إعداد وتحرير: صباح جلّول
عام 2017، وبعد فرار عناصر تنظيم داعش من مواقعهم في سوريا والعراق، قامت مجموعة من الأصدقاء الصحافيين و صناع الأفلام والمدافعين عن حقوق الإنسان، بزيارة بعض أماكن الاحتجاز والتعذيب بدافع البحث عن أدلة قد تقودهم لزملاء وأحبّاء لهم اختُطِفوا على يد التنظيم قبل أعوام قليلة. لم تثمر تلك الزيارات أية معلومات تفيد بشكلٍ مباشر في معرفة مصير هؤلاء الأشخاص، إلا أن الزائرين انتبهوا لمجموعة المعلومات الوفيرة الأخرى التي يمكن الاستفادة منها في بناء فهم لِما حدث في تلك الأماكن المرعبة وتوثيقه وبناء شهادات مَن كانوا فيه، وربما الوصول إلى معلومات عن مصائرهم أيضاً.
سجون "الأسد" وسجون "صدام حسين"
12-12-2024
على الجدران، نُقِشت أسماء وعبارات، وفي كل زوايا المكان، يمكن العثور على دليلٍ أو أثر لجريمة ارتُكبت أو أدوات تعذيب تُركت. الأماكن والمباني نفسها وثيقة، وبداخلها، عُثر على عشرات الآلاف من الوثائق المهمة التي تحتاج إلى من يقرأها ويؤرشفها ويصنّف ما بداخلها. دفع الخوف من إهمال أو اندثار هذه الوثائق المجموعة إلى التفكير بوسائل لحفظها وتحليلها.
ما بدأ بدافعٍ شخصي للبحث عن أفراد مخطوفين، تحوّل إلى بداية بحث شامل عن حفظ آثار سجون داعش المعرّضة للمحو. مع الوقت، ومع اعتماد منهجيات بحث مفصّلة ومتكاملة، بدأ مشروع "متحف سجون داعش" بالتكوّن، وكان هذا في وقتٍ كان فيه نظام بشار الأسد وسجونه الكثيرة ما زال قائماً.
في دمشق..
بعد انهيار النظام السوري وفرار الأسد إلى موسكو في كانون الأول/ ديسمبر 2024، فُتحت سجون وأقبية النظام البائد للمرة الأولى منذ عقود. هرعت الكاميرات والمواطنون وأهالي المفقودين والمعتقلين للبحث في الغرف المظلمة. اختلطت المعلومات بالشائعات والحقائق بالتخمينات، وسط جو من الفوضى والانفعالات التي كانت في أحيان كثيرة مؤذية لأهالي الضحايا والمخطوفين المخفيين من سنوات.
تحولات ساحة المرجة في دمشق
11-05-2022
وجد متحف السجون نفسه أمام مسؤولية وتحدي متابعة عمله، هذه المرة في سجون النظام السابق، ليضيف إلى مواد كان الفريق قد جمعها من قبل عن سجون النظام، من قبيل شهادات مصورة من معتقلين سابقين. تمأسس العمل تحت إطار "متحف سجون سوريا". وفي أيلول/ سبتمبر 2025، افتُتح متحف سجون سوريا الرقمي في العاصمة السورية دمشق، عارضاً صوراً وشهادات وخرائط بتقنيات ثلاثية الأبعاد للسجون التي ابتلعت عدداً هائلاً من أبناء البلد.


