رمضان في اليمن: من سعادة الاحتفاء إلى شقاء الحدّ الأدنى من متطلباته

لم يعد شهر الصوم، في السنوات الأخيرة، ضيفاً خفيفاً على حياة اليمنيين، بعد أن صارت متطلباته فوق المستطاع، مشيراً إلى حال المتكلم من عمال المياومة أنه لم يتمكّن فيها من توفير الحد الأدنى من متطلبات الاحتفاء بهذا الضيف.
2026-02-19

عبده منصور المحمودي

استاذ جامعي وشاعر وناقد، اليمن


شارك
حكيم العاقل - اليمن

"لو بيتك أنتَ مليانْ استقبلْ رمضانْ!.. أمّا أنا بيتي فاضيْ! ما أقدر استقبله!"، هاتان الجملتان، وردتا على لسان أحد عمّال اليومية ــ في استراحة مقيلهم، على مقربة من عمله، رداًّ على زميله، الذي تساءل عن عدد الأيام التي تفصلهم عن حلول شهر رمضان المبارك.

لم يكن المتسائِل يعني استضافة الشهر الكريم، بقدر ما كان ينوي التعبير عن مناسبة قادمة، لا يدري كيف سيتدبر احتياجاتها. وقد ناب عنه صاحبه في ذلك، معبِّراً عن معنى قدوم هذه المناسبة، في حياة الغالبية العُظمى من شعبٍ مسحوق بالفقر، وأنهكَتْه الحاجة إلى أبسط مقومات الحياة.

بدافع الفضول المحسوب، اقتربتُ من مقيلهم، ملتزماً قدراً كافيّاً من العفوية والبساطة التي اعتادوا عليها في لقاءاتي معهم. سألتُهم عن موضوع حديثهم، فسارع الرجل إلى إيجاز فكرته، في الشعور العام بهموم توفير احتياجات المناسبة القادمة. جميعهم اتفق معه في ذلك، باستثناء عامل واحد، تشبّث بفكرة الزهد، والسعادة بقدوم شهر العبادة والأجر والثواب المضاعف، مما دفع الرجل إلى الاختلاف معه، مؤكِّداً أن شهر الصوم، في السنوات الأخيرة، لم يعد ضيفاً خفيفاً على حياة اليمنيين، بعد أن صارت متطلباته فوق المستطاع، مشيراً إلى حاله هو، التي لم يتمكّن فيها من توفير الحد الأدنى من متطلبات الاحتفاء بهذا الضيف، كون منزله لا شيء فيه يليق باستقباله، مُتسائلاً بتهكم: أيُعقلُ أن يفتح بيتَه لهذا الضيف المبارك، وهو على تلك الحال من الخواء؟!

لم تكن فكرة الاستضافة ــ في هذا الموقف ــ سوى نسقٍ مجازيٍّ، انطوى على نوعٍ من السخرية الاجتماعية، المحيلة على واقعٍ يعجز فيه الفرد، عن توفير احتياجات أيّةِ مناسبة، بما في ذلك هذه المناسبة، ذات القداسة الدينية، والهالة الاجتماعية المتوارَثة.

ذكرى تقاليد الاحتفاء

اعتاد اليمنيون صغاراً وكباراً ــ مثلهم كمثل غيرهم من أبناء المجتمعات الإسلامية ــ على الاحتفال كل عامٍ بحلول شهر رمضان بصور متعددة، ليس فقط في مظاهر فرحة الأطفال به، كصناعتهم الفوانيس الورقية، وتزيينهم الحارات ومداخل المنازل بها، وترديدهم الأهازيج الخاصة بمديح شهر رمضان، بل وفي حرص الأسر اليمنية، على تهيئة المنازل بأجواء احتفائية: تنظيفاً، وإعادةَ طلاءٍ لبعض منها، وتغييرَ أثاث بعضٍ آخر، وتهيئة غرف الاستقبال وتجديد بعض تفاصيلها.

وفي السياق الاحتفالي أيضاً، يأتي ما يبذله الرجال من جهود، في إنجاز أكبر قدر ممكن من أعمالهم ــ لا سيما الزراعية منها ــ توفيراً لما يمكن توفيره من أيام رمضان ولياليه للراحة والتعبُّد. كما أن من أهم مظاهر هذه السعادة والاحتفاء، ما يطرأ، في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، من ازدحام في الأسواق العامة، إذ تتسارع حركة التسوُّق، وترتفع نسبة الإقبال على شراء البضائع والمواد الغذائية المتنوعة، لا سيما ما يتعلق منها بتلك التي يقتصر الاهتمام بها في اليمن على هذا الشهر الاستثنائي.

أسواق تستجدي العابرين

منذ اندلاع الحرب في اليمن، عشية الخامس والعشرين من آذار/ مارس 2015، بدأت هذه التفاصيل الاحتفالية بالانحسار المتنامي، وصولاً إلى ذروته مطلع هذا العام. لم يعد الانشغال بتقاليد استقبال رمضان أولويةً لدى اليمنيين، بعد أن صارت أولويتهم القصوى، على مدار السنة هي البحث بمشقة بالغة، عن سُّبل توفير أبسط متطلبات الحياة، في ظل وضعٍ اقتصاديٍّ مهترئ، ومحدودية فرص العمل، وندرة إمكانيات اقتراض المال، ونفاد مدخرات أغلبهم، في سبيل إنفاقهم على أسباب بقاء أسرهم على قيد الحياة.

