منذ مطلع الألفية الثالثة، بدأ يتشكّل داخل الاقتصاد التونسي قطاع جديد لا يقوم على الصناعات التقليدية ولا على الخدمات العمومية، بل يرتكز على ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد الأصوات": منظومة عابرة للحدود، تُحوِّل المهارات اللغوية والانفعالية للشباب، إلى مورد قابل للبيع، ضمن سلاسل قيمة عالمية. جاء هذا التحوّل في سياق اتّسم بارتفاع نسب البطالة، وتراجع دور الدولة في التشغيل، وتزايد انفتاح الاقتصاد على المستثمِرين الأجانب، ما جعل تونس خلال عقدين فقط وجهة مفضّلة للشركات الأوروبية، وخاصة الفرنسية، التي تبحث عن يد عاملة مؤهلة ومنخفضة الكلفة.
وتقوم مراكز النداء[1] على ثلاث مهام رئيسية: خدمات تجارية تشمل البيع وسبر الآراء، وخدمات ما بعد البيع لحلّ المشكلات التقنية ومتابعة الشكاوى، ثم خدمات المعلومات. فهي لا تبيع منتجاً مادّياً، بل تبيع الزمن والانتباه والصوت المدرَّب، وتقدّم شكلاً هندسياً من التواصل البشري، يعتمد على الانضباط النفسي والدقة في الأداء. وبفضل الإرث اللغوي الفرنكوفوني، والبنية التحتية الرقمية، وتوفّر آلاف الجامعيين الباحثين عن عمل، وجدت الشركات الأجنبية في تونس البيئة المثالية لنقل جزء من نشاطها إليها. فارتفع عدد العاملين من بضع مئات سنة 2000 إلى عشرات الآلاف اليوم. لكن هذا النمو يخفي اختلالات هيكلية لا يمكن تجاهلها.
فوراء صورة القطاع كـ "منقذ" للشباب، تكشف التجربة الميدانية عن واقع يقوم على وتيرة عمل مرتفعة، وتكرار مهام قصيرة، ومراقبة إلكترونية لَصيقة تجعل العامل تحت تقييم دائم. وهو نموذج يعيد إنتاج المنطق الصناعي القديم للتقسيم الدقيق للمهام، لكن في صيغة قائمة على الانفعالات والتمثيل الصوتي. فلم يعد المطلوب مجرد تنفيذ الخدمة، بل تقمّص شخصية المستهلك الأوروبي، والمحافظة على نبرة هادئة حتى في أصعب المكالمات. وهكذا يتحوّل العامل إلى وسيط غير مرئي بين الحرِّيف والشركة الأم، يتحمّل صدمات غضب المستهلِكين ويتحكم في مشاعره، بينما يتحوّل مجهوده العاطفي نفسه إلى جزء من السلعة المقدَّمة.
وتتعمّق هذه الضغوط بفعل هشاشة عقود العمل. فالعامل مهدَّد دائماً بإنهاء خدمته عند عدم تحقيق الأهداف، في ظل غياب تنظيم نقابي قادر على الدفاع عنه. وتَستخدم المؤسسات تقنيات التقييم اللحظي لإبقاء العمال في حال استعداد دائم، وتُبقي العقود قصيرة ومرنة بما يضمن قابليتهم للاستبدال. وإلى جانب الإرهاق الذهني والجسدي، يعاني كثيرون من الدوران السريع داخل القطاع، إذ يضطرون إلى الانتقال من مركز إلى آخر، من دون تمكنهم من بناء مسار مهني مستقر.
لا يقتصر الإشكال على ظروف العمل المباشِرة، بل يشمل أيضاً طبيعة التنمية التي يُعاد إنتاجها. فبدلاً من توجيه المهارات الجامعية إلى صناعات ذات قيمة مضافة، يعتمد الاقتصاد على قطاع يستهلك الكفاءات اللغوية للشباب، من دون أن يوفّر لهم مساراً للترقي الاجتماعي. وهكذا يتحوّل "اقتصاد الأصوات" إلى آلية لإدامة الهشاشة بدلاً من تجاوزها، ويصبح الشباب جزءاً من شبكة إنتاج عالمية تُحدَّد شروطها خارج الحدود، فيما تظل قدرتهم على التفاوض أو تحسين أوضاعهم محدودة للغاية.
