انتهت الحرب على الورق، وما انتهى الاختبار، بل هو مأزق يتصاعد كلما اقترب موعد تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار.
وبقدر ما تغرق "غزة" في أوجاعها، تقف مصر على حافة خطرٍ داهم، إذ يصطدم "دور الوسيط" بالرجل "السليط" ورؤيته الصهيو-إمبريالية؛ لا لتصفية القضية الفلسطينية وحدها، ولكن لإضعاف البيئة العربية كاملة لصالح المصالح الأميركية المتصاعدة، وتثبيت عضدها في المنطقة عبر الدولة الصهيونية.
فكم هي مصر، بقدرها وأقدارها، حاضرة ومستهدفة، وإدارتها مترددة في آنٍ واحد ….
المعبر وإعادة الإعمار
بعد عامين من الحرب، كان معبر "رفح" فيها باباً للوجع والجدل الممتد بين معارض للموقف المصري غير المتصدي للرفض الإسرائيلي لتمرير المساعدات، ومدافعٍ عن اضطرار النظام المصري، غير المتخلي عن غزة، والمقيد في الوقت نفسه باتفاقات سلامٍ مع العدو، ومقتضيات السياسة الدولية.
وعلى الرغم من ذلك، على اختلافه، جاء الاحتفاء من أوساط عدة، فلسطينية ومصرية، رسمية وشعبية، بدور القاهرة في إنجاز اتفاق وقف إطلاق النار.
احتفاء عبّر عنه المبعوث الأميركي نفسه، حينما أشاد في لقاء مع السيسي، بدور المخابرات المصرية في صياغة الاتفاق، وحمْل المقاومة الفلسطينية على قبوله. وقد كانت من أهم الصياغات، التي تداولت المصادر تعديلها في ورقة ترامب، هي صيغة استبدال كلمة "نزع السلاح" بـ "تحييده"، واعتبار أن دور القوة المسلحة في غزة هي قوة "حفظ الاستقرار"، ما يجعلها في وضع المراقبة، وليس الاشتباك مع حماس.
لكن البنود لا تزال جميعها حبراً على ورق، يُضاف إليها الملف الأكثر رواجاً وإرباكاً أيضاً: "إعادة الإعمار". ملفٌّ يُراوح بين رؤيةٍ مصرية عربية وأخرى صهيوأمريكية. الأولى تميل إلى إعمار محافِظ، يحمي التركيبة الجغرافية للمدن ويمنع التهجير، يعيد التقييم الهندسي وتدعيم المباني المتضررة جزئياً، قبل القرار بالهدم. وهو على نقيض الرؤية الأميركية المبشرة بريفيرا الشرق، حيث أبراج فارهة، وطرق ممهدة، وبلاد خالية كل الخلاء من أهلها.
العبودية الجديدة
06-10-2025
علامات العصر الجديد
08-01-2026
كل ذلك يجعل الإعمار ملفاً سياديّاً وليس فقط هندسيّاً أو حقوقيّاً. وهو ما اتضح سريعاُ بشأن إزالة الركام. إذ تواترات التصريحات، وكان أكثرها لفتاً للنظر هو ما أعلن عنه رئيس وزراء حكومة الاحتلال، من موافقةٍ أولية على تحمل تكلفة الإزالة، بحوالي عشرة مليارات دولار، ما طرح سؤالاً عن المردود المنتظر، خاصةً مع إعلان "السليط" عن عزمه التصريح بأسماء أعضاء "مجلس السلام الدولي" المزمع إنشاؤه في غزة، برئاسته، والشروع في تطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق.
هى الصورة إذاً بشأن إعادة الإعمار، الذي تسعى مصر إليه سعياً حثيثاً، وتسعى العقلية الصهيو-أميركية إلى ربطه بنزع السلاح. وعليه، أعلن الرئيس المصري قبل أكثر من شهر و للمرة الثالثة، عن اقتراب عقد مؤتمر دولي بشأن تمويل إعادة الإعمار في غزة... ثم يتوقف الأمر عند حد التصريح.
المهْرب وشبهة الاضطرار
في اتجاه معاكس، تَظهَر مصالح مصرية مباشرة فوق الطاولة، على رأسها صفقة الغاز الطبيعي. هذه الصفقة التي تحفِّز المخاوف ويحدها الإحباط، وبلا شك الخزي.
فخلال عشرين عاماً، تبدلت دفة الأمور من فادحٍ الى أشد فداحة. والسلطة المصرية التي كانت تصدر الغاز المصري إلى إسرائيل عام 2002، وقّعت قبل أيام عقداً لتطوير صفقة استيراد الغاز من إسرائيل، بقيمة 35 مليار دولار، تدفعها مصر إلى الصهاينة حتى عام 2040.
حدث ذلك، وكأن احتجاجات يناير التي أثمرت إلغاء الاتفاق الأول، وحظر عودته، أو ما يشابه ذلك، كانت فاصلاً غير منظور في هذا الزمان.
من أهم الصياغات، التي تداولت المصادر تعديلها في ورقة ترامب، هي صيغة استبدال كلمة "نزع السلاح" بـ "تحييده"، واعتبار أن دور القوة المسلحة في غزة هي قوة "حفظ الاستقرار"، ما يجعلها في وضع المراقبة، وليس الاشتباك مع حماس.
"إعادة الإعمار" هو الملف الأكثر رواجاً وإرباكاً. وهو ملف سيادي وليس فقط هندسي أو حقوقي. وهو يُراوح بين رؤيةٍ مصرية عربية وأخرى صهيوأمريكية. الأولى تميل إلى إعمار مُحافِظ، يحمي التركيبة الجغرافية للمدن ويمنع التهجير، يعيد التقييم الهندسي وتدعيم المباني المتضررة جزئياً، قبل القرار بالهدم. وهو على نقيض الرؤية الأميركية المبشرة بريفيرا الشرق، حيث أبراج فارهة، وطرق ممهدة، وبلاد خالية كل الخلاء من أهلها.
ومن بعد يناير واحتجاجاته، تأتي غزة وحربها، التي كانت سبباً مباشرًا في تلكؤ إسرائيل، في توقيع الاتفاقية، التي تصب في مصلحتها الاقتصادية. لكنها أيضاً كانت تبحث، ووفق تصريح رئيس وزرائها، عن "الضمانات الأمنية".
مصر والطوفان.. ضريبة الشرود عن "الحرب"
05-05-2025
نفت هيئة الاستعلامات المصرية وجود أية تفاهمات سياسية، وصرحت أن الاتفاقية "تجارية بحتة"، وهو التصريح الذي يشي بصاحبه أكثر مما يرفع عنه الشبهات. فيما أشارت صحف إسرائيلية، إلى أن التلكؤ كان سببه محاولة الضغط بأشكالٍ شتى على مصر خلال الحرب، والاعتراض على نشر قوات عسكرية في سيناء، وأن التوقيع الحالي، يأتي في إطار ضغوط أميركية، تهدف إلى لقاء وشيك بين نتنياهو والسيسي، من أجل عقد ترتيبات بشأن تطبيق المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.
في الخلفية: معطيات اقتصادية مهمة لكلا الجانبين
بالنسبة إلى مصر، التي تعاني من نقصٍ حاد في سد احتياجاتها من الطاقة، لم تأتِ الصفقة كخطوة أولى، بل استكمالاً لما كان قائماً منذ ستة أعوام، وأوقفته الحرب.
وعليه، أعلنت قبل خمسة أشهر، شركة "شيفرون" الأميركية، بصفتها إحدى الشركات العاملة في حقل "ليفياثان"، عن توقيع صفقة، بقيمة 35 مليار دولار، تسمح برفع سقف التصدير.
وفقاً لبنود العقد، تلتزم إسرائيل بتصدير حوالي 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر، يتم ضخ الكمية الإجمالية على مرحلتين: الأولى بقدر20 مليار متر مكعب فقط، والثانية تبقى رهناً باستيفاء شرط تطوير البنية التحتية في الحقل الإسرائيلي، واستكمال خطوط النقل البرية والبحرية.
كان من اللافت توجه الحكومة المصرية إلى التزوّد من تعاقدات الغاز المسال من مصادر عدة، من بينها دولٍ عربية، وعقد صفقات تنقيب عن الغاز الطبيعي بقيمة 1.8 مليار دولار. والمؤكد، أنه الغاز الأقل تكلفة بالنسبة إلى مصر، مقارنةً بأسعار استيراد الغاز المُسال.
وبين هذا وذاك، يبقى المدى الزمني هو التحدي الأكبر، حيث عمر الاتفاقية يتوقف في نهاية العام 2024.
