أبرار وادي | موقع "جُمّار"
03 شباط 2026
بعد أسابيع قليلة من ولادة طفلي، تلقيت إشعاراً من الشركة التي أعمل فيها، يطلب بيان ولادة لاستكمال معاملات إجازة الأمومة، وبسبب انشغال زوجي الذي يعمل ستة أيام في الأسبوع، قررت الذهاب بنفسي إلى المستشفى لاستخراج البيان.
ما إن وصلت إلى مكتب السجلات وقدّمت طلبي حتى واجهني الموظف برفضٍ صريح، بحجة أن التعليمات تمنع إعطاء البيان للأم.
استغرق الأمر ثواني فقط لأستوعب ما سمعت، حاولت مراراً شرح أنّني أم الطفل، وأنني أنا المعنية بالحصول على البيان لاستكمال معاملات إجازة الأمومة، لا والده، وأن زوجي لا يستطيع الحضور، لكن محاولاتي ذهبت هباءً.
سألت إن كانت هذه تعليمات مكتوبة أو إن كان هناك قانون يحرم الأم من حقها، فجاء الجواب ببرود: “تعليمات شفهية وُضعت مؤخراً من قبل إدارة المستشفى منعت فيها تسليم بيان الولادة للأم”.
بعد جدال طويل، تأفف الموظف وردّ من دون النظر في وجهي: “إذا الأب مشغول خلي يجي الجد أو العم ويستلمه”.
الجد أو العم! كيف يمكن أن يُعطى هذان حقاً على ابني أكثر مني أنا أمّه التي حملته وولدته؟

كانت تلك الأيام ثقيلة؛ أنا الأمّ الوالدة أتنقّل بين ندوب الجسد ودوامة اكتئاب ما بعد الولادة، وأتابع أخبار البنود المقترَحة لقانون الأحوال الشخصيّة، كأن السلطة كانت ترسم حدود أمومتي قبل أن أتلمّسها بنفسي.
لم أُمنح البيان في نهاية الأمر، وخرجت من المستشفى واتصلت بالمحامي محمد جمعة لأستفسر منه عن قانونية ما حدث، فقال بأن هذا المنع والتراتبية التي ذكرها الموظف لم يستندا إلى أي نص قانوني، بل هما ممارستان تستمدان قوتهما من مناخ تشريعي يشرعن الولاية الأبوية.
المادة 27 من قانون رعاية القاصرين رقم 78 لسنة 1980 تنصّ على أن وليّ الصغير هو الأب ثم المحكمة، وتنسحب هذه المادة على الكثير من الممارسات القانونية -المجتمعية لاحقاً- وإن لم تكن قانونية في أصلها.
العراقيون غير متساوين، والقضاء يفقد سلطته
18-09-2025
بذلك تقصي هذه المادة الأم مرتين: مرة أمام الأب، ومرة أمام الدولة. ولا تكتفي بتقديم الأب بوصفه الولي الطبيعي، بل تجعل من المؤسسة القضائية ممثِّلة لسلطة الدولة ولها الحق في تقرير من تنتقل إليه الولاية في حال غياب الأب، دون أن تنتقل إلى الأم تلقائياً، معيدةً إنتاج الولاية في شكلها الأبوي وإن كان بوجهٍ مؤسسي.
الولاية الجبرية المسندة إلى الأب بموجب القانون تمنحه الحق في إصدار جميع المعاملات الرسمية المتعلقة بالأبناء والموافقة على إصدارها، والتحكّم في قرار سفر القاصر وتسجيله في المدرسة، وعلى عكس الحضانة، تعتبر الولاية حقاً دائماً، حيث إن تقريرها لا يتأثر باستمرار أو انهيار العلاقة الزوجية بين الوالدين، وتمتد حدود هذه الولاية لتشمل حتى الأجنّة في بطون أمهاتهم.
