السيرة العجيبة لبلطجي مصري مقرب من النظام

يتناول هذا النص الحكاية العجيبة لصعود البلطجي صبري نخنوخ، المقرّب من النظام المصري، الذي تقدم أواخر العام الماضي 2025 بطلب لردّ اعتباره، عن الفترة التي قضاها في السجن، وهو ما يعني محو الآثار القانونية للحكم الجنائي بحقه، بل ربما يتجاوز ذلك بمطالبة النظام بالتعويض عنه، فيتمكّن بعدها من الوصول إلى البرلمان، أو المناصب العامة، أو حتى الوزارة، وهو احتمال سوداوي لكنه غير مستبعد.
2026-02-19

عثمان زكي

باحث من مصر مقيم في هولندا


شارك
صبري نخنوخ، المعروف ب"المعلّم" و"البلطجي" واضعاً أفعى كبيرة يملكها على كتفيه.

في مقطع فيديو متداوَل يظهر المعلّم صبري نخنوخ، رجلٌ ضخم تظهر عليه علامات الوفرة والقوة، تلمع على وجهه ابتسامةٌ غير مريحة، وبصحبته "بودي جاردات"، حرسه الشخصي، رجال ببنية ضخمة ووجوه جادّة متأهبة لحماية معلّمهم. يتعامل معه الجميع بمزيجٍ من خضوع واحترام وقليل من المحبّة، فنخنوخ هو مالك واحدة من أهم شركات الحراسة الشخصية في مصر، شركة فالكون، ويتمتع إلى هذا بنفوذ ضخم يمتد إلى كافة أنحاء الجمهورية، حتى أنّ شركته شاركت في تأمين الانتخابات الرئاسية الأخيرة في مصر.

لكن حال نخنوخ لم تكن دائماً كذلك، فخلال عام 2012 قُبض على الرجل بتهمة البلطجة وحيازة سلاح غير مرخَّص وتسهيل الدعارة. وخلال لقاء معه على قناة الحياة، توجهت إليه المذيعة بالسؤال: "تقول إيه بعد ما سيتمّ عرضك على النيابة؟”، ليردّ في ثبات انفعالي يُحسد عليه: "ربنا يسهّل، الدنيا دول، الدنيا صغيرة". كان نخنوخ قد نفى في بداية ذلك الحوار كلّ التهم الموجهة إليه، متّهماً محمد البلتاجي، أمين حزب الحرية والعدالة بالقاهرة وقتها، بالتحريض ضدّه، قائلاً إنّ الأجهزة الأمنية تُجامل الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها.

وكأن كلماته السابقة كانت تحمل استشرافاً لتقلبات الحياة، فقد خرج نخنوخ إلى الحرية بعفوٍ رئاسي من الرئيس السيسي بعد ست سنوات من ذلك اللقاء، وعاد الرجل المقرّب من النظام، بينما سُجن البلتاجي وعدد من رموز جماعة الإخوان المسلمين.

مقالات ذات صلة

نتناول هنا الحكاية العجيبة لصعود البلطجي صبري نخنوخ، الذي تقدم أواخر العام الماضي 2025 بطلب لردّ اعتباره عن الفترة التي قضاها في السجن[1]، وهو ما يعني محو الآثار القانونية للحكم الجنائي، بل ربما يتجاوز ذلك إلى مطالبة النظام بالتعويض عنه، فيتمكّن بعدها من الوصول إلى البرلمان، وربما المناصب العامة، في احتمال أكثر سوداوية لكنه غير مستبعد. بل قد يتمكّن نخنوخ من تولّي منصب وزير التربية والتعليم، خلفاً للوزير الحالي الذي يحمل دكتوراه مزيفة بحسب اعترافه. وعلى الرغم من نفي نخنوخ الخبر السابق[2]، لكن مَن بإمكانه أن يعلَم ما الحقيقة، في ظلّ كلّ ذلك الضباب السياسي في مصر؟

