إعداد وتحرير: صباح جلّول
فقد العراق في دوامات الحروب والحصارات والاضطرابات، مع ما رافقها من فوضى عارمة (مقصودة في غالب الأحيان)، عدداً لا يُحصى من المواد الأرشيفية والتاريخية والأثرية الهامة. يعني هذا أنه ليس من السهل اليوم على الباحثين إيجاد مراجع موثوقة، شاملة ووافية، تسمح بالاطلاع على حقبات زمنية مختلفة، حتى لو كانت من التاريخ القريب للبلاد، من أربعة أو خمسة عقود على سبيل المثال. يصطدم الباحث بلا شكّ بفراغات وثقوبٍ تعتري جسم المواد المحفوظة والمؤرشفة، ولا تغني الأرشيفات الرسمية عن البحث المستقل في مجموعات خاصة أو ربما حتى في المسروقات والمنهوبات من الغزاة الذين سحبوا المواد إلى بلادٍ بعيدة.
يعرّف مشروع "الأرشيف العراقي للمطبوعات" عن نفسه كمبادرة ثقافية وتوثيقية "تهدف إلى حفظ واستعادة الذاكرة المطبوعة للعراق، عبر أرشفة المجلات، الصحف، المنشورات، الكتب النادرة، والإصدارات الرسمية والشعبية التي رافقت الحياة العراقية على مدار عقود". عبر صفحة المبادرة على منصة انستغرام، يوضح المشروع دوافع وجوده: "يستند المشروع إلى وعيٍ عميق بأهمية المطبوعات بوصفها مرايا دقيقة للواقع السياسي، الاجتماعي، الثقافي، والفني، وكونها جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية". فالأرشيف أكثر من مواد بحثية - هو وثيقة يمكن من خلالها قراءة التاريخ ومساءلته وكتابة سردية اجتماعية وسياسية من خلاله. من هنا، ربطاً بواقع الحال العراقي وفقدان الكثير من الإرث المطبوع، يصف الفاعلون المشروع بأنه "ضرورة، لا ترف".
دفاتر ضياء العزاوي: الشعرُ رَسماً
19-01-2023
يجمع "الأرشيف العراقي للمطبوعات" الوثائق والمطبوعات التي يؤرشفها ويعرض قسماً منها من مصادر متنوعة داخل العراق أو خارجه. يعمل على تصنيفها وفهرستها رقمياً حتى لا تضيع ولتسهيل إتاحتها للباحثين والمهتمّين وعموم الناس. يقترح الأرشيف "إعادة قراءة لهذه المطبوعات في سياقاتها التاريخية والاجتماعية"، لمحاولة فهم "تطورات البلاد وتحوّلات الوعي الجمعي"، وصولاً إلى دراسة الحياة اليومية للعراقيين عبر الحقبات المختلفة، وهو ما تتوفر له مجموعات كبيرة من الصور التوثيقية النادرة.
لدى الأرشيف مجموعة كبيرة من مجلات قديمة مثل "ألف باء" و"آفاق عربية" و"العالَم"، بالإضافة إلى صحف حزبية وثقافية كانت يوماً ما جزءاً من البيوت والمكتبات العراقية ووسيطاً أول للاطلاع في المجتمع العراقي، قبل شيوع التلفاز ووسائل التواصل الأخرى.