هذا الامتياز القانوني للأب ليس مجرّد نصّ جامد، بل يتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية وينعكس في كل معاملة رسمية.
يقوم النظام على مبدأ الولاية الذي يُسنِد صفة ربّ الأسرة القانونية إلى الرجل تلقائياً، فيُمنح وحده سلطة تمثيل العائلة أمام الدوائر الحكومية، ولعل تجربتي الشخصية أوضح دليل، أعيش أنا مع زوجي في مدينتي، لكنني محرومة من أي وثيقة تثبت وجود أسرتي هنا.
عندما تقدّمت بأوراقي الثبوتية كزوجة وأم لاستخراج بطاقة السكن، التي يفترض أن تُثبت محل إقامة الشخص وأسرته؛ قوبل طلبي بالرفض، والسبب أن القانون يسمح بإصدارها لرب الأسرة فقط، أي الرجل، لا المرأة.
زوجي بدوره مُنع من استخراج البطاقة لأن محل تولده في مدينة أخرى، وبذلك حُرمنا كعائلة من حقّنا في الحصول على وثيقة أساسية.
تصف زينة أنور وزيبا مير حسيني، وهما من الأعضاء المؤسِّسين لشبكة “مساواة” العالمية، في مقالتهما “فك شيفرة الحمض النووي للأبوية في قوانين الأسرة المسلمة”، الولاية بوصفها جزءاً من “الحمض النووي للبطريركية” في قوانين الأسرة الإسلامية.
نساء العراق يقاومن العسف في بلدٍ منكوب
08-01-2022
استعارَتا هذا التعبير من كارول غيليغان التي حدّدت “الثنائية الجندرية والتسلسل الهرمي” بوصفهما المكون الجوهري للأبوية. وتوضح أنور ومير حسيني كيف تعمل الولاية على إعادة إنتاج الهيمنة الذكورية داخل العلاقات الزوجية والبنى الجندرية، وتبيّنان دورها في تبرير ممارسات متعدّدة مثل تعدد الزوجات، والتوزيع غير العادل للميراث، وصولاً إلى إقصاء النساء عن المناصب الأسرية التي تتطلب سلطة قانونية، كحق الولاية على الأطفال.
على الرغم من التغييرات المتعدّدة التي طالت القوانين العراقية خلال العقود الماضية، بقي قانون رعاية القاصرين بمنأى عن أي تعديل جوهري، ولا سيما المادة 27 الخاصة بالولاية الجبرية.

يعزى هذا الثبات إلى أنّ الولاية تُعدّ من المبادئ المستندة إلى الشريعة الإسلامية، التي تُعتبر مصدراً أساسياً للتشريع في مسائل الأحوال الشخصية وقضايا الأسرة.
وبموازاة هذا الجمود، شهد قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 محاولات متكرّرة للتعديل، خصوصاً في المادة 57 المتعلقة بالحضانة، فبرغم أنّ فترة حضانة الأم تمتد قانونياً حتى بلوغ الطفل الـ15 من عمره، مع مراعاة مصلحة المحضون التي يحددها القاضي، فإن الأم لا تتمتّع خلال مدة الحضانة بالولاية القانونية.
رغم هذا، تكثّفت بعد عام 2003 مساعي تقليص مدة الحضانة هذه، بوصف الولاية القانونية حكراً على الرجال/الآباء، ولجأ بعضهم إلى توظيفها كأداة عقاب ضدّ الأمهات الحاضنات، وذلك مثلاً بمنع استصدار المستمسكات الرسمية لأطفالهنّ ومنعهم من السفر.
وعلى النقيض من هذا الواقع، قدّم القانون التونسي مساراً مغايراً، إذ وسّع صلاحيات الأم الحاضنة ومنحها سلطة الولاية في ما يتعلّق بسفر المحضون ودراسته والتصرّف في حساباته المالية، ما يبرهن على إمكانية إعادة توزيع السلطة الأبوية داخل التشريعات الأسرية.