صناعة البلطجي

نعرّف بدايةً بالزمن الذي اتسع فيه نفوذ نخنوخ كبلطجي مقرّب من النظام. فقد درج الرئيس مبارك خلال عهده الممتد لمدة ثلاثين عاماً، على الاستعانة بالبلطجية لجمع الأصوات الانتخابية ودعم نظامه الأمني والضغط على معارضيه، وكانت هناك مناطق بعينها معروفة بكونها مأوى للبلطجية وشراء الأصوات الانتخابية مقابل بضعة جنيهات، وأغلبها مناطق عشوائية مُعدَمة، لا يوجد فيها أدنى مقومات الحياة الكريمة. نذكر منها منطقة تلّ العقارب في السيّدة زينب، التي تمت إزالتها بين عامي 2015-2018، وقد كانت أشبه بالكهوف البدائية المشيدة على شكل خلية نحل متداخلة، وبداخلها تتكدّس الأسر الفقيرة المعدمة، بينما تنتفخ الجدران من الرطوبة وعفن مياه الصرف الصحي، وتتصاعد فيها رائحة منفّرة، يتقبّلها السكان الذين اعتادوا على هذا النوع من حياة ما بعد الهامش. وكانت تلك المنطقة تحديداً هي المفضّلة للحصول على الأصوات في دائرة فتحي سرور، أحد أهمّ البرلمانيين المصريين الموالين للنظام، الذي وُصف بكونه "ترزي القوانين"، أي حائكها وخيّاطها، بسبب قدرته على التلاعب بالمواد القانونية لخدمة مصالح النظام.

عام 2015، زرتُ تلك المنطقة، وغلبني الحزن الشديد لما شاهدته من تدنٍّ للمستوى المعيشي لم أرَ مثله في سائر المناطق العشوائية التي زرتها، من الدويقة إلى غيرها. بدتْ منطقة تل العقارب أشبه بحظيرة بشرية يتمّ استغلال سكانها في كافة أشكال الأعمال غير القانونية، وكان ذلك الاستغلال جزءاً من فلسفة نظام مبارك.

اتسع نفوذ نخنوخ كبلطجي مقرّب من النظام في عهد مبارك، الذي درج على الاستعانة بالبلطجية لجمع الأصوات الانتخابية ودعم نظامه الأمني والضغط على معارضيه. كانت هناك مناطق بعينها معروفة بكونها مأوى للبلطجية وشراء الأصوات الانتخابية مقابل بضعة جنيهات، وأغلبها مناطق عشوائية مُعدَمة.

حمل نخنوخ الصفات التقليدية للبلطجي ورجل العصابات، كما جسدتها السينما المصرية لعقود: جسدٌ ضخم ممتلئ، لا ينفعل إلا لتوصيل رسائل بعينها، وهو مع ذلك مقرّب من كثير من الدوائر، بسبب الحفلات الصاخبة و"الكريمة" التي يقيمها باستمرار. كما أن علاقته طيّبة مع رجاله ومرافقيه، بل إنه كثيراً ما سعى إلى دعم الفقراء والأيتام والأرامل، وكأنه يحاول بناء عالم يحيط به من المؤيِّدين الخاضعين.

لكن لماذا كان النظام يستعين بالبلطجية؟ كان نظام مبارك يدير البلاد بدهاء رجاله المحنّكين، من جانب يسمح للمعارضة والصحافة والمجتمع المدني بهوامش من الحرية، تضيق وتتسع وفقاً للأحداث، ومن جانب آخر يطلق أجهزته الأمنية للتفتيش تحت الجلد وفي الضمائر عن نقاط الضعف لاستغلالها في حال سطوع نجم أحد رموز المعارضة، فيدس رجاله بين المعارِضين، أو يشتري ذمم أفراد منهم. ولمّا كان النظام يفعل ذلك بالتزامن ومن دون ثغرات، فلم يكن جهازه الأمني وحده كافياً لتولّي كلّ تلكَ المهام، من دون الاستعانة بالبلطجية.

