"المحْراس" في مزارع اليمن: الخصائص والوظائف الاجتماعية

تبلغ المساحة الصالحة للزراعة 1.452 مليون هكتار، من إجمالي المساحة الكلية للبلاد البالغة حوالي 1.609 مليون هكتار. وانعكاساً للأهمية التي تحظى بها الزراعة في اليمن، فقد أحيطت بمنظومة من الإجراءات والتوافقات والممارسات العملية الخاصة بها. من مثل تلك التدابير المتعلقة بحماية المحاصيل الزراعية، وما تستدعيه من إعدادِ مكانٍ خاص بمن يقوم بها.
2026-02-05

عبده منصور المحمودي

استاذ جامعي وشاعر وناقد، اليمن


شارك
عائلة يمنية قرب محراس قيد البناء. حكيم العاقل - اليمن

تمثّل الزراعة بعداً أساسياً في حياة اليمنيين بوصفها أهم قطاعٍ إنتاجيّ اقتصادي، يُسهم بما يقارب 17.6 في المئة من إجمالي الإنتاج المحليّ. ويرتبط بها حوالي 74 في المئة من السكان، ويشتغل فيها حوالي 54 في المئة من القوى العاملة[1]، وتوفّر جزءاً كبيراً من الحاجة الغذائية. وإلى ذلك، فطبيعة اليمن زراعية، إذ تبلغ المساحة الصالحة للزراعة 1.452 مليون هكتار، من إجمالي المساحة الكلية للبلاد البالغة حوالي 1.609 مليون هكتار[2]. يأتي الإنتاج النباتي في صدارة الاستحواذ على هذه المساحة، إذ تحتل زراعة محاصيل الحبوب المرتبة الأولى، بنسبة تصل إلى 57.1 في المئة، تليها مساحة زراعة الأعلاف والقات بنسبة 10.6 في المئة، ثم زراعة الخضروات بنسبة 5.8 في المئة، وزراعة المحاصيل النقدية (التي تُزرع بهدف بيع غلتها في الأسواق وتحقيق الربح، ومن أهمها: الحبوب والبذور الزيتية والقهوة والقطن والكاكاو وقصب السكر)، بنسبة 5.7 في المئة، وانتهاءً بمساحة زراعة البقوليات، بنسبة 3.2 في المئة[3].

وانعكاساً لهذه الأهمية التي تحظى بها الزراعة في اليمن، فقد حظيت بمنظومة من الإجراءات والتوافقات والممارسات العملية الخاصة بها. من مثل تلك التدابير المتعلقة بحماية المحاصيل الزراعية، وما تستدعيه من إعدادِ مكانٍ خاص بمن يقوم بها. تختلف أسماء هذا المكان في المحكية اليمنية من منطقة إلى أخرى، لعل من أهمها: "المِحْراس"، الذي يعني "غرفة صغيرة متواضعة البناء مخصصة للحراسة"[4]، ومثله كُلٌّ من: "المِسْهار"، و"المِشْراح"[5]، اللذين يحيلان على المكان نفسه.

بين "العُشّة" وغرفة الحراسة

غالباً ما تنقسم أمكنة الحراسة ــ وفقاً لنوعية مواد بنائها ــ على نوعين: يتمثّل الأول منهما في ما يُعرَف في المحكية بـ"العُشّة"، التي يقوم بناؤها على استخدام مواد القش وأغصان الشجر، والقماش المهترئ. وعادةً ما تتموضع "عُشّة" الحراسة في طرف من أطراف المزرعة، كما يمكن أن يتم إنشاؤها بين أغصان شجرة معمرة محاذية للمزرعة، إن كانت من المزارع التي تحيط بها أشجار معمرة، من مثل شجرة السدر، التي تكاد أن تكون سمة عامة في محيط كل مزرعة يمنية.

ولعل من أهم عوامل اختيار بناء "عُشّش" الحراسة ــ بين أغصان الأشجار المعمرة ــ ذاك التأويل الأنثروبولوجي، الذي يعود بهذا الإجراء إلى أقدم الفترات التاريخية، التي كان فيها الخوف من الحيوانات الليلية المفترسة سائداً، وكان اعتلاء الأشجار سبيلاً للنجاة منها. وبمعية هذا العامل يأتي سببٌ موضوعي آخر، متمثّلٌ في ما يوفره ارتفاع مكان الحراسة، من إمكانية رؤية المزرعة من كل أطرافها.