من هنا يبرز السؤال الحاسم: هل يشكّل قطاع مراكز النداء خطوة نحو إدماج تونس في الاقتصاد العالمي، أو أنه يُكرّس التفاوتات القائمة، عبر نموذج يقوم على استغلال هشاشة الشباب، بدلاً من تحويلها إلى قوة إنتاجية حقيقية؟
إن الإجابة تتطلب فهم البنية الاقتصادية والسياسية، التي جعلت من الصوت البشري سلعة تُباع وتُشترى، بينما يبقى أصحابها في موقع مؤقت وهشّ، على هامش التنمية المنشودة.
من الخارج إلى الداخل: كيف تحوّلت تونس إلى منصة إقليمية لخدمات التعهيد؟
لم يكن توسّع قطاع مراكز النداء في تونس استجابة طبيعية لحاجات السوق، بل جاء نتيجة مسار سياسي–اقتصادي، اختارت من خلاله الدولة أن تموضع نفسها كمنصّة إقليمية للتعهيد[2]، تستقطب الشركات الأجنبية الباحثة عن قرب جغرافي من أوروبا، وكلفة تشغيل منخفضة، وبيئة تشريعية مرنة. منذ مطلع الألفية، بدأت برامج الرقمنة وتحديث البنية التحتية مثل "Tunisie Digitale" تعيد تشكيل الاقتصاد الوطني ليتلاءم مع نماذج الBPOـ [3] والoffshoringـ[4]، في وقت لم يعد فيه النسيج الاقتصادي التقليدي قادراً على استيعاب البطالة المتصاعدة، خاصة لدى الجامعيين. وهكذا برز التعهيد كحلّ سريع، يمنح تونس صورة "الخزان الخدمي"، القادر على استقطاب آلاف الوظائف بتكلفة اجتماعية محدودة.
وتعمّقت هذه الاستراتيجية مع إطلاق برامج من مثل Smart Tunisia ، التي وَعدت بتوفير عشرات الآلاف من مَواطن الشغل في الخدمات الرقمية، مدعومة بحزمة واسعة من الحوافز: إعفاءات جبائية مطوَّلة، دعم للتكوين، تخفيضات في كلفة الربط بالإنترنت، وتشريعات مرنة تجعل بيئة العمل جذابة للمؤسسات الأجنبية. ومع الوقت، تحوّلت هذه الامتيازات إلى دعوة مفتوحة للشركات الفرنسية والبلجيكية والإيطالية، التي تبحث عن بديل أقل كلفة من أوروبا الشرقية وأكثر قرباً ثقافياً من الهند.
تقوم مراكز النداء على ثلاث مهام رئيسية: خدمات تجارية تشمل البيع وسبر الآراء، وخدمات ما بعد البيع لحلّ المشكلات التقنية ومتابعة الشكاوى، ثم خدمات المعلومات. فهي لا تبيع منتجاً مادّياً، بل تبيع الزمن والانتباه والصوت المدرَّب.
ولم يكن الدور اللغوي والثقافي هامشياً في هذا التموضع. فقد مثّل الإرث الفرنكوفوني عنصراً حاسماً في جعل تونس الوجهة المفضّلة للشركات الفرنسية خاصة. إذ صارت مراكز النداء المحلية امتداداً مباشراً لسلاسل الخدمات الأوروبية: تعالج المكالمات التقنية، وتتابع الشكاوى، وتنجز عمليات البيع، بينما يتلقى العامل التونسي المقاييس اللغوية والتقنية نفسها التي تعتمدها الشركة الأم. هذا الارتباط القوي بالخارج خلق علاقة تبعية في مضمون العمل وإيقاعه، ورسّخ نموذجاً يقوم على تلبية الطلب الأوروبي أكثر من تلبية حاجات السوق المحلية.