____________
من دفاتر السفير العربي
كيف تشتغل الدولة المصرية؟
____________

كان نخنوخ من أذرع النظام المباركي، فهو كما وصفته الأجهزة الأمنية لمحمد البلتاجي "مورِّد للبلطجية على مستوى القُطر كلِّه"، حتى أن المحامي الشهير مرتضى منصور[3] ذكر في حوار له أن نخنوخ تضامن مع خصومه، وأسهم في اقتحام مجموعات بلطجية أخرى لنادي الزمالك، خلال انتخابات عام 2010. في العام نفسه، وخلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة في عهد مبارك، ظهرت البلطجة كسلاح أساسي في يد النظام، وقد كنتُ، كما غيري من المصريين، شاهداً على صناديق الاقتراع الانتخابية التي كانت بطاقاتها مسوَّدة مسبقاً لصالح مرشح النظام، تدخل أمام أعين الجميع إلى لجان الاقتراع، بحماية البلطجية ورجال الأمن، ومن دون أن يستطيع أحد التدخّل. وقد كانت تلك الانتخابات واحدةً مِن محفّزات قيام ثورة يناير. أمّا نخنوخ[4]، فقد أكّد بنفسه مساندته نظام مبارك في إحدى اللقاءات التلفزيونية قائلاً: "نعم، ساعدت رموز النظام القديم ورجال الحزب الوطني، ولكنّي قمتُ بذلك بحبّ، ولن أكذب أو أنكر ذلك، لأنني كنت أقف مع الحقَ، ولا أزال"، بحسب تعبيره.

قصر نخنوخ

بعد تولّي جماعة الإخوان المسلمين الحكم عام 2012، وبدلاً من السعي إلى الإصلاح وتحقيق مطالب الثورة، وعلى رأسها تطهير جهاز الداخلية، سعت الجماعة إلى إحكام السيطرة على المناصب العامة وتصفية خصومها، ومن ضمنهم نخنوخ. وعلى الرغم من الصفقات السياسية، التي كانت تعقدها الجماعة بين الحين والآخر مع النظام خلال عصر مبارك، كانت المواجهات بينهما محتدمة، خاصة خلال الانتخابات البرلمانية. فحين كان يترشح أحد أعضاء الجماعة على مقاعد العمال[5] في مواجهة مرشّح الحزب الوطني، كان يصعب كسر شعبية الإخواني المدعوم من تيارات المعارضة، مقابل مرشّح الحزب الوطني المترهِل، خاصة حين تطارد الأخير شبهات الفساد. هنا يأتي دور البلطجية والترويع وحشد الأصوات، لحسم الأمر لصالح مرشح الحزب الوطني. وللأمانة فقد نجح النظام الحالي في اقتلاع مشاهد الصراع بالانتخابات البرلمانية من جذورها، فلم يعد هناك لا معارضة ولا منافسة.

في نهاية المحاكمات التي شهدت تبادل اتهامات بين محمد البلتاجي وصبري نخنوخ، حُكم على نخنوخ بالسجن المؤبد، إلا أن نخنوخ أكّد خلال محاكمته أن الأمر لم ينتهِ. وصرّح البلتاجي وقتها بأن نخنوخ يمرّر رسائل تهديد، لترويع الشهود ضدّه في القضية. ثم حدث ما لم يكن في الحسبان، فحصل صبري نخنوخ على عفو صحّي رئاسي عام 2018، أي بعد خمس سنوات فقط من حكمه بالمؤبّد، ليعود مرة أخرى إلى المشهد متحدياً الجميع. 

أما نخنوخ، فألقي القبض عليه من داخل قصره الفاخر بالإسكندرية، فظهرت خلال ذلك صور ولقطات للقصر ومحتوياته[6]، تكشف كيف كان يعيش الرجل حياة باذخة نتيجة تحالفه مع المال والسلطة لسنوات. قصر نخنوخ مكون من أربعة أدوار، يُستخدم الدور الثالث في أعمال الإتجار بالجنس، والثاني أقيم فيه ملهى ليلي خاص، بينما يسكن نخنوخ في الدور الأول، كما ضمّت حديقة قصره عدداً من الحيوانات، منها خمسة أسود ونمر وثعابين ونعامة وكلاب وخيول، وعثرت الأجهزة الأمنية أيضاً على مواد مخدرة وأسلحة ومبالغ مالية كبيرة.

وكانت تلك المرة الأولى التي تُتَداول فيها صور نخنوخ إعلامياً، فرأى الناس رجلاً خمسينياً، يحمل الصفات التقليدية للبلطجي ورجل العصابات، كما جسدتها السينما المصرية لعقود: جسدٌ ضخم ممتلئ، لا ينفعل إلا لتوصيل رسائل بعينها، وهو مع ذلك مقرّب من كثير من الدوائر، بسبب الحفلات الصاخبة المستمرة التي يقيمها. كما أن علاقته طيّبة مع رجاله ومرافقيه، بل أنه كثيراً ما سعى إلى دعم الفقراء والأيتام والأرامل، وكأنه يحاول بناء عالم يحيط به من المؤيّدين الخاضِعين.

