رمزي ناري [ العالم الجديد.
05 / 01 / 2026
ما جرى في كورنيش البصرة ليلة رأس السنة 2025 لا يمكن قراءته بوصفه حادثة عرضية أو انفلاتًا أخلاقيًا طارئًا. نحن أمام لحظة كاشفة، لحظة انكشاف فجّ لبنية اجتماعية – سياسية مأزومة، تتقاطع فيها سيكولوجيا العنف، وانهيار الأخلاق العامة، وفشل الدولة، وتشوه الوعي الديني، وتاريخ طويل من الازدواج القيمي. إنّ العنف الجنسي الذي خرج إلى العلن في تلك الليلة لم يولد في الشارع، بل صعد من طبقات أعمق ظلّت لسنوات تُدار بالصمت والتواطؤ والتبرير.
هذه الدراسة تحاول الذهاب أبعد من الإدانة، وأبعد من التعاطف الأخلاقي السريع، لتفكيك الشروط التي جعلت هذا المشهد ممكنًا، بل متوقعًا. وهي تخاطب قارئًا واعيًا، لا يبحث عن عزاء لغوي، بل عن فهم نقدي يضع الحادثة في سياقها النفسي والأخلاقي والأنثروبولوجي – السياسي، مع انعطافة واعية نحو بعض الأطروحات الكلاسيكية في دراسة المجتمع العراقي، ولا سيما ما قدّمه عالم الاجتماع الراحل علي الوردي، قراءةً ومساءلةً لا استدعاءً تبجيليًا.
البعد السيكولوجي.. الحشد بوصفه جهازًا لتعطيل الضمير
من الناحية السيكولوجية، لا يمكن فهم ما جرى إلا من خلال منطق الحشد. الحشد – ليس المقصود هنا ما يُسمى بالحشد الشعبي – لا يجمع أفرادًا فقط، بل ينتج حالة نفسية جديدة، تُعطَّل فيها آليات الكبح الداخلي، ويُعاد تعريف المسموح والممنوع وفق ديناميات اللحظة. في هذه الحالة، يصبح الفرد أقل وعيًا بذاته وأكثر اندماجًا في طاقة جماعية خام، حيث تنتقل العدوى الانفعالية بسرعة، ويغدو العنف قابلًا للتكاثر.
غير أن سيكولوجيا الحشد هنا لا تعمل في فراغ. إنها تستند إلى نفسٍ جمعية أُنهكت طويلًا. عقود من الحروب، والحصار، والانكسارات السياسية، ثم الفوضى الممتدة بعد 2003، أنتجت إنسانًا يعيش في حالة صدمة مزمنة. في مثل هذه الحالة، لا يعود التعاطف استجابة تلقائية، بل عبئًا نفسيًا. صرخة الضحية لا توقظ الضمير، بل تثير القلق، والقلق يُواجَه غالبًا بالإنكار أو العدوان.
العنف ضد النساء في العراق، ما هو المختلف؟
08-09-2020
هنا تتداخل الرغبة الجنسية مع النرجسية العدوانية. كثير من الأفعال التي ظهرت في المشهد لا يمكن اختزالها في «تحرّش»، بل هي أفعال استعراض قوة، وسيطرة على جسد أعزل، وتعويض رمزي عن شعور عميق بالعجز الاجتماعي والسياسي. الجسد الأنثوي يتحول إلى مساحة يمكن من خلالها استعادة وهم السيطرة في عالم يشعر فيه الفاعل بأنه مسلوب الإرادة.
البعد الأخلاقي.. الازدواج القيمي بين الخطاب والممارسة
المفارقة الأخلاقية في المجتمع العراقي ليست في غياب القيم، بل في ازدواجها. هذا ما تنبّه إليه علي الوردي مبكرًا حين تحدّث عن التناقض بين البداوة والحضارة، وبين المثاليات المعلنة والسلوكيات الواقعية. غير أن هذا التناقض لم يبقَ توصيفًا اجتماعيًا فقط، بل تحوّل مع الزمن إلى بنية نفسية مستقرة.
الخطاب الأخلاقي السائد، المشبع بالوعظ والدينيات الشكلية، لم يُنتج ضميرًا نقديًا، بل أنتج أخلاق مراقبة، أخلاقًا تُمارَس على الآخرين لا على الذات. المرأة، في هذا السياق، تتحول إلى موضوع دائم للضبط والتأديب الرمزي، بينما يُغضّ الطرف عن عنف الرجال بوصفه «انفلاتًا» أو «خطأ لحظيًّا».