المشروع الضرورة
في بودكاست "سوالف ليل" على يوتيوب مقابلة أجراها معدّ الحلقة محمد صباح مع مؤسس "الأرشيف العراقي للمطبوعات"، الباحث محمد يعرب، يستعيد فيها يعرب بداية اهتمامه بالكتب القديمة والأرشيفات، من حضور الوثائق والكتب في حياة الجدّ والوالد ومكتبة البيت الهائلة، إلى استذكار زياراته طفلاً إلى شارع المتنبي البغدادي الشهير الذي يفيض بأكشاك بيع الكتب، جديدة وقديمة، واقتناءه الكتب العتيقة التي كانت أقل سعراً، ليكفي مصروف الطفل عدداً أكبر من الكتب. "من هنا بدأت الرابطة بالكتب القديمة"، يقول. في مرحلة لاحقة، فوجئ يعرب بصفحات متخصصة للأرشيف السوري والفلسطيني وسواها، تعرض محتواها بشكل جذاب على منصة انستغرام، وفكّر على الفور أنه من المهم والضروري أن يكون هناك مَن يقدِّم الأرشيف العراقي للعموم. في عام 2021، افتتح صفحة "الأرشيف العراقي للمطبوعات"، وكبر المشروع مذّاك من اهتمامٍ فردي إلى مبادرة جماعية تطوّعية مستقلّة، تقدّم نفسها بصفتها "مشروعاً وطنياً"، غايته حفظ الوثائق من الاندثار.


السنة الرابعة، آب/ أغسطس 1979. من صفحة "الأرشيف العراقي للمطبوعات".
في حديث مع السفير العربي، يقول عبد الله مجيد، مدير التخطيط والجدولة في "الأرشيف العراقي للمطبوعات"، إنّ فريق العمل يأخذ المواد من مصادر متنوعة، ويشتري مواداً من ماله الخاص في غياب أي دعمٍ خارجي. "هذه المواد تمرّ لاحقاً بمراحل للجرد والأرشفة، والترميم حيث الحاجة، ثم النشر على الصفحة"، يؤكد مجيد، أن المشروع "مبادرة وإيمان شخصي من أفراد تجاه قضية "حفظ الذاكرة العراقية".
يحتوي الأرشيف على عدد هائل من المواد النادرة والثمينة والوثائق والمقالات الصحافية التي تتعلق بأحداث سياسية، ومقالات لشخصيات أكاديمية مهمة. يشير عبد الله مجيد بشكل خاص إلى مجموعة من اللوحات لفنانين عراقيين وعرب، منهم ضياء العزاوي وليلى العطار، كانت تزين أغلفة مجلات عراقية في فترات متنوعة، وإلى وثائق عن أحداث سياسية سابقة لزمن الرقمنة وندر من اطّلع عليها.
بالإضافة إلى ذلك، تحتوي مجموعاته أرشيفاً صورياً للجيش العراقي خلال حرب الثماني سنوات (الحرب العراقية-الإيرانية)، وأرشيف صوري لحياة ويوميات المجتمع العراقي وتوثيقاً صورياً للمدن والنواحي العراقية.

أرشيف منهوب تجب استعادته
عند الغزو الأميركي للعراق، تعرضت الأرشيفات الوطنية لعملية طمس ممنهجة. طالت ألسنة اللهب المكتبات الوطنية ودور الوثائق والنشر ليس فقط في بغداد، إنما في مختلف المحافظات العراقية. ما لم يدمّر أو يُحرق، أتاحه الجيش الأميركي وعرّضه للنهب. أرسل الأميركيون الغزاة فرقة خاصة لحماية وزارة النفط والمنشآت، وسوى ذلك، تُرِك عمداً للنُهّاب.
كانت الطامّة الكبرى سرقة المتحف العراقي الوطني في نيسان/ ابريل 2003، واكتشاف عدم إمكانية الوصول إلى وثائق شاملة تؤرشف القطع لمعرفة المسروق منها، ما اضطر الباحثين للجوء إلى لوائح جزئية من جهات غير عراقية (مثل الاونيسكو) وإلى كتاب "كنوز المتحف العراقي" الذي أنقذ الأرشيف من الضياع، لمؤلفه المدير السابق للمتحف، الدكتور فرج بصمه جي. حادثة مثل هذه تكشف فداحة النقص والخطورة الجدية للثغرات الأرشيفية ولاختفاء (سرقة) جزء من سجلّات الدولة العراقية وأثرها الكارثي على دراسة التاريخ والحقائق وتراث وثقافة البلاد وسلامة الأبحاث، بل أيضاً لرؤية شعبٍ ما لنفسه وتاريخه.