وفي العصر الراهن، لم يعد الخوف من الحيوانات المفترسة عاملاً محوريّاً في اختيار مكان الحراسة المرتفع، بعد أن صار محيط كثير من الحقول والمزارع مأهولاً بالحياة طيلة الليل. وعلى ذلك فلا يزال هدف الحراسة الشاملة للمزرعة ومحاصيلها عاملاً مهمّاً في تحديد المكان المناسب لتحقيقه.

أمّا النوع الآخر من أبنية حراسة المزارع في اليمن، فيتمثّل في تلك الغُرف، التي يتم استخدام الأحجار والخشب والتراب في بنائها. ومن خصائص هذا النوع أنه متعدد بتعدد واختلاف عدد من العوامل الفاعلة في ذلك، إذ ستجد من المزارعين من يكتفي ببناء غرفة صغيرة لحراسة مزرعته، بينما يضيف بعضهم إليها غرفة علوية، ويزيد آخر على ذلك بإضافة غرفة ثالثة، فيظهر مكان الحراسة على هيئة برج من أبراج المراقبة العالية.

غالباً ما تنقسم أمكنة الحراسة ــ وفقاً لنوعية مواد بنائها ــ على نوعين: يتمثّل الأول منهما في ما يُعرَف في المحكية بـ"العُشّة"، التي يقوم بناؤها على استخدام مواد القش وأغصان الشجر، والقماش المهترئ. وعادةً ما تتموضع "عُشّة" الحراسة في طرف من أطراف المزرعة، كما يمكن أن يتم إنشاؤها بين أغصان شجرة معمرة محاذية للمزرعة.

بعد أن استحوذت زراعة شجرة القات على مساحة شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة في اليمن (بلغت المساحة المزروعة بهذه الشجرة في عام 2019 حوالي 167 ألف هكتار، بما يمثل 15في المئة من إجمالي المساحة المحصولية) ، حدثت طفرة في مهمة الحراسة، إذ تمحورت مركزية الغاية منها في حماية أغصان شجرة القات ــ حينما تكون جاهزة للتناول ــ من اللصوص، الذين يتسللون إلى مزارعها في أوقات متأخرة من الليل.

وفي سياق هذا التنوّع، يُفضِّل بعض المزارعين أن يكون محراس مزرعته غرفةً واسعة إلى حدّ ما. بينما يضيف مزارعٌ آخر إلى هذه الغرفة غرفة مقاربة لسعتها تلتصق بها، وتختلف وظيفتها باختلاف الغاية من بنائها، كأن تكون مخزناً لأدوات العمل في المزرعة، أو يرغب أحدهم بأن يجعل منها مكاناً لبقرة الأسرة، التي عادة ما تأتي بها ربة البيت صباحاً، وتوثق رباطها في هذا المكان المخصّص لها، وتطعمها مما تعمل عليه من زرع الحقول وحشائشها، ثم تعود بها إلى دارها بعد عصرية اليوم نفسه. وعلى ذلك، فقد تراجعت هذه الوظيفة المتعلقة بالماشية، انعكاساً للانحسار الملموس في تربية الثروة الحيوانية في كثير من المناطق والقرى اليمنية.

ولا يقف هذا التنوّع عند هذه التفاصيل، إذ إن منه ما يقترب في هيئته وطريقة بنائه من غرف المنازل السكنية، من حيث السعة والعلو والتشطيبات والفراش. بما في ذلك ما يُضاف إليه من غُرفة علوية صغيرة، تشترك مع "عشة" القش في تحقيق التمكين من شمول المزرعة كلها بعملية الحراسة.

ثقافة "الحراسَة"

مع مرور الزمن، تبلورت ثقافة الحراسة نسقاً من أنساق الثقافة الشعبية في اليمن، إذ بدأت هذه الثقافة من الحاجة إلى المحافظة على الزرع والمحاصيل الزراعية، من عبث القرود والمواشي في النهار، وحمايتها ليلاً من حيوانات أخرى، تتغذى على ثمار المحاصيل الزراعية. وبمعية ذلك، كانت الحاجة إلى حماية المحاصيل من السرقة ليلاً أو نهاراً، لا سيما في فترات تاريخية سادت فيها المجاعة، واستشرى الفقر، واقتصرت وفرة المحاصيل على من لديهم إمكانيات العناية بمزارعهم.