هذا التحوّل في أولويّات اليمنيين، تجلّى بوضوحٍ، في أحوال الأسواق ومحلات بيع المواد الغذائية، إذ لم يعد الازدحام فيها سمةً من سمات الأيام الأخيرة من شهر شعبان، بسبب الركود الاقتصادي، وضعف القوة الشرائية، وانعدام السيولة المالية. ذلك هو ما لمسْتُهُ عن قرب، في طريقي إلى أمرٍ عائليّ لا علاقة له بالتسوّق، إذ مررت بثلاث مدن صغيرة، تتفاوت في قربها من مكان إقامتي الريفي، وقد فوجئتُ بأحوال أسواقها، التي غابت منها حركة التسوُّق المتسارعة.

في تلك الأسواق لاحظتُ أعداداً محدودة من المتسوّقين، وجوههم تشي بصور قاتمة من البؤس. أمّا الباعة، فقد لفت انتباهي تسابُقهم إلى استدراج كلِّ مَنْ يمرّ على مقربة منهم، إذ يرون فيه مشروعَ متسوِّقٍ. حتى لو لم يكن التسوّق ضمن اهتمامه، فلا بد من أن تشمله مناداتهم وإلحاحهم على أن يقترب من بضاعتهم، أملاً في أن يجد فيها ما ينوي شراءه، أو حتى ما يلفت انتباهه إليها.

تؤكد التقديرات الاقتصادية والمؤشرات الإنسانية الرئيسة في اليمن (حتى آذار/ مارس- نيسان/ أبريل 2025) أن حوالي 19.5 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأن حوالي 17.1 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

لا تقتصر هذه الحال على الأسواق العامة، بل تشمل محلات المواد الغذائية، التي تقع في محيط القرى والتجمعات الريفية. فقمتُ بزيارةٍ إلى واحد من هذه المحلات القريبة من محيط قريتي. وقد استقر اختياري على ذاك المحل تحديداً، لما يتوافر فيه من خصائص تُمَيِّزه عن غيره، منها أن لديّ معرفة كافية بتفاصيل العمل فيه منذ طفولتي، كونه أقدم محلات بيع المواد الغذائية في المنطقة، ونجاح صاحبه في بناء شبكة من علاقات الثقة المتبادَلة، مع أغلب المقيمين في محيطه الريفي، إذ أفضتْ تلك العلاقات إلى بناء هامش من التفاهم على آلية عمل، قضت باضطلاعه هو بمهمة توفير كل احتياجاتهم، طيلة أيام السنة، مقابل اتفاقهم الضمنّي معه، على تسديد فاتورة الحساب كلما تمكنوا من دفعها، وغالباً ما يفعلون ذلك نهاية كل عام. وشملت هذه الآلية استقبالهم لشهر رمضان، إذ يكتفي كل واحد منهم بتقديم قائمة باحتياجاته إلى الرجل، فلا يتقاعس في توفيرها، وإيصالها إلى منازلهم، مضيفاً تكلفتها إلى قائمة ديونهم، التي لا قلق لديه من تسديدها.

حسبتُ أن ضعف القوة الشرائية، هو ما ستكتمل به هذه الصورة المأساوية، التي بدأتُ بتوليف أجزائها من أحوال الأسوق العامة. لكن الأمر اختلف معه، وتجاوز ذلك، إلى إحداث تغييرٍ جوهريٍّ في تلك العادة، التي ظلت قائمة بينه وعملائه طيلة ما يتجاوز العقدين من الزمن.

اتضح لي تجميد هذا التقليد، من خلال استرساله في الردّ على سؤالي إيّاه، عن الكيفية التي يتمكن من خلالها من الوفاء بالتزامات محله التجاري تجاه المستفيدين منه. وقد تحدّث بحسرة وألم عن الحال البائسة التي أصيبت بها الأعمال التجارية في الوطن عامة، ووصلت تداعياتها إلى أصغر محل تجاريّ، مبرِّراً بذلك ما اتخذه من قرار التخلّي عن دوره في تزويد المعتمِدين عليه باحتياجاتهم، إذ لم يعد في مستطاعه الاستمرار في ذلك، مكتفياً بتوفير طلبات مَن يُرفق مِنْ عملائه قائمة احتياجاته بمبلغ مالي يكفي لشرائها، على ما في ذلك من تأثير سلبي على أعماله، بسبب محدودية عدد القادرين على الدفع الفوريّ.

معضلة الفقر الكارثيّة

يعود انحسار تقاليد الاحتفاء بحلول شهر رمضان في اليمن، بدرجة رئيسة، إلى الحرب، وما ترتب عليها من آثار مأساوية، لا سيما الانهيار الاقتصادي المخيف، الذي تجاوزت به نسبة الفقر الـ 80 في المئة من نسبة السكان، بحسب ما تضمّنته التقارير الدولية، كما أشارت إلى تصنيف اليمن ضمن أفقر خمس دول في العالم، بمعية كلٍّ من: الصومال، وموزمبيق، والكونغو الديمقراطية، ومدغشقر، بعد أن حلت في المرتبة 169، من بين 170 دولة؛ وفقاً لما ورد في تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) حول الفقر وعدم المساواة، عام 2024. وفي السياق نفسه، تأتي التقديرات الاقتصادية والمؤشرات الإنسانية الرئيسة في اليمن (حتى آذار/ مارس- نيسان/ أبريل 2025)[1] ، التي أكدتْ أن حوالي 19.5 مليون شخص في اليمن بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأن حوالي 17.1 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

______________________

  1. محمد المعزب، "تقدير موقف: اليمن .. أزمة إنسانية بلا حلول ــ أيار/ مايو 2025". يمن ديلي، 18 أيار/مايو 2025 - https://ydn.news/?p=81342

مقالات من اليمن

للكاتب/ة