العائدون من الحياة إلى الحياة!
03-06-2024
النكبة ونكبة اليهود العراقيين: نفي المنفى؟
13-05-2017
في مقابلة ضمن بودكاست "سوالف ليل"، يجيب الباحث محمد يعرب عن سؤال حول مصير الأرشيف اليهودي العراقي بالتحديد، ويذكر حادثة كادت فيها هذه الوثائق تُتلف تماماً إبان الغزو الأميركي عام 2003. دخل جنود أميركيون إلى مبنى المخابرات المقصوف ووجدوا في إحدى غرفه وثائق الأرشيف اليهودي العراقي عائمة على الماء بنتيجة الأضرار التي طالت المبنى، فقاموا بنقلها إلى مركز لترميم الوثائق في ولاية تكساس في الولايات المتحدة بحجّة "إنقاذ الوثائق من التلف". يشير يعرب إلى أن ذلك حدث في غياب أي تفويض عراقي وبدون إذن رسمي من وزارة الثقافة أو هيئة الآثار العراقية. كما أن الولايات المتحدة لم تستجب للطلب العراقي باستعادة هذه الوثائق، حتى بعد ترميمها، مشيراً إلى أن "إسرائيل" تحاول نهب ما تبقى من الأرشيف العراقي اليهودي.

عقبات.. واستمرار
هذا جانب واحد فقط من المشكلة، إذ يشير لنا عبد الله مجيد أنه بالإضافة إلى ما ضاع في الغزو، من الملاحَظ أن هناك تقاليد من "محو ما سبق" تبنّتها الأنظمة المتعاقبة في العراق على اختلافها، وهو ما عرّض الأرشيف للإهمال والتجاوز.
في المجتمع أيضاً، يميل الناس – أحياناً لأسباب أمنية مفهومة - إلى التخلص من الوثائق والمجلات والصحف التي صدرت تحت نظام قديم. في العراق، قد يعني ذلك أن تقوم العائلات بإتلاف أو إحراق ما لديها من مطبوعات. هذه العوامل كلها تساهم في جو عام يبدو "معادياً" للأرشفة، بحيث تكون استعادة صفحة من مقابلة ما كافية لإثارة وتأجيج المشاعر والنعرات، على الرغم من اعتماد منهج أرشيفي علمي يتوخى الحياد. كل هذه العناصر تتضافر لتخلق مزيداً من العوائق أمام مشروعٍ كهذا.
على الرغم من وجود أكثر من 12 ألف وثيقة متنوعة لدى الأرشيف حتى اللحظة، حسب مدير التخطيط عبد الله مجيد، وعلى الرغم من بناء إطار مؤسساتي للمشروع، إلا أن العمل ما يزال تطوعياً، مما يضع االمشروع أمام تحديات الاستمرار.

"نشتري المطبوعات ونوثِّقها، بالأخص لأن المطبوعة لها عمرُ "فيزيائي"... المطبوعات ينبغي حفظها في أماكن ذات شروط محددة، في حرارة معينة ومع معالجة الرطوبة في محيطها. بعضها تحتاج إلى ترميم ومعالجة"، يقول مجيد. "سواء اهتمّ المحيط أم لا، نحن نرى أن من مسؤوليتنا حفظ وحماية أرشيفنا. قد تكون هذه مواد مهمة لسرديتنا التاريخية، للمستقبل. قد تكون هذه وثائق مهمة ومواد بحثية ضرورية. نشعر بأهمية جمعها وتوثيقها قبل أن تندثر".
تتكرر كلمة "ذاكرة" في تقديم الأرشيف لمواده المختلفة على انستغرام، ومع كلّ لمحة عامة وسياقية مكتوبة نصاً إلى جانب وثيقة من الوثائق. يحاول المتطوعون إعادة الاعتبار إلى الأرشفة وتوظيفها للفائدة العامة – الأرشفة بوصفها مرآة وعدسة مهمة لفهم الماضي وبالتالي الحاضر.