وبعد أن استحوذت زراعة شجرة القات على مساحة شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة في اليمن (بلغت المساحة المزروعة بهذه الشجرة في عام 2019 حوالي 167 ألف هكتار، بما يمثل 15في المئة من إجمالي المساحة المحصولية)[6]، حدثت طفرة تطورية في مهمة الحراسة، ليس في طريقة بناء الغرف الخاصة بها فحسب، بل في طبيعة هذه المهمة وإجراءاتها، إذ تمحورت مركزية الغاية منها في حماية أغصان شجرة القات ــ حينما تكون جاهزة للتناول ــ من اللصوص، الذين يتسللون إلى مزارعها في أوقات متأخرة من الليل. وهو ما أضفى تحويراً على مهمة الحراسة، فصارت مقصورة على الليل، بعد أن انتقل عملُ الحُرّاس إليه، وصار النهار فترة نومهم التي تمتد إلى ما بعد العصر، وقد تصل عند بعضهم إلى المساء. كما أسفر هذا التحوّل عن استقلال ليل هذه المهمة عن نهارها، إذ يتولى حماية المحاصيل في فترة النهار شخص آخر غير حارس الليل. كما استقلت مهمة المساء باسم "الحراسة"، ومهمة النهار باسم "الشِّراحة".

الحراسة هي الوظيفة الرئيسة لغرف المزارع في اليمن. وعلى ذلك، فإنها غير مقصورة على هذه الوظيفة، إذ ترتبط بها وظائف متعددة، منها ما يتعلق بمن يعمل في المزرعة، إذ تمثّل هذه الغُرف مكاناً يستريح فيه المُزارع ومن يستعين به للعمل في مزرعته، كما يحتمي بها هؤلاء من سياط البرد الشتوية، وعواصف الأمطار الصيفية.

تؤدي غرف حراسة المزارع وظائف لا علاقة لها بالمزارعين، إذ يأوي إلى بعضها العمّال القادمون من مناطق بعيدة، ومثلهم الغرباء وعابرو السبيل. وفي هذه الحال يزودهم صاحب المزرعة من بيته بوجبة العشاء، أمّا وجبتا الإفطار والغداء، فيحصلون عليهما في أماكن أعمالهم. ويخفّف تواجدهم في هذا المكان من خطر مجازفة اللصوص في الإقدام على سرقة محاصيل المزارع، التي يقضي هؤلاء الليل في غرف حراستها. 

وعلى ما تؤديه وسائل تسييج المزارع، سواء بأكوام شوك السدر أو غيرها، من دور في حماية محصول شجرة القات في الليل، إلّا أنها لا تكفي للحيلولة دون وصول السارق إلى غايته. لذلك لا بد من تواجد الحارس في محراس المزرعة، ليكفّ اللص عن التفكير في اقتحامها. ومن المواقف الطريفة المتصلة بهذا السياق، أن مِن الحُرّاس مَن يحرص على أن يُبقي غرفة الحراسة مضاءةً طيلة الليل حتى الصباح، ليظفر بغفوة طويلة أو قصيرة، في المكان نفسه أو في غيره، إذ يمسي الضوء علامة على تواجده الحائل دون تفكير أحد في سرقة محصول مزرعته.

ويغلب على مهمة الحراسة في حال مزارعي القات البسطاء، أن يكون القائم بها هو صاحب المزرعة نفسه، أو أحد أفراد أسرته. أما الميسورون، ومن يمتلكون عدداً كبيراً من الأراضي الزراعية، فإن لديهم ما يكفي من الوفرة المالية لتكليف من يقوم بهذه المهمة، ضمن ما يقوم به من عناية بمزارعهم مقابل أجر مُتّفقٌ عليه.

وظائف غرف المزارع

تعدّ الحراسة الوظيفة الرئيسة لغرف المزارع في اليمن. وعلى ذلك، فإنها غير مقصورة على هذه الوظيفة، إذ ترتبط بها وظائف متعددة، منها ما يتعلق بمن يعمل في المزرعة، إذ تمثّل هذه الغُرف مكاناً يستريح فيه المُزارع ومن يستعين به للعمل في مزرعته، كما يحتمي بها هؤلاء من سياط البرد الشتوية، وعواصف الأمطار الصيفية.

وفي الأيام التي لا تستدعي المزرعة وجود عمّال فيها، تتردد عليها زوجة صاحب المزرعة، فتجد في غرفة الحراسة مكاناً للاستراحة من عملها الزراعي الخاص بها، المتمثّل في جزّ الحشائش وإطعام المواشي منها. وهنا لا بد من أن تكون غرفة الحراسة ذات مواصفات متسقة مع هذه الحال، من حيث سعتها وجاهزيتها للاستراحة فيها، والتصاق غرفة أخرى ملحقة بها خاصة بالماشية، إن كانت الأسرة ممن يعتني بالثروة الحيوانية.