العنف ضد النساء في العراق، ما هو المختلف؟
08-09-2020
هذا التوازي بين ثبات المادة 27 ومحاولات تعديل المادة 57 في العراق يكشف عن آلية قانونية تعيد إنتاج الأدوار الجندرية التقليدية، فالقانون يستند إلى مبدأ تكامل الأدوار في العلاقة الأسرية؛ إذ يسند إلى الأم مهمّة الحضانة بما تتضمنه من رعاية يومية، بينما يُبقي للأب حق الولاية القانونية التي تخوّله تمثيل الطفل أمام الجهات الرسمية وإدارة شؤونه المدنية.
القانون الجعفري وصناعة الآخر
في إطار مشروعها لإعادة تشكيل موقع المرأة في المجتمع، انتقلت السلطة العراقية من تضييق فضاءات وجودها في المجال العام إلى اقتحام دوائرها الأشد حميميّة.
جاءت المدونة الجعفرية، التي أقرّها البرلمان العراقي في أواخر آب الماضي، لتؤكّد هذا المسار من خلال منظومة تشريعية تعيد صياغة بنية العائلة.
إذ في الوقت الذي قيّدت فيه المدونة حقوق الأم تجاه أطفالها وسّعت في المقابل امتيازات الرجل/الأب. لقد كرّست الولاية في مواضع عدّة، ونصّت في المادة 83 على أن حضانة الأم تنتهي ببلوغ الطفل سن السابعة، وتسقط عنها الحضانة تلقائياً عند زواجها، وبذلك ألغت مبدأ مصلحة الطفل المحضون المعمول به في القانون 188، وقلّصت في الوقت ذاته دور القاضي.
كما عارضت مبدأ تكامل الأدوار الأسرية الذي يستند إلى الفقه الديني، إذ صدّرت فكرة أن وظيفة المرأة مع الطفل تقتصر على مرحلة الرضاعة وسنوات الطفولة المبكرة، قبل أن ينتقل إلى عالم الرجال تحت ولاية الأب.
هكذا تتحوّل الأمومة إلى وضع هشّ ومؤقّت، يزول بانتهاء الحاجة الجسدية إلى الأم.
تحلل زينة أنور وزيبا مير حسيني مفهوم الولاية بوصفه امتداداً لفكرة القوامة؛ إذ يشكّل كلاهما نظاماً مزدوجاً يضع سلطة الرجل في مواجهة وجود المرأة، فيرسّخ نموذجاً أبوياً للأسرة يقوم على إنفاق الرجل مقابل طاعة المرأة.
ومن هذا التصور تتفرّع سلطات أخرى تمنح الزوج قدرة شبه مطلقة على فسخ عقد الزواج، وهي سلطة تبنّتها المدونة صراحةً حين ألغت آلية التفريق القضائي للمرأة “الناشز”، وعدّ النائب رائد المالكي، عرّاب التعديل، ذلك “جزاءً يردعها حتى تعود إلى الطاعة”، والمعني بها طاعة الزوج.
ولا تقف هذه البنية عند حدود العلاقة الزوجية، بل تمتد إلى سلطة الأب في تزويج الأبناء القاصرين/ات، لتجعل من الولاية شبكة متداخلة من الامتيازات الذكورية، التي تعيد تشكيل العائلة كمؤسسة ضبط قانوني لا كمجال للرعاية المتبادلة.
يشيع في الوعي الاجتماعي اعتقاد راسخ بضرورة حضور الأم بوصفها شرطاً طبيعياً لرعاية الطفل، لكن غياب الأب يطيح فجأةً بهذه المسلّمات؛ إذ تصبح ولاية الأم على أبنائها غير مُتصوَّرة ما لم تُعاد إلى مركز الأب حتى وهو غائب.
إن الأب، حتى في غيابه، يُستدعى كمرجعية مطلقة، فيما تُحاصر الأم داخل وظيفة إنجابية عابرة لا تكتسب مشروعيتها إلا عبره.