على الجانب السياسي، تزامن الصعود السريع للقطاع مع إضعاف التنظيم النقابي داخله. فبينما حاول الاتحاد العام التونسي للشغل توسيع حضوره، اعتمدت المؤسسات الأجنبية والمحلية على عقود قصيرة ومرنة تُسهِّل إنهاء العمل، مع أنظمة مناوبات متغيرة تُبقي العمال في حال عدم استقرار دائم. هذه المرونة لم تكن اعتباطية، بل جزءاً من فلسفة التعهيد التي تقوم على قابلية الاستبدال، حيث تُعامَل اليد العاملة كموارد يجب أن تظل متاحة وسريعة التكوين، من دون استثمار طويل المدى فيها.
وعلى الرغم من صورة تونس كوجهة "مستقرة" للخدمات العابرة للحدود، كشفت الأزمات عن هشاشة هذا التموضع، ولا سيما حينما عَدّلت فرنسا قوانين التسويق الهاتفي سنة 2024، ما هدد آلاف الوظائف في تونس. لقد أظهرت تلك الحادثة مدى تبعية الاقتصاد المحلي لقرارات تُتخذ خارج حدوده، ومدى هشاشة نموذج تنموي، يقوم على الطلب الخارجي أكثر من اعتماده على دينامية داخلية مستقلة.
الفرنسية في تونس: غنيمة حرب أم تركة ثقيلة؟
16-01-2019
وفي الميدان، تتجلى هذه الخيارات الاقتصادية في المدن التونسية الكبرى، حيث تنتشر مراكز النداء كشبكة كثيفة توظِّف آلاف الشباب. في سوسة مثلاً، تحوّلت مبانٍ إدارية قديمة إلى فضاءات ضخمة يعمل داخلها مئات الشبان في فرق موزعة بحسب الأسواق: فرنسا، بلجيكا، كندا. وقد يغيِّر العامل السوق التي يخدمها من أسبوع إلى آخر، تبعاً لطلبات الشركة الأم، ما يعكس مقدار اختراق الشركات الأجنبية للزمن الاجتماعي وأنماط العمل المحلية.
لا يقتصر الإشكال على ظروف العمل المباشِرة، بل يشمل أيضاً طبيعة التنمية التي يُعاد إنتاجها. فبدلاً من توجيه المهارات الجامعية إلى صناعات ذات قيمة مضافة، يعتمد الاقتصاد على قطاع يستهلك الكفاءات اللغوية للشباب، من دون أن يوفّر لهم مساراً للترقي الاجتماعي. وهكذا يتحوّل "اقتصاد الأصوات" إلى آلية لإدامة الهشاشة بدلاً من تجاوزها، ويصبح الشباب جزءاً من شبكة إنتاج عالمية تُحدَّد شروطها خارج الحدود، فيما تظل قدرتهم على التفاوض أو تحسين أوضاعهم محدودة للغاية.
مثّل الإرث الفرنكوفوني عنصراً حاسماً في جعل تونس الوجهة المفضّلة للشركات الفرنسية خاصة. إذ صارت مراكز النداء المحلية امتداداً مباشراً لسلاسل الخدمات الأوروبية: تعالج المكالمات التقنية، وتتابع الشكاوى، وتنجز عمليات البيع، بينما يتلقى العامل التونسي المقاييس اللغوية والتقنية نفسها التي تعتمدها الشركة الأم. هذا الارتباط القوي بالخارج خلق علاقة تبعية في مضمون العمل وإيقاعه، ورسّخ نموذجاً يقوم على تلبية الطلب الأوروبي أكثر من تلبية حاجات السوق المحلية.
هذا كله يعبِّر عن تحوّل سوسيولوجي عميق: بروز فئة عاملة جديدة مندمِجة في الاقتصاد العالمي، لكنها غير مدمجة فعلياً في اقتصاد محلي قادر على تحويل مهاراتها إلى مسارات مهنية مستقرة. فالكفاءات اللغوية والتقنية التي يكتسبها العامل لا تجد غالباً موطئ قدم خارج نموذج التعهيد، فيضطر العديد من العاملين إلى البقاء في دوامة التنقل بين المراكز أو التفكير في الهجرة.
وهكذا، لم يعد التعهيد مجرّد خيار اقتصادي، بل صار بنية لإعادة إنتاج الهشاشة الاجتماعية بدلاً من تجاوزها. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً عن حدود نموذج تنموي، يراهِن على جذب الاستثمار الخارجي، من دون حماية عمّالية متينة، أو رؤية صناعية واضحة لبناء اقتصاد مستقل وقادر على خلق قيمة مضافة حقيقية.
يوميات العمّال خلف السمّاعات: بين ضغط الأهداف وهشاشة العقود
تقدِّم الحياة اليومية للعاملين في مراكز النداء بتونس صورة مكثّفة عن التحوّلات العميقة، التي تشهدها أنماط العمل المعاصِر، إذ تتداخل المهارات اللغوية مع الضغوط النفسية، وتتحوّل التفاعلات الإنسانية إلى مهام مقننة، تخضع لمقاييس دقيقة ونظام صارم من التقييمات. فهذه المراكز، التي صارت من أهم مجالات استيعاب الشباب، لا توفِّر مجرد وظائف سريعة، بل تخلق شكلاً جديداً من التجربة المهنية، يُعاد ضمنه تشكيل الزمن والانفعال والتركيز، بما يتوافق مع منطق السوق ومتطلباته.
وعلى الرغم من قدرتها على جذب آلاف الجامعيين، تكْشف المعاينة من الداخل عن نشوء فئة مهنية هشّة، تُحدَّد قيمتها أساساً عبر عدد المكالمات، وحدّة النبرة، ومعدل تحقيق الأهداف، أكثر مما تُحدَّد عبر المؤهلات العلمية أو الخبرات المكتسبة.
يتقاطع السياق التونسي مع ما وصفته الأدبيات الأنثروبولوجية حول مراكز النداء بأنه: عمل يقوم على التمثيل الصوتي، إذ يُطلب من العامِل أن "يؤدّي" دوره بنبرة معيّنة، وبسرعة محدّدة، وبقدرة على التخفّي اللغوي لتقليد المستهلك الأوروبي. فإتقان الفرنسية أو الإنجليزية ليس مجرد مهارة، بل شرط للعب دور يُفترض أن يكون مقنِعاً ومتجانساً مع توقعات الزبون. وعلى هذا الأساس، يتحول الصوت إلى أداة إنتاج، تخضع للقياس والمراقبة الدقيقة، مثل آلة صناعية يجب أن تعمل من دون توقف.
وعلى الرغم من صورة تونس كوجهة "مستقرة" للخدمات العابرة للحدود، كشفت الأزمات عن هشاشة هذا التموضع، ولا سيما حينما عَدّلت فرنسا قوانين التسويق الهاتفي سنة 2024، ما هدد آلاف الوظائف في تونس. لقد أظهرت تلك الحادثة مدى تبعية الاقتصاد المحلي لقرارات تُتخذ خارج حدوده، ومدى هشاشة نموذج تنموي، يقوم على الطلب الخارجي أكثر من اعتماده على دينامية داخلية مستقلة.
إتقان الفرنسية أو الإنجليزية ليس مجرد مهارة، بل شرط للعب دور يُفترض أن يكون مقنِعاً ومتجانساً مع توقعات الزبون. وعلى هذا الأساس، يتحول الصوت إلى أداة إنتاج، تخضع للقياس والمراقبة الدقيقة، مثل آلة صناعية يجب أن تعمل من دون توقف.
وتبرز التجربة التونسية بوضوح في شهادات عديدة لشباب جامعيين، وجدوا أنفسهم يعملون عشر ساعات يومياً مقابل أجور لا تتجاوز في المتوسط 500 دينار (أقل من 180 دولار أميركي). أحدهم، خرّيج بيولوجيا، يصف يومه بأنه "سباق دائم مع الأهداف"، حيث يتعيّن عليه إتمام أكبر عدد ممكن من المكالمات، وإقناع الزبائن بالخدمة أو المنتَج، بينما يُراقَب أداؤه لحظة بلحظة، عبر برامج رقمية ومسؤولين يتنصّتون على المكالمات. هذا النوع من الرقابة الإلكترونية، الذي وصفته سوسيولوجيا العمل بـ "البانوبتيكون الرقمي"، يعزِّز من إحساس العامل بأنه مراقَب على مدار الساعة، وأن أي تراجع بسيط قد يؤدي إلى توبيخ أو خصم أو حتى إنهاء عقده.
لا تُختزل الضغوط في المراقبة فحسب، بل تتجلى أيضاً في الروتين المكثّف: مكالمات متتالية بلا انقطاع، تكرار للعبارات، استعمال دائم لنبرة إيجابية، وانتباه مضاعَف لأي تفصيل قد يؤثر على تقييم الحرِّيف. إحدى العاملات، وهي خرّيجة في الاتصالات، تقول إنها تستقبل يومياً "آلاف المكالمات" في نسق محموم يجعلها تعاني من آلام مستمرة في الأذنين، ومن إرهاق ذهني دائم. وتضيف أنّها تشعر بأنّها تؤدي "تمثيلاً متواصلاً "، أمام مسؤولين أجانب يراقبون جودة أدائها الصوتي، ويذكّرونها باستمرار بأن "الزبون ملِك".
هذه الشهادات، التي تتكرر في مختلف مراكز النداء في العاصمة وسوسة وصفاقس، تتقاطع مع ما وصفته الأنثروبولوجيات الحديثة بـ "تجسيد العمل العاطفي حيث يُطلَب من العامل أن يتحكم في مشاعره ويرسم ابتسامة صوتية حتى في أقسى الظروف، وأن يظلّ هادئاً أمام غضب المستهلِكين، وأن يقدّم خدمة متجانسة، مهما كان مزاجه أو وضعه الصحي". هنا يصبح التعب العاطفي جزءاً من طبيعة العمل، ويصبح "الابتسام عبر الهاتف" مهارة تُدرَّس وتُقاس وتُعاقَب إذا لم تُنجَز بالشكل المطلوب.
الهشاشة هي العنصر البنيوي الذي يجمع كل هذه التجارب. فالعقود قصيرة المدة، وقابلة للإنهاء في أية لحظة، بحجة عدم بلوغ الأهداف. وبعض العاملين يؤكدون أنهم فُصِلوا بعد أشهر قليلة، لأنّ نسبة المبيعات لم تكن تلبّي توقعات الإدارة. هذا النوع من الهشاشة يعيد إنتاج ما وصفته سوسيولوجيا العمل بـ "طبقة المشتغلين المؤقتين": عمّال يعيشون على وعد الاستقرار من دون أن يحققوه، ويتنقلون بين مراكز النداء لأنهم لا يجدون في السوق بديلاً أفضل. ويتحوّل العمل بالنسبة لكثيرين إلى "هدنة مؤقتة من البطالة"، لا مساراً مهنياً ذا مستقبل.
بل إنّ بُعد الهشاشة يزداد حدّة حين ندرك أن سوق مراكز النداء في تونس مرتبطة بشكل شبه كلي بالطلب الأوروبي، وخاصة الفرنسي. وهذا يجعل مصير آلاف العمال رهين تغييرات قانونية أو اقتصادية خارج حدود البلاد. ففي كل مرة تُعدِّل فيها فرنسا قوانين التسويق الهاتفي أو تحسّن ظروف العمل محلياً، تصبح الشركات أكثر ميلاً إلى تقليص نشاطها في تونس، أو فرض شروط أكثر صرامة، ما يجعل العامِلين يعيشون في حال قلق دائم إزاء الاستقرار الوظيفي.
تبدو بيئة العمل داخل هذه المراكز مثالاً مكثّفاً لأشكال السيطرة الجديدة، التي وصفتها الأنثروبولوجيا المعاصرة بـ: السيطرة التي لا تُمارَس بالقوة المباشرة، بل عبر النظام الرقمي، المقاييس، والأهداف الكمية.
يبدو قطاع مراكز النداء في تونس كأنه يمثِّل وعداً جديداً لجيل يعيش على تخوم البطالة واللايقين. لكنّ التمعّن في مسارات الشباب داخل هذه المهنة يكشف عن شبكة معقدة من التحوّلات التي تعيد صياغة علاقتهم بالعمل والمستقبل والانتماء الاجتماعي. فبينما يُقدَّم القطاع كمساحة للاندماج وفرصة لاكتساب مهارات لغوية وتقنية، تتوارى خلف هذا الخطاب آثار عميقة، تُعيد إنتاج الهشاشة وتحوِّل الزمن المهني للشباب إلى سلسلة من المحطات المؤقتة المتقطعة.
وعلى الرغم من أن مراكز النداء تمثِّل بالنسبة إلى شبابٍ كثيرين متنفساً اقتصادياً، ووسيلة لاكتساب خبرة مهنية أو لغوية، فإنّ التجربة اليومية من الداخل تكشف عن ثمن باهظ: أجور ضعيفة لا تتناسب مع الجهد، ضغط نفسي مزمن، مراقبة لصيقة، عقود هشة، ومخاطر صحية ناجمة عن الجلوس الطويل والتعرض المستمر للضجيج. وبذلك، تبدو بيئة العمل داخل هذه المراكز مثالاً مكثّفاً لأشكال السيطرة الجديدة، التي وصفتها الأنثروبولوجيا المعاصرة بـ: السيطرة التي لا تُمارَس بالقوة المباشرة، بل عبر النظام الرقمي، المقاييس، والأهداف الكمية.
إنّ يوميات العامل خلف السماعة ليست مجرد تواصل صوتي مع زبون، بل هي عملية تدجين متواصِل للصوت والانفعال والزمن، إذ يتحول العامل إلى مورد بشري، يُعاد تشكيله وفق مقتضيات السوق الدولية. وهذا ما يجعل التجربة التونسية جزءاً من مشهد عالمي أوسع، لكنها تحمل في قلبها خصوصية محلية: هشاشة سوق العمل، البطالة المرتفعة، والاعتماد المفرِط على الطلب الخارجي— وهي عوامل تُحوِّل هذا القطاع إلى مساحة، تجمع بين "الوعد" و"الاستنزاف" في آن واحد.
آثار غير مرئية: كيف يعيد اقتصاد الأصوات تشكيل مستقبل الشباب التونسي؟
يبدو قطاع مراكز النداء في تونس كأنه يمثِّل وعداً جديداً لجيل يعيش على تخوم البطالة واللايقين. لكنّ التمعّن في مسارات الشباب داخل هذه المهنة يكشف عن شبكة معقدة من التحوّلات التي تعيد صياغة علاقتهم بالعمل والمستقبل والانتماء الاجتماعي. فبينما يُقدَّم القطاع كمساحة للاندماج وفرصة لاكتساب مهارات لغوية وتقنية، تتوارى خلف هذا الخطاب آثار عميقة، تُعيد إنتاج الهشاشة وتحوِّل الزمن المهني للشباب إلى سلسلة من المحطات المؤقتة المتقطعة، لا إلى مسار قادر على ضمان الاستقرار، أو بناء حياة مهنية مستقلة.
ومع الوقت، يصبح هذا الأداء المتواصِل شكلاً من أشكال التحكم في الذات، ينعكس على الحياة خارج مكان العمل، حيث يجد كثيرٌ من الشباب أنفسهم غير قادرين على الفصل بين الشخصية المهنية المطلوب منهم أداؤها والشخصية الاجتماعية الخاصة بهم.
إنّ إعادة تشكيل الزمن المهني بهذه الطريقة تُفضي إلى شكل جديد من العيش على الحافة، حيث لا الاستقرار محقَّق، ولا البدائل متاحة.
من أولى هذه الآثار أنّ العمل داخل مراكز النداء يفرض على العامِلين نمطاً من الانضباط العاطفي، الذي يجعلهم يعيشون في حال توتّر مستمر بين ما يشعرون به وما يُطلب منهم التعبير عنه. فالصوت ليس مجرّد أداة للتواصل، بل مورد يُعاد تشكيله كي يتناسب مع توقعات الحرِّيف الأجنبي: نبرة محددة، كلمات مضبوطة، وابتسامة "صوتية" يجب الحفاظ عليها مهما كانت الظروف. ومع الوقت، يصبح هذا الأداء المتواصِل شكلاً من أشكال التحكم في الذات، ينعكس على الحياة خارج مكان العمل، حيث يجد كثيرٌ من الشباب أنفسهم غير قادرين على الفصل بين الشخصية المهنية المطلوب منهم أداؤها والشخصية الاجتماعية الخاصة بهم. وثنائية التعبير والانفعال هذه، تكرّس علاقة مع العمل، تُبنى على محو الذات لصالح تلبية المقاييس.
إلى جانب هذا البعد الانفعالي، يتماهى القطاع مع إعادة تشكيل الوقت الشخصي للشباب. فالمناوبات المتغيرة، وساعات العمل الطويلة، وضغط الأهداف تجعل من الصعب بناء علاقات اجتماعية مستقرة أو متابعة مشاريع شخصية أو تعليمية. كثيرون يشكون من أنّ حياتهم موزّعة بين العمل والنوم، وأنّ الوقت المتبقي لا يكفي لتطوير مهارات بديلة يمكن أن تُخرِجهم من هذا القطاع. وهكذا يتحوّل العمل الذي يُقدَّم كفرصة مؤقتة إلى أفق مغلَق، يستهلك الطاقة الذهنية والنفسية، ويؤجل أحلام الاستقرار إلى أجل غير معلوم.
إنّ إعادة تشكيل الزمن المهني بهذه الطريقة تُفضي إلى شكل جديد من العيش على الحافة، حيث لا الاستقرار محقَّق، ولا البدائل متاحة.
تتجلّى آثار هذا الاقتصاد أيضاً في إعادة صياغة علاقة الشباب بذواتهم. فالمهارات المعتمدة: المرونة، التحمل، التحكم في الانفعال، القدرة على تكييف الصوت... هي مهارات تُثمن في القطاع لكنها غير قابلة دائماً للتحويل إلى وظائف أخرى. وهكذا يجد الشباب أنفسهم محاطين بمهارات عالية القيمة داخل قطاع واحد، منخفض القيمة خارجه. هذا التناقض يُنتِج حالاً من "الأمل المعلّق": أمل في أن يشكّل هذا العمل بوابة لمستقبل أفضل، لكنه يظل مؤجَّلاً لا يتحقق.
وعلى المستوى الاجتماعي الأوسع، يؤدي هذا القطاع إلى بروز فئة مهنية هجينة: شباب متعلِمون، يمتلكون كفاءات لغوية وقدرات تواصلية عالية، لكنهم غير قادرين على تحويل هذه المهارات إلى رأسمال اجتماعي أو اقتصادي مستدام. فهم مندمجون في اقتصاد عالمي يربطهم بأسواق أوروبية يومياً، لكنهم منغلقون داخل سوق محلية لا توفر لهم قناة صعود واضحة. هذه المفارقة تولّد شعوراً بالانفصال: انفصال عن سوق العمل الوطنية التي لا تقدِّر كفاءاتهم، وانفصال عن سوق العمل الأجنبية، التي يستحيل الاندماج فيها فعليّاً، على الرغم من ارتباطهم اليومي بها.
ويتعزّز هذا الشعور حين يدرك الشباب أنّ مستقبلهم المهني رَهين تقلبات تشريعية أو اقتصادية لا يملكون أية سلطة عليها. فالتغيير الذي حدث في التشريعات الفرنسية الخاصة بالتسويق الهاتفي وضَع آلاف العاملين في تونس في حال خوف من فقدان وظائفهم. هكذا، يجد الشباب أنفسهم معلَّقين بين منطق شركتين: الشركة الأجنبية التي تحدد الأهداف والإيقاع، والشركة المحلية التي تتحكم في العقود والأجور. هذا الشكل من الارتباط الخارجي يجعل المستقبل هشّاً، وقائماً على احتمالات لا يمكن التنبؤ بها.
وفي هذا المناخ، يتشكّل وعي شبابي جديد، يقوم على المفارقة بين الاندماج والإقصاء. فهم مدمَجون بالكامل في شبكة عمل عالمية عبر الصوت واللغة، لكنهم مستبعَدون من ثمارها الاجتماعية. يشاركون يومياً في إنتاج قيمة اقتصادية لشركات لا ينتمون إليها، فيما يبقى موقعهم المحلي غير مستقر، محدود الأجر، ومفتقراً إلى آفاق التقدم. هذا الانفصال بين ما يصنعونه وما يحصلون عليه يغذِّي شعوراً مستمراً باللاعدالة، ويدفع كثيرين إلى التفكير في الهجرة، باعتبارها مساراً وحيداً للترقي.
وتتجلّى آثار هذا الاقتصاد أيضاً في إعادة صياغة علاقة الشباب بذواتهم. فالمهارات المعتمدة: المرونة، التحمل، التحكم في الانفعال، القدرة على تكييف الصوت... هي مهارات تُثمن في القطاع لكنها غير قابلة دائماً للتحويل إلى وظائف أخرى. وهكذا يجد الشباب أنفسهم محاطين بمهارات عالية القيمة داخل قطاع واحد، منخفض القيمة خارجه. هذا التناقض يُنتِج حالاً من "الأمل المعلّق": أمل في أن يشكّل هذا العمل بوابة لمستقبل أفضل، لكنه يظل مؤجَّلاً لا يتحقق.
وتحت كل هذه التحولات يكمن عامل حاسم: إعادة إنتاج اللامساواة. فالشباب المنتمون إلى طبقات اجتماعية ضعيفة، يجدون أنفسهم محصورين داخل هذا القطاع لفترات أطول، فيما يستطيع أبناء الطبقات الأكثر حظًاً استخدامه كنقطة عبور إلى وظائف ذات قيمة أعلى. وبذلك يتحوّل القطاع إلى آلية غير مرئية، لإعادة توزيع الفرص بشكل غير متكافئ.
في النهاية، يكشف "اقتصاد الأصوات" عن أنّ الأثر الحقيقي لهذا القطاع لا يكمن فقط في خلق الوظائف، بل في كيفية إعادة تشكيل المستقبل نفسه: مستقبل مبني على العمل المؤقت، الانفعال المضبوط، التقييم الرقمي، والارتباط بأسواق خارجية، تتحكم في مصائر العاملين أكثر مما تتحكم الدولة أو السوق المحلية. إنه اقتصاد يَعدُ بالكثير لكنه يمنح القليل، ويزرع في مسار الشباب مزيجاً معقداً من الفرص والإحباطات، الوعود المؤجلة، والأفق الذي لا يكتمل.
- مراكز الاتصالات وتلقّي المكالمات (Call Centers). ↑
- التعهيد (Outsourcing) أو "التعاقد الخارجي" هو استراتيجية عمل تقوم بها الشركات بالتعاقد مع جهات أو شركات خارجية متخصصة لتنفيذ مهام أو وظائف معينة، بدلاً من القيام بها داخلياً، عادةً بهذف خفض التكاليف أو تحسين الجودة وزيادة كفاءة العمل. ↑
- BPO (Business Process Outsourcing) أو نموذج "التعهيد الخارجي للعمليّات". ↑
- Offshoring، أي نقل عمليات أو خدمات إلى دولة أخرى. ↑