وعلى الرغم من كلّ الاتهامات السابقة، فقد دافع عن نخنوخ عددٌ من المشاهير، من ضمنهم الفنان الشعبي سعد الصغيّر، الذي لا تخلو أعماله من الإسفاف، إذ صرّح في أحد اللقاءات الإعلامية[7] أنّ صبري نخنوخ "هو شيخ عرب منطقة الهرم"، وأنه ساعده كثيراً في بداية مشواره الفني، بعد أن رفض كبار المغنيين في تلك المنطقة منحه فرصة للغناء، مؤكداً أن نخنوخ كان يدفع من جيبه الخاص لمساعدة الآخرين، واصفاً إيّاه بالرّجل المحبوب جداً من كلّ الناس.

خلال عام 2023، فوجئ المصريون بصبري نخنوخ يتولّى رئاسة شركة فالكون للحراسات الخاصة، وسط أنباء غير موثّقة عن شِرائه للشركة. وبين تأكيد الخبر ونفيه، تكررت صور نخنوخ على مواقع الشركة الرسمية، متفقّداً العمل فيها. وتُعدّ الشركة المقربة من السلطة إحدى أكبر شركات الحراسة الخاصة.

مع تولّي نخنوخ رئاسة الشركة، امتدّ نفوذه وتَضخّم، وتمّ تداول مقاطع فيديو وصور للبلطجي الشهير مع عدد من الشخصيات العامة في المناسبات المميزة، وصار مجلسه ملجأ لحلّ المشكلات والأزمات بين المشاهير وأصحاب النفوذ. 

في نهاية المحاكمات التي شهدت تبادل اتهامات بين محمد البلتاجي وصبري نخنوخ، حُكم على نخنوخ بالسجن المؤبد، إلا أن الرجل أكّد خلال محاكمته أن الأمر لم ينتهِ. وصرّح البلتاجي وقتها بأن نخنوخ يمرّر رسائل تهديد، لترويع الشهود ضدّه في القضية. لكنّ ما حدث بعد ذلك لم يكن من الممكن توقّعه، فقد حصل صبري نخنوخ على عفو صحّي رئاسي عام 2018، أي بعد خمس سنوات فقط من سجنه، ليعود مرة أخرى الى المشهد متحدياً الجميع. خلال سنوات سجن نخنوخ، وتحديداً في عام 2013، سُجن أفراد من جماعة الإخوان أيضاً، من بينهم محمد البلتاجي، خصم نخنوخ، وذلك عقب حركة 30 يونيو ضدّ الإخوان، التي أدّت إلى خلع رئيس الجماعة ونظامها. طلب نخنوخ حينها، وقد كان يتمتع بنفوذ كبير في محبسه بسجن العرب، من اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية، إحضار البلتاجي إليه لتأديبه، لكن وزير الداخلية رفض طلبه[8]، وهي حادثة موثقة في أكثر من مصدر يمكن الرجوع إليها.

عفو رئاسي

لكن لماذا أفرج نظام السيسي عن صبري نخنوخ، البلطجي واسع السطوة؟ الإجابة هي أن نظام السيسي خائف ومكروه، لا يتمتع بشعبية كافية، وهو أخطأ أكثر من مرة في حقّ شعب لا يُستهان بغضبه، كما قال عن المصريين الأديب المصري نجيب محفوظ، على لسان أحد أبطال روايته، "احذر غضبة الحرافيش". لذلك لجأ النظام إلى محاولة مشوهة لمسخ نظام مبارك الأطول عمراً، على الرغم من كلّ شيء، فاستعان برجل أعمال العصر المباركي الأشهر: أحمد عز، ورجال أمن النظام السابق وبلطجيته، كنخنوخ. وهناك حديث عن أن العفو الرئاسي يأتي في إطار صفقة ما مع البلطجي، لكن لا أحد يستطيع الوصول إلى تفاصيلها، فهل كان العفو مقابل التنازل عن جزء من ثروة نخنوخ الطائلة، أم كان المقابلُ وعداً بالتشبيك مع عالم البلطجة السري لإحكام السيطرة على ما تبقى من معارضة ضدّ النظام؟ لعله كان الاثنين معاً، فالنظام معروف بالصفقات وبيع كلّ ما يُباع.