تُظهر هذه المخيّلة الرجل بوصفه الكيان المؤسِّس للأسرة والضامن لاستمرارها، بينما تُربَط هوية المرأة بواجب رِعائيٍّ مشروط بالرجل نفسه، لا بالطفل أو بالمجتمع.
يأتي النص القانوني ليترجم هذا الوعي في بنية صارمة: فالولاية، بخلاف الحضانة، حقٌّ ثابت للأب لا يُسقطه زواج لاحق أو انفصال عن الأسرة، بينما تُمنح الأم حضانة مؤقّتة تسقط حكماً ببلوغ الطفل السابعة أو بمجرد زواجها.
هذه المفارقة تجعل الولاية أداة أبوية خالصة، تثبّت سلطة الرجل كأصل لا يُمسّ، وتحوّل حضانة الأم إلى امتياز مؤقّت يمكن سحبه إذا تغيّرت حالتها الاجتماعية.
ويتجلى ما يحدث بما وصفته سيمون دي بوفوار بمفهوم “الآخر”؛ فالمرأة لا تُعرَّف بذاتها بل من خلال علاقة غير متكافئة بالرجل، الرجل يُفترض فيه أن يكون ذاتاً مكتفية، صاحب سلطة طبيعية تُمنح بلا قيد، بينما تُختزل المرأة إلى “آخر” لا تُعرّف حقوقه إلا بقدر ما يتيحها الأب.
والحال هذه، لا تكتفي المدونة بإقصاء الأم من ممارسة أمومتها، بل تُحوِّل وجودها إلى مجرد وسيط لإعادة إنتاج النَسَب الأبوي، حيث تصبح الأسرة مرهونة بوجود الرجل وحده، ويعاد تعريف الأمومة كآلية إنجاب تخدم مشروع الأب لا كعلاقة قائمة بذاتها.
في النهاية، التفتُّ إلى ابني، وإلى نفسي، وإلى ذلك المعنى الهشّ للأمومة وحدودها. تتردّد في ذهني عبارة قالتها إحدى قريباتي يوماً حين كاد طفلي يسقط: “ابن الناس لا يتأذى”. كم ملأتني هذه الجملة بالغضب والأسئلة؛ كيف تطبّعت النساء معها بهذا المنطق؟
وأستحضر النصيحة التي لا تكفّ عن التردّد في آذان الشابات القلقات من تبعات المدوّنة: “اختيار الرجل الجيد”.

كيف يُقدَّم هذا القول الساذج وكأنه الضمان الوحيد لاستمرار الأمومة وحمايتها؟ أيعقل أن يكون اختيار الرجل هو الضمان الأوحد في مجتمع يتغافل عن بناء قانون يحمي النساء والأطفال؟ أليس في هذا القبول إقرار ضمني بالتطبيع مع غياب الضمانات القانونية، وسلب ما كان موجوداً منها، والبحث عن أمان شخصي يعوّض غياب الحق العام؟
تتوالى في مخيّلتي وجوه الأمهات اللواتي يُنتزع أطفالهن من أحضانهن، فيما أتأمل البند الكاريكاتيري المضاف إلى مسوّدة قانون الأحوال الشخصية حول أجرة الحضانة، ذلك المبلغ الذي يُلزم الرجل بالدفع للمرأة مقابل إرضاع طفلها.
كيف يمكن لمادة كهذه أن تكون الشاهد الأوضح على مدونة تحوّل الأمهات إلى حاضنات ومرضعات فحسب، وكأن هذا هو كل ما كان ينقصنا نحن الأمهات.
- تندرج هذه المادة ضمن ملف عن المدونة الجعفرية ننشره بعد عام على إقرارها، لفحص الأثر الذي تركته على النساء وحقوقهن في المجتمع، والإرباك الذي أحدثته في القانون والشريعة، وقد نشر من الملف حتى الآن:



