هل يتجه السودان إلى شرعنة الواقع المتشظي؟

المجتمع الدولي أعد عدته لإنهاء الحرب في السودان. وتبدو ملامح التسوية المقترحة غير مُرْضية لحلفاء الجيش، وقد عبر عن هذا المشرف العام للقوة المشتركة، مِني أركو مناوي، إذ يرى أن الهدنة المطروحة تمهِّد للاعتراف بحكومتين، واحدة يقودها الجيش، والأخرى بقيادة قوات الدعم السريع، وبالتالي فإن الهدنة المحتملة تشبه السيناريو الليبي: أن يحكم الجيش وسط، وشمال وشرق البلاد، بينما تنفرد قوات الدعم السريع بحكم دارفور وفقاً للأمر الواقع. وبذا قد يصبح إقليم كردفان منطقة تسوية عسكرية. وقد لوّح مناوي أن الأمر لن يتوقف عند حد الحكومتين، بل ستنشأ عدة حكومات صغيرة، مما يمهد الوضع لفوضى تعدد الحكومات.
2026-02-24

شمائل النور

كاتبة صحافية من السودان


شارك
الطيب ضو البيت - السودان

يبدو أن سخونة المعارك انتقلت من مسرح العمليات إلى غرف السياسة في السودان. فبعد جمود استمر شهوراً طويلة، تشهد الساحة السياسية في البلاد نشاطاً محموماً، لكنه لا يبدو مجرد نشاط سياسي يسعى إلى استعادة المسار المدني. ولأن غالبية الفاعلين في الساحة السياسية حالياً هم حملة البنادق، فإن هذا النشاط ينذر بخطر يتجاوز فك الارتباط بين التحالفات الهشة إلى ما يجعل احتمال التحوّل من خانة "الحليف" إلى "الخصم" أكبر.

منذ أن لاحت في الأفق بوادر هدنة إنسانية بفضل ضغوط دولية، تراجع زخم المعارك العسكرية وطفت إلى السطح خلافات الغرف المغلقة بين الجيش وحلفائه، وعلى وجه خاص حليفه الرئيسي، القوة المشتركة، وسط حرب تسريبات لم تتوقف.

في المقابل، ظل المشرف العام للقوة المشتركة، مِني أركو مناوي، يطلق تصريحات مبطّنة، تلويحاً، تهديداً وتحدياً. ومناوي هو قائد أكبر حركات دارفور المسلحة، التي تتكون منها القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش، التي تنتشر الآن وسط وشمال السودان، بعد سقوط الفاشر في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وكانت المدينة المحاصرة لعام ونصف، آخر معاقل الجيش في إقليم دارفور.

تحركات خلف الكواليس غير مُرْضية للحلفاء

رسمياً، لم تُصدِر أية جهة مبادرة ذات بنود وملامح واضحة، باستثناء ما يُعرف بالرباعية التي قادتها الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، وهي مرفوضة تماماً من الجيش وحلفائه. والرفض ليس تحفظاً على بنودها بقدر ما هو بدافع أن دولة الإمارات جزء من هذه المبادرة، وهي لا يمكن أن تكون محايدة في الحل، بسبب دعمها لقوات الدعم السريع.

لكن في الوقت نفسه، فإن الموقف الرسمي السوداني لا يرفض مبدأ التفاوض مع الإمارات. واللافت أن الإعلام الرسمي لا يتعامل مع التصريحات المتطرفة ضد الإمارات التي تصدر من مساعد قائد الجيش، ياسر العطا.

أما مبادرة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، والرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، التي وجدت ترحيباً عاجلاً من قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، فلم تظهر منها أية بنود أو ملامح. ولا يبدو أن هناك وثيقة مكتوبة بذلك. فهي، أي مبادرة بن سلمان ربما أتت كرد فعل سعودي على تمدد الدور الإماراتي في المنطقة عموماً وفي السودان بشكل خاص. وعليه يمكن القول إن التنافس بين الدولتين الخليجيتين على النفوذ في البحر الأحمر سوف يعجّل ببروز دور متصاعد للمملكة العربية السعودية في السودان.

التسوية الدولية والاقليمية المقترحة وضعت عدة شروط أمام قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، ومنها ااتخاذ إجراءات واضحة تتعلق بعناصر النظام السابق. وهذ الشرط تحديداً محل إجماع إقليمي ودولي، وهنا تكمن العقدة أمام قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، فالتسوية المطروحة تستهدف حليفيْه، القوة المشتركة، ومجموعات النظام السابق.

رسمياً، لم تُصدِر أية جهة مبادرة ذات بنود وملامح واضحة، باستثناء ما يُعرف بالرباعية التي قادتها الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، وهي مرفوضة تماماً من الجيش وحلفائه. والرفض ليس تحفظاً على بنودها بقدر ما هو بدافع أن دولة الإمارات جزء من هذه المبادرة، وهي لا يمكن أن تكون محايدة في الحل، بسبب دعمها لقوات الدعم السريع. 

وليس بعيداً عن هذا، تشير معلومات متطابقة إلى أن المجتمع الدولي أعد عدته لإنهاء الحرب في السودان. وتبدو ملامح هذه التسوية المقترحة غير مُرْضية لحلفاء الجيش، وقد عبر عن هذا المشرف العام للقوة المشتركة، مني أركو مناوي، في مقال مطول ألحقه بمقابلة صحافية، إذ يرى أن الهدنة المطروحة تمهد للاعتراف بحكومتين، واحدة يقودها الجيش، والأخرى بقيادة قوات الدعم السريع، وبالتالي فإن الهدنة المحتملة تمهد لسيناريو ليبي: أن يحكم الجيش وسط، وشمال وشرق البلاد، بينما تنفرد قوات الدعم السريع بحكم دارفور وفقاً للأمر الواقع. وبذا قد يصبح إقليم كردفان منطقة تسوية عسكرية. وقد لوّح مناوي أن الأمر لن يتوقف عند حد الحكومتين، بل ستنشأ عدة حكومات صغيرة، مما يمهد الوضع لفوضى تعدد الحكومات.

ملامح تسوية غامضة

التسوية المقترحة وضعت عدة شروط أمام قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، منها حل بعض المؤسسات القائمة حالياً،  وتشكيل حكومة مدنية بصلاحيات حقيقية، لا صورية، مثلما هي حكومة كامل إدريس الحالية. وهنا قد تتضرر حصة القوة المشتركة من السلطة. أيضاً تتطلب التسوية المقترحة اتخاذ إجراءات تتعلق بتهيئة المناخ لدخول بعض من تحالف ”الحرية والتغيير“ ضمن العملية السياسية المصاحِبة. ومن الشروط أيضاً اتخاذ إجراءات واضحة تتعلق بعناصر النظام السابق. وهذ الشرط تحديداً محل إجماع إقليمي ودولي، وهنا تكمن العقدة أمام قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، فالتسوية المطروحة تستهدف حليفيْه، القوة المشتركة، ومجموعات النظام السابق.

مع بعض بصيص من الأمل، من الممكن أن يمضي الوضع نحو تسوية، لكنها هشة، وربما تمهِّد لهدنة طويلة المدى، من دون أفق حل واضح. أو أن تستمر العمليات العسكرية في إقليم كردفان والنيل الأزرق بوتيرة متقلبة، بين الجمود والنشاط العسكري، مع الاحتفاظ بمناطق السيطرة الحالية، أي بقاء الوضع مقسَّماً كما هو.

أما الاسوأ على الإطلاق فهو التفتت الكامل، في ظل تعدد التشكيلات العسكرية المناطقية، وسباق التجنيد على الأساس الإثني، إذ يسعى كل طرف إلى تعزيز سلطته في المناطق التي يسيطر عليها، في ظل تهاوي ملامح الدولة والانهيار الاقتصادي، الذي وصل إلى مستويات قياسية. 