الأخلاق التي تُنتجها هذه البنية هي أخلاق الطاعة لا المسؤولية، الصمت لا التدخل، السلامة الفردية لا الشجاعة المدنية. لذلك بدا التصوير أسهل من الفعل، والمشاهدة أقل كلفة من المواجهة. لم يكن الغياب الأخلاقي غيابًا تامًا، بل كان أخلاقًا مشوّهة، عاجزة عن التحول إلى فعل.
الدين المُسيَّس وانهيار المعنى الأخلاقي
لا يمكن تجاوز الدور الذي لعبه تسييس الدين في هذا الانهيار. منذ 2003، جرى توظيف الدين بوصفه أداة شرعنة للسلطة، لا مصدرًا للقيمة. الأحزاب التي رفعت شعارات الفضيلة والعفة لم تبنِ إنسانًا أخلاقيًا، بل بنت نظام طاعة، يقوم على الخوف والاصطفاف والهويات المغلقة.
في هذا السياق، انفصل الدين عن جوهره الإنساني. لم يعد حماية الضعيف قيمة مركزية، بل صار ضبط الجسد، ولا سيما جسد المرأة، هو المعيار الظاهر للأخلاق. هذا الانفصال أنتج فراغًا أخلاقيًا عميقًا: خطاب ديني كثيف، وسلوك اجتماعي عنيف، دون جسر حقيقي بينهما.
البعد الأنثروبولوجي.. الدولة الغائبة والجسد بوصفه ساحة سلطة
أنثروبولوجيًا، لا يمكن فصل هذه الحادثة عن تفكك الدولة. الدولة ليست جهازًا أمنيًا فقط، بل منظومة رمزية تمنح الأفراد شعورًا بالحماية والمعنى. حين تغيب الدولة، أو تتحول إلى كيان شكلي، تظهر سلطات بديلة: الميليشيا، العشيرة، الأحزاب المؤدلجة، والحشد السيكوباثي.
في هذا الفراغ، يصبح الجسد الضعيف – وغالبًا جسد المرأة – ساحة ممارسة سلطة فوضوية. الاعتداء هنا ليس فعلًا فرديًا فقط، بل إعلانًا جماعيًا عن غياب القانون. ثقافة الإفلات من العقاب، المتجذّرة في الواقع العراقي، تجعل العنف ممكنًا بلا خوف، بل أحيانًا بلا وعي بكونه جريمة.
صمت المجتمع بين العجز والتطبيع
الصمت الذي أحاط بالمشهد لا ينبغي قراءته قراءة تبسيطية. إنه صمت مركّب، ناتج عن خوف متراكم، وتربية على الانسحاب، وتجارب طويلة أثبتت للناس أن التدخل قد يكون مكلفًا بلا جدوى. مع الزمن، يتحول هذا الصمت إلى تطبيع – هذه المفردة، أي التطبيع، التي استخدمها الكردينال ساكو في قداس عيد الميلاد، وأثارت جدلاً واسعاً في العراق، كادت أن تطيح بالسلم الأهلي العراقي، حيث فهمها بعض المسؤولين بمعنى آخر مغاير تمامًا لما قصده الكردينال – ويغدو العنف جزءًا من المشهد اليومي، يُستنكَر لفظيًا ويُتَعايَش معه عمليًا.
ما بعد الإدانة
حادثة كورنيش البصرة ليست مرآة لأزمة أخلاقية فقط، بل لأزمة إنسانية – سياسية شاملة. إنها تكشف فشل الدولة، وتشوّه الدين المُسيَّس، وعمق الجرح النفسي الجمعي، واستمرار الازدواج القيمي الذي تحدث عنه علي الوردي ورفاقه من علماء الاجتماع العراقيين، لكن في شروط أكثر قسوة وحدّة.
هاتُفِكِ سلاحكِ: عراقيات ضد التحرش
19-10-2022
إنّ الخروج من هذه الدوامة لا يكون بخطاب وعظي إضافي، ولا بحملات أخلاقية موسمية، بل بمشروع طويل لإعادة بناء الإنسان: بناء الضمير الفردي، وترميم الثقة الاجتماعية، واستعادة معنى الدولة، وفصل القيمة الأخلاقية عن الاستخدام الأيديولوجي. دون ذلك، ستظل مثل هذه الحوادث ليست احتمالًا، بل نتيجة متكررة لبنية لم تُمسّ جذورها بعد.