للمفارقة، بعد أيام قليلة من افتتاح المتحف في دمشق، أوقِف المدير المؤسس للمشروع، الصحافي عامر مطر، وهو سجين سابق تحت نظام الأسد، من قبل أجهزة الأمن التابعة للنظام الجديد، بدون سند قانوني، على اشتباه حيازته وثائق رسمية دون سند قانوني واستغلالها "لغايات شخصية". لكن سرعان ما أطلقت السلطات سراحه لانتفاء الأدلة على ذلك، في حين يؤكد المتحف أنه يجمع مواده مما يجد من أدلة ووثائق متروكة مبعثرة في محيط الأماكن ويصورها في أماكنها، مشجعاً على حفظها وتوثيقها بشكل رسمي، ومؤكداً أن تلك مسؤولية الجهات المخولة رسمياً بذلك. في بيان من متحف السجون السورية صدر في ذلك الوقت، استنكر المتحف التوقيف، واصفاً ما جرى بـ"الابتزاز الأمني والمادي المباشر". زادت الحادثة من القلق المتنامي لدى حقوقيين سوريين من نوايا النظام الجديد اعتماد أساليب قمعية لعمل الصحافيين والباحثين، إذ على الرغم من الهامش الأكبر من حرية الحركة، ما زالت تقيَّد مصادر المعلومات والتقصي بشكل كبير.
المنهجية
حسب تقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان، خاض أكثر من مليوني سوري تجربة السجن تحت نظام آل الأسد. ويقدَّر أن نصف هؤلاء تقريباً دخلوا السجون بعد انطلاق احتجاجات العام 2011. السجن والإخفاء والتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان هي ممارسات ممنهجة و"تقليد" متجذّر تحت نظام الأسد، تُدار بواسطته البلاد. من هنا، فالحاجة لتوثيق ممنهج ومعمّق تتضاعف لتغطية حجم وتشعبات هذه الانتهاكات.
في سوريا.. البحث بين الوجوه
05-05-2022
هنا يأتي دور متحف سجون سوريا الإلكتروني ذي الطابع الاستقصائي. وثَّق المتحف مواقع السجون، وباستخدام كاميرات عالية الدقة وتقنيات ثلاثية الأبعاد، رصد الآثار التي وُجدت في الزنازين وهندسة المكان. إجراء المقابلات وأخذ الشهادات من سجناء سابقين هي أجزاء أساسية من عمل المتحف، بالإضافة إلى جمع مقتنيات السجناء الشخصية وحفظ أية وثائق خُلِّفت في أماكن الاحتجاز والتعذيب.
يعتمد عمل المتحف بشكل منهجي على هذه المصادر الثلاث للمعلومات: توثيق المواقع، تسجيل الشهادات، حفظ الوثائق، وهي ما يخوله لاحقاً لإجراء تحقيقات استقصائية في الجرائم الدولية للنظام، حسب موقع المتحف الإلكتروني، "واضعاً نصب عينيه عائلات الضحايا، والهيئات القانونية، والباحثين، والجمهور العام. ويعرض الفريق نتائج تحقيقاته عبر إعادة بناء ثلاثية الأبعاد لمشاهد الجرائم".

يتيح موقع المتحف جولات افتراضية ثُلاثيّة الأبعاد في السجون السورية عبر تاريخ سوريا المعاصر. مع كل موقع يتم تصفحه، تُتاح معلومات عن المساحة، تاريخ الاستخدام، ملخص حول تاريخ المكان، الشهود الرئيسيين، بالإضافة إلى قصص متعددة حول التعذيب والأوضاع الصحية وسياسات التجويع وغيرها من التفاصيل والملحقات.

جواب؟...
لكن، كيف يمكن للمتحف أن يفيد أهالي المفقودين لتقصي معلومات ومحاولة معرفة مصائر أحبائهم؟ هذا ما وُجدت لأجله منصة "جواب" الرديفة لمتحفَي سجون داعش وسجون سوريا. تبحث المنصة في الأدلّة المتاحة وتتقصى معلومات حول عائلات المفقودين. تقول منصة "جواب" إنها تهدف إلى "دعم العائلات في سعيها إلى العدالة وإيجاد الخاتمة المنشودة والمناصِرة باسمهم، فضلاً عن تكريم الضحايا". ومن المقرر إطلاقها خلال العام الجاري 2026.