بالنسبة إلى القوة المشتركة، فهذه التسوية مرفوضة ابتداءاً، لأنها تُعامِل هذه القوة باعتبارها رديفة للجيش، بينما هي تعتبر نفسها طرفاً ثالثاً مستقلاً. ولأن هذه التسوية تتعامل وفق الأمر الواقع بالنسبة إلى قوات الدعم السريع، التي تسيطر على كامل إقليم دارفور، وهي قضية مصيرية للقوة المشتركة، ليس فقط بالحسابات العسكرية والسياسية بل بحسابات الأرض والمُوطِن. ولا تزال القوة المشتركة ترى أن أمامها معركة استرداد دارفور، حتى لو أسقطها الجيش من حسابات التسوية.

ما المترتب على المطلوب الدولي؟

معضلة المطلوب التي يجب على البرهان إنجازها تعني بلا مواربة أن يمتلك زمام الأمور بشكل كامل، ويحتكر مركز القرار السياسي والعسكري، الذي تعدد بفعل الحرب وحال السيولة التي سادت طيلة الفترة الماضية، ما يعني التخلص من كافة الآليات المعزِّزة لتعدد مراكز القرار. وهذا باختصار يعني التخلص من الحلفاء الذين من المحتمل أن يعرقلوا هذه التسوية.

تتحدث بعض التقارير الداخلية، عن أن المخاوف الرئيسية أمام قيادة الجيش تتمثل في القوة المشتركة لحركات دارفور. وتأتي في المرتبة الثانية عناصر النظام السابق، التي انخرطت بفاعلية في العمليات العسكرية والقرار السياسي. باختصار، فإن أمام البرهان حقل ألغام يتوجب عليه عبوره من دون مزيد من الانفجارات.

يبقى السؤال: هل بإمكان البرهان المضي قدماً في هذا الأمر، مقابل شرعية دولية وانفراد بالحكم؟

بالمنطق البسيط لا يمكن التخلص من الحلفاء الرئيسيين بضربة واحدة، ما لم تكن تلك الضربة مستندة إلى قاعدة صلبة داخلياً وخارجياً. لكن الرجل - الذي ألِف إطالة المناورة وخسارة الحلفاء - تبدو مهمته هذه المرة محفوفة بمخاطر شخصية.

وبالفعل أشارت المعلومات إلى أن بعض هذا المطلوب تمّ تحضيره كقرارات منذ فترة، غير أن موعد إخراجها إلى العلن لم يحن بعد، كما أن قادة القوة المشتركة على يقين أن قائد الجيش حزم أمره، لكنه غير قادر على مواجهة الحلفاء.

وعليه فإن البلاد أمام عدة سيناريوهات:

مع بعض بصيص من الأمل، من الممكن أن يمضي الوضع نحو تسوية، لكنها هشة، وربما تمهِّد لهدنة طويلة المدى، من دون أفق حل واضح.

أو أن تستمر العمليات العسكرية في إقليم كردفان والنيل الأزرق بوتيرة متقلبة، بين الجمود والنشاط العسكري، مع الاحتفاظ بمناطق السيطرة الحالية، أي بقاء الوضع مقسَّماً كما هو.

أما الاسوأ على الإطلاق فهو التفتت الكامل، في ظل تعدد التشكيلات العسكرية المناطقية، وسباق التجنيد على الأساس الإثني، إذ يسعى كل طرف إلى تعزيز سلطته في المناطق التي يسيطر عليها، في ظل تهاوي ملامح الدولة والانهيار الاقتصادي، الذي وصل إلى مستويات قياسية.

مقالات من السودان

الحرب في السودان أمام مفترق طرق

على الرغم من الزخم الكبير الذي صاحب استجابة الرئيس ترامب لطلب بن سلمان التدخل في السودان، إلا أن الأصوات سرعان ما خفتت، وانزوت هذه المبادرة، التي لم تتعدَ منصات الحديث...

"سودان، يا غالي".. هتافات قطعها أزيز الرصاص

2025-12-04

"ولقد صبرنا مثل أيوب، وواقعنا أمرّ. فالوضع في السودان مزرٍ، وحالنا يُبكي الحجر. لم يسمعوا صوت الحشود. أولم يروا دمّاً هُدر؟"... يكادُ من يشاهد ويسمع كلمات هؤلاء الثوار أن يسمع...