كما أن من وظائف غرف المزارع في اليمن، ما يتصل منها بأحوال خاصة بالمزارعين وأبنائهم، من ذلك حال مُزارعٍ لا يزال مقيماً في منزل صغير، لم يتمكّن بعد من بناء منزل يتسع لأسرته بعد نموها وضيق الدار بها، إذ يضطر بعضهم إلى أن يتخذ له من المحراس مكان إقامة، قاصراً تواجده في البيت على أوقات محددة. ومنهم من يعتاد المكان، فيعمل على إعادة تأهيله وبنائه، بما يتناسب مع متطلبات الإقامة فيه، فينتقل بأسرته إليه، بعد أن يستوي منزلاً متكاملاً، بغُرفه وملحقاته المتسقة مع وظيفته الجديدة، التي تشمل وظيفته الرئيسة المتمثلة في حراسة المزرعة ومحاصيلها.

تُمثِّل غرف المزارع خيارَ إقامةٍ متاح للنازحين من المناطق الملتهبة، في ظروف الحرب والاقتتال. ذلك هو ما اضطلعت به كثير من غرف المزارع في أزمة حرب 1994، وما تلاها من حروب متفرقة، وصولاً إلى الحرب الشاملة، التي اندلعت في الخامس والعشرين من آذار/ مارس 2015.

وفي السياق نفسه، تأتي وظيفة هذا المكان، في حال طالب أو شاب، لا سعة في منزلهم لإقامته فيه، فيتخذ من المحراس مكان إقامة شبه دائم، ولا يتردد على البيت إلّا لحاجة أو ظرف يستلزم تواجده فيه.

كما يمكن أن تصبح غرفة مزرعةٍ ما مكانَ اجتماعٍ واستذكار لعدد من طلاب الثانوية العامة، سواء أكان هؤلاء ممن لا سعة في منازلهم، أو كانوا ممن يستمتعون بجلسات الاستذكار الجماعية.

وإلى ذلك، فإن غرف حراسة المزارع تؤدي وظائف لا علاقة لها بالمزارعين، إذ يأوي إلى بعضها العمّال القادمون من مناطق بعيدة، ومثلهم الغرباء وعابرو السبيل. وفي هذه الحال يزودهم صاحب المزرعة من بيته بوجبة العشاء، أمّا وجبتا الإفطار والغداء، فيحصلون عليهما في أماكن أعمالهم. ويخفّف تواجدهم في هذا المكان من خطر مجازفة اللصوص في الإقدام على سرقة محاصيل المزارع، التي يقضي هؤلاء الليل في غرف حراستها.

وفي السياق نفسه، يأتي الدور الاجتماعي لهذه الأماكن ــ لا سيما تلك المجهزة بملحقات تقترب من أن تكون بمواصفات منزل مناسب للحد الأدنى من متطلبات الإقامة فيه ــ إذ تمثِّل غرف المزارع خيارَ إقامةٍ متاح للنازحين من المناطق الملتهبة، في ظروف الحرب والاقتتال. ذلك هو ما اضطلعت به كثير من غرف المزارع في أزمة حرب 1994، وما تلاها من حروب متفرقة، وصولاً إلى الحرب الشاملة، التي اندلعت في الخامس والعشرين من آذار/ مارس 2015.

______________________

  1. الجمهورية اليمنية، وزارة الزراعة والري "الزراعة قطاع واعد لاقتصاد متنوع في اليمن: الاستراتيجية الوطنية لقطاع الزراعة 2012 ــ 2016". آذار/ مارس 2012، ص13.
  2. الجمهورية اليمنية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، الجهاز المركزي للإحصاء، "كتاب الإحصاء السنوي"، 2019.
  3. الأمم المتحدة، منظمة الأغذية والزراعة، "تقييم تأثيرات التغيرات في المياه المتاحة على إنتاجية المحاصيل الزراعية: تقرير دراسة الحالة في اليمن"، 2019، ص17.
  4. عباس علي السوسوة، "دراسات في المحكية اليمنية". ط2، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 2007، ص117.
  5. نفسه، ص123.
  6. "كتاب الإحصاء السنوي 2019". المرجع السابق.

مقالات من اليمن

للكاتب/ة

ثنائية الشتاء والصيف في اليمن

إذا كانت الزراعة، المعتمِدة على مياه الأمطار في اليمن، عاملاً مهمّاً في ترسيخ فكرة التقسيم المناخي الثنائي المتداوَل في الثقافة الشعبية، فإن التغييرات المناخية قد خلخلت الثبات المتوارَث في مواعيد...