أنجز هذا التحقيق ضمن أنشطة شبكة المواقع الاعلامية المستقلة حول العالم العربي، والتي تضم علاوة على "السفير العربي"، "أوريان 21"، "مدى مصر"، "حبر"، "ماشاالله نيوز"، "المغرب الناهض"، "نواة"، و"باب المد".
يجفل القارئ صدمة، وربما طالته الكوابيس عند الاطلاع على قصص الشعب العراقي أو السوري، فكيف بجمع القصص من الجانبين وتهريبها كالمخدرات والأسلحة والبشر؟ قصص كائنات ضاقت بها الأرض.
هذا النص يعرض رحلات بشر يستجدون الحياة من الجانبين، يوهمون أنفسهم بوجود الأمل كله وراء هذه الحدود... أو آخر أمل.
لّو سافرتَ إلى شنكال، سترى جداراً هائلاً على طول الحدود مع سوريا. يتراءى في الأفق كَسورٍ يحفظ إمبراطورية القصص المرعبة من إنشاء نفسها والظهور كما هي، لتفضح السردية "المُمَكيَجة" لحكومتي البلدين. جدارٌ ينهض شاهقاً على صدر الأرض، لا يمكن أن تعبره الجموع البشرية كما في السابق، حين خانوا موتهم "الوطني" العظيم، الذي سقط بواسطة البراميل الحضارية والتكبيرات المتدينة الطاهرة. مصمم على مساحة 614 كلم، بُنيَ حوالي 400 كلم منه، جدار خرساني مع أنفاق وكاميرات حرارية، لتأمين "الحدود" مع سوريا كما تقول السلطات العراقية المسؤولة عن المشروع.
جرح الجبل
أكثر من نصف مليون إيزيدي كانوا يقطنون سنجار، بحماية الإلهة الأم المقدسة[1]، وقد انقلبَت إلى مدينة أشباح ومقابر جماعية في ظرف ساعات، تحولت النساء فيها إلى بضاعة تباع في السوق، والرجال إلى هياكل عظمية في مقابر جماعية، والأطفال إلى مشاريع تفجيرية.
سقطتِ الشمس خلف الجبل، واتَّخَذت العائلات سطوح بيوتها الطينية مأوى للذود من حرارة الصيف. رابط الرجال خلف السواتر، ومعهم أسلحة خفيفة صدئة، لمقاومة عناصر تنظيم داعش، بعد انسحاب القوات المكلفة بحماية المنطقة. ساعتان من النوم كانتا كافيتين، ليفيق أهالي "تل عزير" على أصوات الإطلاقات النارية والموت الذي صار أقرب من السماء. فجراً، توجهوا إلى الجبل، جبل شنكال الذي يطعن الأفق بمهابة الأب، وعلى كل حجر منه تاريخ لم يُكتشف بعد لإبادة منسية. توجه الناس إلى وادي "سيايي"، حيث تجمعوا هناك عند تخوم الجبل، والنسوة صرن مركز الكون. كل ما كان يقال، ارتبط بالنسوة، بحمايتهن، أو بكيفية التصرف إذا دنا منهن عناصر تنظيم داعش، بعد سيطرته على المجمعات السكنية، ومحاولة إقناع شيوخ العشائر بسلميتهم كطريقة لاستمالة اللاجئين إلى الجبل، من أجل العودة إلى حكم تنظيم الدولة الإسلامية وسلميته، ومبايعة أمراء داعش وتطبيع وجودهم في المنطقة، لتتبين فيما بعد جرائمهم، التي تضمنت قتل الرجال واختطاف البنات وترك النساء الكبيرات في العمر، أو دفنهن بشكل جماعي.
أرحام أمهات "إزيديات" فجَّرتها الحرب وما بعدها
15-07-2024
الموت امرأة من شنكَال
13-03-2024
عائلة محمود خرّو في تل عزير، اختطف عناصر داعش 14 امرأة منها، وقُتِل الرجال، وبسبب ضيق الوقت تركوا النساء الكبيرات والأطفال. تقول شاهدة إن بعض النسوة قضين ما يقارب 4 أيام مع جثث أطفالهن أو إخوانهن، وحين قَصَدن الجبل، أخبرن الباقين بما كان. في الحين نفسه، كانت هناك دعوات في الجبل إلى قتل البنات والنساء بمجرد اقتراب عناصر داعش، لئلا يدخلن في دوامة البيع والشراء والاغتصاب والتنقل. اعتقدوا أن قتلهن سيسهِّل المهمة عليهم وعليهن. تسألني صديقة وهي تسرد لي قصتها: داعش كانوا يريدون البنات، الغنيمة الوحيدة. أهلنا قرروا قتلنا، أتساءل: أين كنا نحن من كل ذلك؟ تتشابه مع تلك الحال قصة البنت جيلان، التي انتحرت بعد اختطافها من قِبل عناصر داعش، أحضروا لها - هي وأخريات كن مخطوفات - فساتين رقص، وطلبوا منهن الاغتسال لعرضهن. بحسب منظمة العفو الدولية[2]: تعرضت الفتيات الإيزيديات للاغتصاب، وبعضهن انتحرن لحفظ الكرامة، في حين لم يُتَحرش ببعضهن بهدف حفظهن للأمراء، لأن الأمراء يرغبون في بضاعة "غير ملعوب بها". ويشير التقرير إلى اعتراف بنت، بأنه لم يردها أحد - بمعنى لم يرد شراءها - لأنها "قبيحة"، وتحمد الله على أنها قبيحة.
عشرات الآلاف من الإيزيديين ساروا كنملٍ وعبروا الحدود العراقية السورية، التي أمست في تلك اللحظة - قبل بناء الجدار - سبيلاً وحيداً للخلاص.
أُسقِطتِ المساعدات على اللاجئين إلى الجبل بواسطة الطائرات، بعد أن عانوا العطش والجوع، وكان هناك ضحايا الجفاف في آب/ أغسطس عام 2014. أُسقطت لمساعدات بشكل عشوائي، مما خلَّف ضحايا، وبحسب شاهدة: كان هناك صخب وسط هدوء الجبل بعد منتصف الليل، هربنا من المكان، لكنها سقطت على امرأة قربنا، كانت نائمة. تخيّل أن تجوع ويسقط عليك الطعام، ولا تنطق بعدها! حيث كان يموت يومياً 10-15 شخص، بسبب نقص الموارد والحرارة، أغلبهم من الأطفال[3].
جبل شنكال الذي جرح سفينة نوح مع كل عظمتها، جرحته دموع نساء، بكين على الحجارة الجافة، خوفاً من اغتصابٍ أو موتٍ رحيم، أو كثكالى بأطفالهن.
لاجئون في الشمس
بعد نحو عشرة أيام في الجبل، وتهديدات مستمرة، وهلع منتشر بين الإيزيديين، فُتِح معبر إلى روجآفا: كوردستان سوريا، بواسطة وحدات حماية الشعب. سار الإيزيديون عشرات الساعات في شمسٍ تطبخُ أطفالهم وجبةً للسيدة موت، ليدفنوهم في الطريق ويكملوا ما تبقى منها، ببداية يتقيؤها الجبل المجروح ونهايةٍ لا تنتهي، أشبَه بوجعٍ طويل. شبان يحملون العجائز وحسراتهم، نساء يغطين وجوههن وتصرخ عيونهن، أطفالٌ يضاعفون جراح أهاليهم بشفاههم المتشققة ووجوههم المغبرة وغدهم المجهول. كل طفل إيزيدي كان مشروع جرح مستقبلي لأهله. فيما تلفهم كائنات من الغبار يتصاعد من بين أقدام عارية، وأعينٍ تنظر نحو غدٍ يحترق وسط السراب في الأفق البعيد نحو الحدود السوريّة. ساروا مسافة حوالي 129 كلم حتّى ديريك. عبروا تلك الحدود، بتعبٍ عظيمٍ، يتحينون نهاية هذه الرحلة، مهما تكن، يريدونها أن تنتهي فقط. تقول لي شاهدة سارت كل الطريق: طلب منّا أهالينا أن نمسك بأيدي أبناء أعمامنا، كي يحسبنا عناصر وحدات حمايات الشعب متزوجات منهم، خوفا من التجنيد. عشرات الآلاف من الإيزيديين ساروا كنملٍ وعبروا الحدود العراقية السورية، التي أمست في تلك اللحظة - قبل بناء الجدار - سبيلاً وحيداً للخلاص. فعلى الرغم من أن الحدود وُجِدت لتعرِّف الدول، فإن كسرها في تلك الحال كان ضرورة. إذاً، وبتعريف آخر: الحدود سبيل النجاة من موتٍ وطني هو الوحيد الذي لم يُفرِّق بين العراقيين وأُعطي لهم بمساواة. فبحسب اتّحاد إيزيديي سوريا Yekîatya Êzidien Sûriyê ، تمَّ مؤخراً بناء قبر لطفل إيزيدي مجهول مات هناك أثناء المسير، أُطلق عليه اسم: [4]Bêkasê farmanê. وصل بيكه س إلى مستشفى ديريك جريحاً ومات بعد ثلاثة أيام. ودُفن مجهولاً بقبر عشوائي، إلى أن تم تشييده مؤخراً بجهود فردية.
عبر الإيزيديون الذين لجأووا إلى سوريا سيراً على الأقدام مرة أخرى، ودخلوا الأراضي العراقية، وتحديداً إقليم كوردستان من معبر فيشخابور. وفي كوردستان، التقوا بهؤلاء الذين قطعوا كل الطريق مخاطرين بحيواتهم.

في الشهور الأولى، عاش الإيزيديون، وكانوا مئات آلاف، في الشوارع وتحت الأشجار، أو في هياكل منازل غير مكتملة، يتزاحمون، ويخاف الأحياء على مَن بقوا في الجبل، بعد اطمئنانهم إلى مَن ماتوا، إما في مقابر جماعية، وإما بشكل فردي. خافوا على الذين وقعوا أسرى والأحياء.
في الوقت الحالي، وبعد ما يزيد على عقدٍ من الزمن، بقي أكثر من 100 ألف إيزيدي نازحاً في مخيمات النزوح، التي تم بناؤها في كوردستان، وعشرات المقابر الجماعية غير المفتوحة بعد، وبضعة آلاف من المفقودين والمختطفات اللواتي يتم شراء واحدة منهن كل فترة من سماسرة داعش بجهود عائلاتهن أو منظمات تتبرع بدفع "ثمنهن". هناك محرَّرات من مخيم الهول السوري، الذي يضم ما يسمى بـ"عوائل داعش"، الأمر الذي تعمل الحكومة العراقية بجهود عظيمة عليه، لا لتحرير الإيزيديات، بل لإعادة هؤلاء إلى العراق، كنوعٍ من التزام "دولي" بتفكيك المخيم، بعد تقارير أشارت إلى نشوء فكر تطرّفي جمعي جديد في المخيم، أطلق عليه "القنبلة الموقوتة".
بحسب اتّحاد إيزيديي سوريا Yekîatya Êzidien Sûriyê ، تمَّ مؤخراً بناء قبر لطفل إيزيدي مجهول مات هناك أثناء المسير، أُطلق عليه اسم Bêkasê farmanê. وصل بيكه س إلى مستشفى ديريك جريحاً ومات بعد ثلاثة أيام. ودُفن مجهولاً بقبر عشوائي، إلى أن تم تشييده مؤخراً بجهود فردية.
تبذل الحكومة العراقية جهوداً حثيثة، في محاولة إغلاق المخيمات بشكل عشوائي، لتصفية ملف النزوح والتهرب من مسؤولية تحرير المختطفات الإيزيديات في عدة دول، منها سوريا وتركيا وسواهما، وإعادة بناء المناطق المهدَّمة، وإعادة تأهيل الناجين/ات... وترسل إلى مخيمات النزوح، بتوجيه من رئاسة الوزراء ووزارة الهجرة، مئتي لتر من النفط الأبيض، وخيمة جديدة كل بضع سنوات.
فعلى الرغم من بناء الجدار الفاصل بين العراق وسوريا - على مسافة 400 كلم - ولا يزال العمل جارياً عليه – وعلى الرغم من محاربة إعادة أولئك المشكوك في انتمائهم إلى تنظيم داعش، وعدم محاسبة أي داعشي على جريمة اغتصاب إيزيدية، يقف الإيزيديون اليوم بين خيامهم وبيوتهم المهدمة، ويواجهون خطابات كراهية في مخيماتهم.
وعلى مبعدة من مخيمات الإيزيدين في دهوك بكوردستان العراق، يربض واحدٌ من أكبر مخيمات اللاجئين السوريين: مخيم دوميز، الذي يضم حوالي 6-8 آلاف عائلة، قدموا إلى المخيم عام 2012، واتَّخذوه موطناً. كيف جاؤوا؟
الخيمة كَفَن للأوكسجين والأحلام
تُدْعى منطقة الشمال السوري، التي تقع ضمن الإدارة الذاتية لقوات سوريا الديمقراطية، بالكوردية: "روج آفا"، أي غرب كوردستان. وهي منطقة متوترة، غالباً لأسباب كانت تتعلق بمنهجية حزب البعث الذي كان حاكماً في سوريا وإيديولوجيته الهادفة إلى تعريب البلد، إضافة إلى الحس القومي الكوردي، الذي ينمو مع كل اضطهاد ضد الكورد، ويجري توظيفه والتلاعب به، من قبل عدة قوى وأطراف محلية وعالمية. لم تهدأ تلك المنطقة، ما أجبر آلاف الكورد السوريين على اتخاذ قرار هو الأقرب إلى الوحيد الممكن: عبور الحدود إلى العراق، إلى إقليم كوردستان بالضبط، أو "باكور" بالكوردية، أي جنوب كوردستان. ولكن كيف وإلى متى؟
بعشرات الآلاف، اتَّجَه الكورد تاركين كل ممتلكاتهم، وبعشرات الآلاف عَبروا الحدود العراقية السورية، حيث أُقيم مخيم دوميز، ليتوسع فيما بعد، إذ تقدَّر مساحته اليوم بحوالي 60 دونماً. ويقع على بعد 20 كلم جنوب غرب محافظة دهوك. استقبل في بدايته حوالي 80 ألف لاجئ، ليتقلص فيما بعد إلى حوالي ثمانية آلاف عائلة، هاربة من بطش الحروب. بعض أفرادها سيراً على الأقدام لساعات، وبعضهم سباحة، وبعضهم عن طريق وسائل النقل المختلفة. واستقبل منذ بدايته ما يفوق قدرته الاستيعابية.

تتذكر هالة أول يومٍ دخلت فيه مخيم دوميز، مغطاة بتراب السير من الحدود إلى المخيم. نُزِعَت من وطنها ورُمِيت خلف هذه الحدود. نصف عائلتها لم يكن قد وصل بعد. والذين وصلوا ـ قلوبهم كانت تحترق كشعلة نوروز، كي تضيء الخيمة الضيقة، جنة الحشرات وجحيم الحنين والتحسر على بيوتهم في ريف دمشق. البطانيات التي وزِّعتْ عليهم، وقنينة المياه التي وقفتْ هالة كغيرها في طابور الصهريج لملئها، وحضور أمها لم يُغيّر الحقيقة، حقيقة أنَّ حياتها سالت من بين أصابع كفها كالرمل، وعليها أن تتعلم كيف تعيش هكذا، بكفٍ خاوية، تمدها في كل طابور، كي تغذي وجعها بالبقاء. بعد 14 سنة، لم تتعلم هالة كيف تحيا كلاجئة، ولا تزال تعيش على ذكرياتها.
بحسب شهادة مواطن[5] لمنظّمة الهجرة الدولية (IOM)، فإن المكان الذي جاؤوا منه، انتشرت فيه الجثث على الشوارع لأربعة أيام أو أكثر، وآخر[6] يشير إلى قدوم عددٍ من العائلات، عن طريق مهربين، وتعرّضها لإطلاقات نارية عند الحدود، وموت بعض أفرادها اثناء الرحلة إلى دوميز.
الحياة في مخيم دوميز مستمرة بجهود النساء اللواتي يعملن في مختلف الوظائف، على الرغم من الأجور القليلة بعد تسفيرالأولاد إلى دول أوربية. متحديات قلة الدعم، خاصة في الجانب الصحي، إذ يفتقر المخيم إلى خدمات طارئة في أحايين كثيرة، وإن توافرت فإن هذه المراكز تفتقر إلى الأدوية، والنزلاء يقطعون كل الطريق إلى المدينة للحصول على الخدمات الطبية.
الخيال لا يتقيد بالحدود المرسومة للمخيم، ولا بأحلام النزلاء بالاستقرار والتطور، فيكبر مخيم دوميز كل فترة وتضاف إليه بيوت وشوارع جديدة.
بعد عقد ونصف العقد، يجد آلاف الكورد أنفسهم اليوم موزعين على مخيمات اللجوء في كوردستان العراق. وبحسب شهادات الأهالي، عوامل كثيرة كانت تمنعهم من العودة، منها الصراعات المستمرة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية والمناطق الكردية، التي تعاني أيضاً من عمليات عسكرية تركية بين الحين والآخر، إضافة إلى الخوف من تجنيد أبنائهم.
الحياة في مخيم دوميز مستمرة بجهود النساء اللواتي يعملن في مختلف الوظائف، على الرغم من الأجور القليلة بعد تسفيرالأولاد إلى دول أوربية. متحديات قلة الدعم، خاصة في الجانب الصحي، إذ يفتقر المخيم إلى خدمات طارئة في أحايين كثيرة، وإن توافرت فإن هذه المراكز تفتقر إلى الأدوية، والنزلاء يقطعون كل الطريق إلى المدينة للحصول على الخدمات الطبية. وفي مجال التعليم، يفتقر المخيم إلى كوادر تدريسية متخصصة في المواد الدراسية، مما يشكل عوائقَ تبطئ التعلم. فعلى الرغم من "تطوّر" المخيم إلى ما يشبه المدينة، أي بناء غرف بدل الخيام، إلا أن المدارس لا تزال كرفانات تفتقر إلى وسائل التدفئة والتبريد، وفقيرة بمرافق التعليم، مع مستقبل مجهولٍ يتغير كل لحظة. وعلى الرغم من كل المشاكل المجسَّدة، يُبعث المواطنون من جديد كل يوم، وينشرون جذورهم في أرض المخيم، كي تنمو أرواحهم من جديد. غير أن الخيال لا يتقيد بالحدود المرسومة للمخيم، ولا بأحلام النزلاء بالاستقرار والتطور، فيكبر المخيم كل فترة وتضاف إليه بيوت وشوارع جديدة.
التعليم في مخيمات النازحين
أما فيما يخص مخيمات النازحين، وضمنها مخيمات الإيزيديين، فإن عملية التعليم فيها مهمَلة، وأقرب إلى المهزلة. فقد كانت تسير لسنوات بجهود فردية من أهالي الطلبة، الذين دفعوا مبالغ شهرية للمحاضرين الذين علَّموا أبناءهم، وابتاعوا الكتب لهم، على الرغم من أن المحاضرين كانوا غير متخصصين في المواد التي يدرّسونها، والكتب المجانية حقّ لكل طالب عراقي... إضافة إلى جمع التبرعات لشراء النفط للتدفئة شتاءً، على الرغم من تخصيص مليارات الدنانير لوزارة التربية العراقية.
التعليم والصحة - الجسدية والنفسية - والخدمات الأساسية ملفات يغيب عنها الدعم المطلوب، وهو جزء من إهمال أوسع يشمل الإيزيدي والكوردي السوري، في إطار ادّعاءات بجهود محلية تمضي عليها عقود من الزمن، من دون التزام فعلي أو تحرك حقيقي، يضمن العودة الكريمة إلى مناطقهم الأصلية وإنهاء ملف المخيمات.
أشار تقرير لمنظمة اليونيسف[7] لعام 2024، إلى مطالبتها بتمديد التعليم لمخيمات النزوح، بعد القرار الذي صدر بإغلاق بعضها في كوردستان. كانت تلك محاولة عراقية لإنهاء ملف النزوح ظاهرياً من دون إيجاد حلول دائمة للنازحين، وبلا معالجة فعلية لأوضاع مناطقهم الأصلية، الأمر الذي كان يهدد بوقف التعليم الذي يغيب عنه الدعم أساساً. أما الآن، فلا أحد يعرف مصير الطلبة في هذه المخيمات، وإذا ما كانوا سيُطرَدون من مدارسهم في المخيمات وتتوقف المؤسسات الخاصة بالنازحين، أم ستبقى على الحافة.
النزلاء في هذه المخيمات معرضون لفقدان ممتلكاتهم، وحياتهم معرضة لخطر هائل بسبب الحرائق التي تلتهم الخيام النايلونية والمواطنين والممتلكات، في حين أن إجراءات العودة الطوعية، التي روّجت لها وزارة الهجرة متوقفة بشكل تعسفي، إضافة إلى توقف تعويض البيوت المهدمة وصكوك ملكية النازحين البالغة 7000 صك.
التعليم والصحة - الجسدية والنفسية - والخدمات الأساسية ملفات يغيب عنها الدعم المطلوب، وهو جزء من إهمال أوسع يشمل الإيزيدي والكوردي السوري، في إطار ادّعاءات بجهود محلية تمضي عليها عقود من الزمن، من دون التزام فعلي أو تحرك حقيقي، يضمن العودة الكريمة إلى مناطقهم الأصلية وإنهاء ملف المخيمات.
ما الذي يجعل المخيمات عوالم؟
مخيمات اللجوء بتعريفها هي مناطق مؤقتة أو شبه دائمة، يلجأ إليها الهاربون من موت حتمي، وتدار من قبل المنظمات الدولية للهجرة وغيرها. غير أن البشر يُعامَلون بناءً على السمعة المنتشرة عن بلدانهم. فهذه الحقوق التي من المفترض أن تُعطى للاجئين، لا تنطبق على الشرق أوسطيين، وبالتأكيد على السوريين والإيزيديين. مع مرور السنوات، تصير هذه المخيمات هي المساحة الممكنة للعيش، على الرغم من الظروف المحيطة بها، وسلطات هذه البلاد التي تصمم قوالب على مزاجها. سيعبرون حدود الدول، كي يعيشوا في مخيمات النزوح، كما في الحالة الإيزيدية والكوردية السورية، فتصير هذه المخيمات، بظاهرها، مدناً للجوء والدعارة كما يروَّج عنها، أو كما يراها أهل المدن المحيطة بهذه المخيمات. حيث يلجأون إلى أسواقها لرخص الأسعار. وتتحول إلى أماكن لاستقبال الناجيات من سجون داعش، المعنّفات جسدياً ونفسياً، ولأهاليهن.
ولكن هل يمكن فعلياً لهذه المخيمات أن تستمر؟ وإلى متى؟ هل تشيب الخيام؟ أو الغرف التي تُبنى على مساحة الخيام مع مرور الزمن؟ وإن لم تنتهِ الخيام، هل ستغطيها الدولة بوشاح كبير، حتى لا تضرّ بسمعتها الدولية و"إنجازاتها"؟
- جميع الصور في هذا المقال من تصوير الكاتب.
- يُرجع بعض الباحثين اسم "شنكال"، إلى تركيب لغوي سومري مسماري، يجمع "شن": وتعني امرأة، و"كال": وتعني إلهة. ↑
- https://www.amnesty.org/en/documents/mde14/021/2014/ar/ ↑
- بحسب شهادة طبيب لهيومن رايتس ووتش https://www.hrw.org/news/2014/08/09/nightmare-iraq ↑
- ليس هناك ترجمة لكلمة "بيكه س"، ولكن يمكن موازاتها بـ"يتيم"، أو "بلا أحد". و"فرمان": تعني إبادة، أي: يتيم الإبادة، أو يتيم الفرمان. ↑
- https://youtu.be/KS1V-Lf30Sc?si=sbdSH6gt-Pxc3Kg9 ↑
- https://youtu.be/2WBDbxEhCfA?si=6S3x4y74N7G1pO6D ↑
- file:///C:/Users/HP/Downloads/Iraq-Humanitarian-Situation-Report-No.-1-(Mid-Year),-30-June-2024.pdf ↑