ولكن لم يكن هذا كلّ شيء. فخلال عام 2023، فوجئ المصريون بصبري نخنوخ يتولّى رئاسة شركة فالكون للحراسات الخاصة، وسط أنباء غير موثّقة عن شِرائه للشركة. وبين تأكيد الخبر ونفيه، تكررت صور نخنوخ على مواقع الشركة الرسمية، متفقّداً العمل فيها[9]. وتُعدّ الشركة المقربة من السلطة إحدى أكبر شركات الحراسة الخاصة، وقد تأسست عام 2006، بواسطة واحد من أكبر البنوك المصرية، البنك التجاري الدولي، كشركة مساهِمة مصرية، وهي تضمّ حالياً مجموعةً من سبع شركات، وفقاً لموقعها الرسمي، هي: شركة لنقل الأموال، وشركة للأنظمة المالية والفنية، وشركة للخدمات العامة وإدارة المشروعات، وشركة للعلاقات العامة، وفالكون بي تِك، وفالكون جلوبال لخدمات تسليم البريد السريع وشحن البضائع، التي يمتدّ نشاطها ليشمل الخدمات اللوجستية، وإدارة سلاسل التوريد والتجارة الإلكترونية، وتسجيل خدمات الإدارة.

في النهاية، يمثّل نخنوخ حال ما وصلت إليه مصر بسبب نظام عابث، لا يعرف غير القروض والسمسرة والبيع والهدم، ولا يعي خطورة الاستقواء بالبلطجية وأصحاب الأطماع على مزيد من السلطة والسطوة.

برزت الشركة إعلامياً عام 2011، حين انهار الجهاز الأمني بعد قتل الثوار في الميدان، ما أدى إلى تولّي تلك الشركة واسعة النفوذ حراسة البنوك والمنشآت العامة. وبعد انقضاء عصر الإخوان، وعودة المؤسسة العسكرية لحكم البلاد خلف رئيسٍ مؤقت هو عدلي منصور، عادت القبضة الأمنية إلى الجامعات المصرية الحكومية، عن طريق شركة فالكون، وأعطيت لها صلاحيات واسعة لتأمين البوابات، وتفتيش الطلاب، وحتى أساتذة الجامعة، في إهانة صارخة، وكأن النظام يوصل رسالة إلى الشعب مفادها أن الثورة لا تُدفع فقط بالدماء مقابل الحرية، بل تدفع بالقهر مقابل لاشيء.

بعد تفريغ الحياة الجامعية بالكامل من الأنشطة السياسية، سيطرت فالكون على المشهد الجامعي. وبالطبع فإن تكلفة التأمين تلك كانت باهظة، حيث نُشرت تصريحات إعلامية عام 2015، نسبت لوزارة التعليم العالي سدادها لـ80 مليون جنيه للشركة، مقابل المعدّات والكاميرات التي تمّ تركيبها بـ11 جامعة، في حين تحملت الجامعات نفقات مرتّبات أفراد الأمن التابعين للشركة، وبلغت قيمتها أكثر من 12 مليون جنيه.

خلال العام نفسه، عوقب الدكتور عمرو أحمد عبد السميع، المدرِّس في قسم الحشرات بكلية العلوم بجامعة القاهرة، بخصم شهر من راتبه، لرفضه تفتيش حقيبته عند البوابة الرئاسية من قبل شركة فالكون. كان وقع الخبر مهيناً وصادماً، لكن حركة استقلال الجامعات، المكوّنة من أساتذة الجامعات، التي نشطت خلال عصر مبارك، كانت منهكة وتمّ القضاء عليها، فلمْ يتدخّل أحد إزاء ذلك الوضع.

بعدها برز اسم شركة فالكون مشارِكةً في تأمين عدد من المناسبات والمنشآت العامة، وحتى مباريات كرة القدم، والمطارات، وبالطبع، الانتخابات الرئاسية. مع تولّي نخنوخ رئاسة الشركة، امتدّ نفوذه وتضخّم، وتمّ تداول مقاطع فيديو وصور للبلطجي الشهير مع العديد من الشخصيات العامة في المناسبات المميزة، وصار مجلسه ملجأ لحلّ المشكلات والأزمات بين المشاهير وأصحاب النفوذ. فبعد الحادثة المثيرة للجدل التي صفع فيها المغنّي الشهير عمرو دياب أحد معجبيه أثناء إحدى حفلاته الغنائية، وبعد أن تقدم المعجب ببلاغ ضد المغني، صرّح المغني الشعبي سعد الصغيّر[10] أنّ "المعلم نخنوخ يستطيع حلّ الأمر في خمس دقائق فقط".