لكن هل المصلحة المصرية يحكمها فقط الاحتياج الاقتصادي؟ وهل ما يؤرق الاقتصاد المصري والأمن القومي المصري هو النقص الحاد في الطاقة فقط؟ بالتأكيد لا! لكن ملفات أخرى لا تقل فداحةً، من بينها: خطر اكتمال سد النهضة الأثيوبي وأثره على الأمن المائي المصري، في ظل رفض أديس أبابا توقيع اتفاق إدارة مشتركة لمياه النيل. والثاني خطر تقسيم السودان، وهو ما دفع الحكومة المصرية إلى التحرّك مؤخراً عبر لقاء مع الرئيس البرهان، والتلويح للجانب الآخر ("قوات الدعم السريع")، ومن يقف وراءها من قوى إقليمية، بإمكانية تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك.
كان من اللافت توجه الحكومة المصرية إلى التزوّد من تعاقدات الغاز المسال من مصادر عدة، من بينها دولٍ عربية، وعقد صفقات تنقيب عن الغاز الطبيعي بقيمة 1.8 مليار دولار. والمؤكد، أنه الغاز الأقل تكلفة بالنسبة إلى مصر، مقارنةً بأسعار استيراد الغاز المُسال.
نفت هيئة الاستعلامات المصرية وجود أية تفاهمات سياسية، وصرحت أن الاتفاقية "تجارية بحتة"، وهو التصريح الذي يشي بصاحبه أكثر مما يرفع عنه الشبهات. فيما أشارت صحف إسرائيلية، إلى أن التلكؤ كان سببه محاولة الضغط بأشكالٍ شتى على مصر خلال الحرب، والاعتراض على نشر قوات عسكرية في سيناء، وأن التوقيع الحالي، يأتي في إطار ضغوط أميركية، تهدف إلى لقاء وشيك بين نتنياهو والسيسي، من أجل عقد ترتيبات بشأن تطبيق المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.
أما الملف الثالث، الذي لا يقل خطورة، فهو تفاقم حجم الدين الخارجي المصري، الذي وصل هذا العام إلى 161 مليار دولار، وخطر الاعتماد في معالجته على "السيولة الساخنة"، حيث التوسع المثير للريبة في مشروعات بيع الأصول والموانئ الاستراتيجية لشركات خليجية يُقدّر حجم استثماراتها على مدار السنوات الأربعة الأخيرة بحوالي 60 مليار دولار. يحضر التساؤل حول ما إذا كانت هي طوق النجاة أم خطأ استراتيجياً، إذ يمثِّل احتمال انسحابها في أية لحظةٍ، محكومة باعتبارات عدة، خطراً بانهيار الجنيه المصري انهياراً مروعاً.
الإقرار و اللاإقرار
كل ذلك يبدأ ثم يعود باتجاه الأهداف الكبرى من تلك الحرب..
المصريون والسعي المكلوم إلى غزة
14-08-2025
فما هي تلك الترتيبات المنتظَرة من النظام المصري في تلك اللحظة؟ ما الذي يعول عليه "السليط" من "الوسيط"، وما قد تفرزه بكافة الملفات الشائكة، بدءاً من إدخال المساعدات العاجلة إلى غزة، مروراً بالإعمار والتورط في نزع سلاح المقاومة، ووصولاً إلى شبح "التهجير"؟
في مواجهة هذه التساؤلات، تبدو الصورة قاتمة.. والحقيقة القائمة قادرة على هدم الكثير، بل وتعطيل أية محاولة قادمة هناك باتجاه التغيير، سواء جاء من داخل عباءة السلطة الفلسطينية نفسها، أو عبر نسخٍ مطورة منها، أو عبر تغيير جذري عام في مصر يبدو الآن بعيد المنال .
هل يدفع الطموح الأميركي الطرف المصري إلى التخلي مرغماً عن دور "الوسيط"، دفاعاً هذه المرة عن مقتضيات الأمن القومي المصري، قبل أية اعتبارات سياسية وأخلاقية، تتعلق بالقضية الفلسطينية وأهل غزة المكلومين في شمم؟ أم أن مزيداً من التنازلات المزلزلات تقع على الطريق ؟
..
في مواجهة هذه التساؤلات، تبدو الصورة قاتمة..
والحقيقة القائمة قادرة على هدم الكثير، بل وتعطيل أية محاولة قادمة هناك باتجاه التغيير، سواء جاء من داخل عباءة السلطة الفلسطينية نفسها، أو عبر نسخٍ مطورة منها، أو عبر تغيير جذري عام في مصر يبدو الآن بعيد المنال .






