تتراوح بين التهديد بالاعتقال أو المنع من السفر.

واحدة من أكثر السمات وضوحاً في المشهد الحالي هي استخدام مفاهيم أخلاقية فضفاضة، داخل نصوص قانونية قابلة للتأويل الواسع. المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 مثال صارخ على ذلك. النص يتحدث عن الاعتداء على "القيم الأسرية"، من دون تعريف واضح لماهية هذه القيم أو حدودها، وهو ما فتح الباب لاستخدامها كأداة لملاحقة طيف واسع من الأفعال والآراء.

وفق تقارير حقوقية محلية ودولية، تمّ توجيه اتهامات استناداً إلى هذه المادة، لأشخاص بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، أو تعبيرات دينية غير تقليدية، أو آراء فكرية لا تتماشى مع التفسيرات الرسمية. ما يجمع هذه القضايا ليس خطورتها الفعلية، بل خروجها عن الإطار الذي تقبله السلطة.

تجريم النقد الديني وتحويله إلى تهديد أمني

في منتصف عام 2025، انطلقت حملة أمنية واسعة في مصر، تستهدف اللا دينيين والملحدين وأصحاب الآراء الدينية المخالفة للسائد. وفق بيان أصدرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بدأت هذه الحملة حين تم القبض على عدد من الأفراد الذين ظهروا في برنامج رقمي، أو شاركوا في مجموعات على منصات التواصل الاجتماعي، ووجهت لهم اتهامات تتعلق بـ "الانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف أحكام القانون" و"ازدراء الأديان"، واتهامات تتعلق بمعتقداتهم الدينية، أو عدم تبنيهم لقراءات دينية رسمية.

بعض الملاحَقين ظلوا محتجَزين، من دون أن يتمكنوا من التواصل مع أسرهم أو محاميهم لعدة أيام قبل ظهورهم أمام نيابة أمن الدولة العليا، وهو إجراء يشبه الإخفاء القسري، الذي يحد من قدرتهم على ممارسة الدفاع القانوني بشكل فوري.

من بين الذين واجهوا هذا الأسلوب، "شريف جابر"، الذي اعتُقل في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 من منزله في القاهرة. خضع "جابر" للاختفاء القسري لمدة 56 يوماً قبل تقديمه للنيابة، في استمرار لمسار طويل بدأ منذ عام 2013، حيث وُجهت عدة أحكام غيابية ضده في قضايا تتعلق بازدراء الأديان. سبق أن تعرض "جابر" لمنع من السفر في عام 2019، حين أُوقِف في مطار القاهرة أثناء محاولته مغادرة البلاد، وصودر جواز سفره من دون قرار قضائي مُعلن.

مثال آخر هو "سعيد أبو مصطفى"، أحد الذين قُبض عليهم بسبب مشاركته في نقاشات دينية على الإنترنت، الذي أفاد بتعرضه لانتهاكات جسدية مباشرة خلال فترة الإخفاء، بما في ذلك التعرض للضرب المتكرر. لكن كل هذه الشكاوى واجهت تجاهلاً من وكلاء النيابة، من دون اتخاذ إجراءات عاجلة للتحقيق الطبي أو القضائي.

وُجِّهت اتهامات استناداً إلى المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، الذي يتحدث عن الاعتداء على "القيم الأسرية"، من دون تعريف واضح لماهيتها أو حدودها. فلوحِق أشخاص بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، أو تعبيرات دينية غير تقليدية، أو آراء فكرية لا تتماشى مع التفسيرات الرسمية. ما يجمع هذه القضايا ليس خطورتها الفعلية، بل خروجها عن الإطار الذي تقبله السلطة.

بعض الملاحَقين ظلوا محتجَزين من دون أن يتمكنوا من التواصل مع أسرهم أو محاميهم لعدة أيام قبل ظهورهم أمام نيابة أمن الدولة العليا، وهو إجراء يشبه الإخفاء القسري، يحد من قدرتهم على ممارسة الدفاع القانوني بشكل فوري.  

"منظمة العفو الدولية" أشارت إلى أن السلطات المصرية قبضت على ما لا يقل عن 29 شخصاً في ست محافظات خلال الأشهر القليلة الماضية، بينهم نساء وأفراد شباب، لمجرد نشرهم محتوى عبر الإنترنت يعبر عن آراء دينية غير معتادة، أو مشاركتهم في مجموعات للنقاش الديني، وهو ما قد يؤدي إلى أحكام بالسجن، تصل إلى خمس سنوات إذا تمت إدانتهم.

تتزامن هذه الحملة مع خطاب رسمي يحرُص في مناسبات متكررة على التأكيد على احترام حرية الاعتقاد. إذ أشار رئيس الجمهورية أكثر من مرة، إلى أن لكل فرد الحق في اختيار معتقده أو عدم اعتقاده، وأن الدولة لا تتولى وصاية على هذا الاختيار. هذه التصريحات تكررت في الوقت الذي تتعرض فيه فئات من المواطنين، لملاحقات قضائية وأمنية، بسبب معتقداتهم الدينية أو الفكرية.

ضبط الفئات الأضعف

يكشف تتبع مسار الملاحقات التي جرت تحت شعار "حماية القيم الأسرية المصرية" منذ عام 2020 عن انتقائية، لا يمكن فهمها بمعزل عن عاملين أساسيين، هما الطبقة الاجتماعية، والنوع الاجتماعي. فالقضايا التي رُفعت خلال هذه الفترة لم تستهدف المحتوى بمعناه المجرد فقط، بل ركّزت على هوية من يُنتجه، وموقعه الاجتماعي، ومدى توافقه مع الأدوار المتوقعة منه أو منها.

الوقائع التي وثقها تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تحت عنوان "تأديب المجتمع"، تشير إلى أن النساء كنّ الهدف الأبرز لهذه الحملات، سواء من حيث عدد القضايا أو طبيعة الاتهامات. وعلى الرغم من مرور سنوات على بدء هذه الملاحقات، وانتشار أشكال متنوعة من المحتوى الرقمي الذي يتجاوز المعايير الأخلاقية التقليدية، ظلّ استهداف النساء أكثر كثافة ووضوحاً، خاصة من ذوي الخلفيات الاجتماعية الفقيرة أو الهامشية.

"منظمة العفو الدولية" أشارت إلى أن السلطات المصرية قبضت على ما لا يقل عن 29 شخصاً في ست محافظات خلال الأشهر القليلة الماضية، بينهم نساء وأفراد شباب، لمجرد نشرهم محتوى عبر الإنترنت يعبر عن آراء دينية غير معتادة، أو مشاركتهم في مجموعات للنقاش الديني، وهو ما قد يؤدي إلى أحكام بالسجن تصل إلى خمس سنوات إذا تمت إدانتهم.

في ما يتعلق بالملاحقات المرتبطة بالميول الجنسية، لم تقتصر التحقيقات على محتوى منشور علناً، بل امتدت في بعض الحالات إلى تتبع الأفراد عبر تطبيقات المواعدة، أو الاستناد إلى محتوى خاص وغير منشور، عُثر عليه في الهواتف الشخصية أو في محادثات خاصة. في هذه القضايا، لم يكن الادعاء قائماً على النشر العلني بقدر ما كان قائماً على تجريم الهوية ذاتها.  

يرصد التقرير أن العقوبات المشددة لم تُطبَّق على الرجال بالقدر نفسه أو بالآليات نفسها. حين وُجهت اتهامات لرجال، غالباً ما ارتبط الأمر إما بعدم توافق مظهرهم أو سلوكهم مع الصورة المتوقعة اجتماعياً للرجولة، أو بتقديم محتوى يُنظَر إليه باعتباره خروجاً عن الدور الجندري المقبول، من مثل: الرقص العلني، أو الظهور بأسلوب يُقرأ كاستفزازي أو غير لائق.

أما في ما يتعلق بالملاحقات المرتبطة بالميول الجنسية، فلم تقتصر التحقيقات على محتوى منشور علناً، بل امتدت في بعض الحالات إلى تتبع الأفراد عبر تطبيقات المواعدة، أو الاستناد إلى محتوى خاص وغير منشور عُثر عليه في الهواتف الشخصية أو في محادثات خاصة. في هذه القضايا، لم يكن الادعاء قائماً على النشر العلني بقدر ما كان قائماً على تجريم الهوية ذاتها.

وصاية على النساء.. وتساهل مع العنف

هذا الاستخدام الفضفاض لمفاهيم الأخلاق لا يتوقف عند حدود الفضاء الرقمي. أحد أبرز تجليات ذلك يتمثل في منع النساء من الإقامة بمفردهن في بعض الفنادق وبيوت الضيافة، وهو ما وثقته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومؤسسة المرأة الجديدة في كانون الثاني/ يناير 2026. ووفق ما أكدته المؤسستان، فإن المنع لا يستند إلى أي نص قانوني أو لائحة سياحية، بل يُبرَّر غالباً بإشارات غامضة، في تناقض صريح مع اللائحة التنفيذية لقانون المنشآت الفندقية والسياحية رقم 8 لسنة 2022، التي تحظِّر التمييز بين النزلاء لأي سبب، بما في ذلك الجنس.

الأخطر أن مسارات الشكوى نفسها تبدو معطلة، حيث يجد المتضررون أنفسهم عالقين بين جهات إدارية تتنصل من الاختصاص، في ظل غياب آلية واضحة لمحاسبة المسؤولين عن التمييز. واجهت الباحثة والصحافية "آلاء سعد" تجربة كاشفة عن طبيعة هذه القيود، عندما حاولت حجز غرفة للإقامة في أحد فنادق محافظة بورسعيد لأسباب متعلقة بالعمل، لكنها فوجئت برفض الحجز بشكل قاطع، ليس بسبب عدم توافر غرف أو لوجود خلل إداري، بل لأن الفندق لا يسمح بإقامة النساء بمفردهن.

تكشف وقائع قضائية حديثة عن ميل متكرِّر إلى تخفيف العقوبات في قضايا عنف أسري مميت ضد النساء. في عدد من الأحكام، جرى تخفيض عقوبات صدرت في الدرجة الأولى ضد مرتكبي عنف شديد ضد زوجاتهم بالسجن المؤبد أو الإعدام إلى مدد محدودة، على الرغم من ثبوت الوقائع في التحقيقات وتقارير الطب الشرعي، ومن دون تقديم تفسيرات قانونية مُقْنعة للرأي العام.

حاولت "آلاء" تقديم شكوى رسمية، فتواصلت مع الخط الساخن لوزارة السياحة والآثار. إلا أن محاولتها انتهت برفض تسجيل الشكوى. أمام انسداد هذا المسار، انتقلت "آلاء" لاحقاً إلى تحرير محضر رسمي، وبعد استماع النيابة لأقوالها، انتهت إلى تقرير عدم الاختصاص. لا تقتصر هذه القيود على حالة واحدة أو محافظة بعينها. شهادات أخرى، تؤكد أن المنع صار ممارسة متكررة، تمس النساء العاملات تحديداً.

في المقابل، تكشف وقائع قضائية حديثة عن ميل متكرر إلى تخفيف العقوبات في قضايا عنف أسري مميت ضد النساء. في عدد من الأحكام، جرى تخفيض عقوبات صدرت في الدرجة الأولى ضد مرتكبي عنف شديد ضد زوجاتهم بالسجن المؤبد أو الإعدام إلى مدد محدودة، على الرغم من ثبوت الوقائع في التحقيقات وتقارير الطب الشرعي، ومن دون تقديم تفسيرات قانونية مُقنعة للرأي العام.

في الفضاءات العامة، تواجه النساء المصريات عنفاً يومياً ضد حريتهن في التحرك والتواجد. واقعة الشابة "مريم شوقي"، التي وثقت بالفيديو تعرضها للتحرش داخل حافلة عامة في القاهرة، مثال على ذلك. في الفيديو، يظهر المتحرش وهو يلاحقها ويطلق عليها تعليقات مسيئة، بينما يظل بعض الركاب متفرجين أو متحفظين عن التدخل.

بعد انتشار فيديو الواقعة، ورد تداوله على نطاق واسع على منصات التواصل الاجتماعي. لكن ردود الفعل لم تتوقف عند حدود التضامن مع الضحية أو المطالبة بتحقيق العدالة. كثير من التعليقات لجأت إلى طمس مسؤولية المعتدي وتبرير فعله عبر لوم الضحية. بدءاً من أسئلة عن ملابسها أو تصرفها، وصولاً إلى التشكيك في مصداقية روايتها، بدلاً من التركيز على الفعل العدواني نفسه.

يتضح هنا التناقض بين الخطاب الرسمي عن القيم والأخلاق وبين الواقع الميداني الذي تعيشه النساء يومياً. إذ تُستخدم مفاهيم الأخلاق العامة كأداة لتقييد الحريات وتبرير الممارسات التمييزية، بينما يُغض الطرف عن العنف أو يُخفف من أثره القانوني والاجتماعي. بهذا الشكل، تصبح الأخلاق العامة أداة مزدوجة للرقابة والسيطرة، لضمان الالتزام بالمعايير المفروضة.

مقالات من مصر

السيدة التي استنطقت الجينات

كانت سامية التمتامي أول سيدة عربية تتخصص فى الجينات البشرية وقراءة الكروموسومات، فتفك شفراتها، وتنتقل بعدها من مرحلة التشخيص إلى إرساء مراحل الوقاية والعلاج في المنطقة العربية. وكان قرار العودة...

للكاتب/ة