في النهاية، حال نخنوخ تمثل حال ما وصلت إليه مصر، بسبب نظام عابث لا يعرف غير القروض والسمسرة والبيع والهدم، ولا يعي خطورة الاستقواء بالبلطجية وأصحاب الأطماع على مزيد من السلطة والسطوة. نظام لم يتعلّم من درس مبارك، الذي حكم بشرعية ثورة يوليو ونصر أكتوبر، ولم يتّعظ من درس حُكم جماعة الإخوان، الذين لولا غضب الشارع من انشغالهم عن تحقيق مطالب الثورة، لكانوا - ربما - استمروا بحكمهم وأفشلوا حركة 30 يوليو، على الرغم من التأييد الكبير لها من المؤسسة العسكرية وأذرعها، ومن فلول النظام السابق كذلك.

لعلّ قول الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، الذي يعدّ واحداً من آباء شباب ثورة يناير، خير تعبير عن الحال، إذ يقول في قصيدته "ضحكة المساجين": "ومصر عارفة وشايفة وبتصبر، لكنّها في خطفة زمن تعبر، وتستردّ الإسم والعناوين".

______________________

  1. صبري نخنوخ يتقدم بطلب رسمي إلى جهات التحقيق لرد اعتباره عن فترة عقوبته في السجن، موقع القاهرة 24، 2025.

    https://www.cairo24.com/2340884

  2. أول تعليق من صبري نخنوخ بشأن تقدمه بطلب رسمي لرد اعتباره عن فترة حبسه، موقع القاهرة 24، 2025.

    https://www.cairo24.com/2341388

  3. مرتضي منصور يتحدّث عن صبري نخنوخ في مقابلة مع وائل الأبراشي.

    https://url-shortener.me/A4L5

  4. بالفيديو.. نخنوخ لـ"ريهام سعيد": "ساعدت مسؤولي النظام القديم بحبّ"، موقع اليوم السابع، 2012.

    https://url-shortener.me/A4M0

  5. خلال فترة حكم مبارك، كانت مقاعد البرلمان المصري تقسم بنسبة 50% للفلاحين والعمال و50% للفئات، وكانت جماعة الإخوان المسلمين تترشح في الغالب على مقاعد العمال والفلاحين.

  6. القبض على "صبري نخنوخ" أخطر بلطجية مصر، موقع قناة العربية، 2012.

    https://url-shortener.me/A4GK

  7. سعد الصغير لـ ريهام سعيد: نخنوخ ساعدنى في بدايتي وهو شيخ عرب الهرم، موقع اليوم السابع، 2012.

    https://shorturl.at/IEf8X

  8. وزير الداخلية: نخنوخ طلب مني إرسال البلتاجي له في سجن برج العرب، موقع مصراوي، 2013.

    https://url-shortener.me/A4JQ

  9. نخنوخ يتفقد أعمال شركة فالكون بفرع الإسكندرية.

    https://url-shortener.me/A4BK

  10. تسجيل صوتي للمغني الشعبي سعد الصغير مع موقع "تلجراف" الاخباري.

    https://url-shortener.me/A4EB

مقالات من مصر

السيدة التي استنطقت الجينات

كانت سامية التمتامي أول سيدة عربية تتخصص فى الجينات البشرية وقراءة الكروموسومات، فتفك شفراتها، وتنتقل بعدها من مرحلة التشخيص إلى إرساء مراحل الوقاية والعلاج في المنطقة العربية. وكان قرار العودة...

مصر… دور الوسيط في مواجهة السليط

منى سليم 2026-01-15

هل المصلحة المصرية يحكمها فقط الاحتياج الاقتصادي؟ وهل ما يؤرق الاقتصاد المصري والأمن القومي المصري هو النقص الحاد في الطاقة فقط؟ بالتأكيد لا! لكن ملفات أخرى لا تقل فداحةً، من...