الوجوه المتناقضة للحرب في ضوء أحداث حضرموت

أفضت الأحداث إلى قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بإنهاء اتفاقية الدفاع المشترك بين اليمن والإمارات، وإلى صدع عميق في مجلس القيادة الرئاسي، الذي تعهد عند تشكيله بإخراج البلاد من حالة الحرب. وأفضت إلى صدع عميق بين السعودية والإمارات، بعد سنوات من تكذيب التكهنات بوجود تباين حاد بين سياستيهما في اليمن. كما أفضت إلى التهديد بتسريع انفصال الجنوب، وزعزعة أيّ أمل في إمكانية الحل السياسي. أين سيصب مسار هذا الانقسام الانشطاري؟ إلى أيّ مدى ستستفيد منه إسرائيل مثلاً؟ كيف سيطوِّعه دونالد ترامب لصالح الولايات المتحدة الأمريكية؟ في ضوء المعطيات الراهنة، لا يبدو مستقبل اليمن واعداً بشيء، غير جولات الحرب ومزيد من التشظي.
2026-01-08

لطف الصَّرَاري

قاص وصحافي من اليمن


شارك
ميناء المكلا عقب قصف الطيران السعودي آليات عسكرية وصلت إليه على متن سفينتين من ميناء الفجيرة الإماراتي دعماً للمجلس الانتقالي-31 كانون الأول 2025. المصدر: موقع روسيا اليوم

في غضون بضعة أيام، اشتعلت الأرض والسماء في حضرموت. تصدّرت الأحداث التي انفجرت في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر 2025، نشرات الأخبار المحلية والإقليمية والدولية، وقبل ذلك، تصدرت قوائم الأولويات لدى الدول المنخرطة في الشأن اليمني، وأبرزها السعودية والإمارات.

حدث ما كان الجميع يخشاه، وما حذّر منه كثيرون: اشتعل الفتيل المبتلّ بالنفط، واندلعت مواجهات مسلحة مباشِرة، بين المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزُّبيدي، وحلف قبائل حضرموت بقيادة عمرو بن حبريش.

كيف اشتعل هذا الفتيل إذَاً، ومن الذي قدح الزناد؟

لم تُفسح الأحداث المتسارعة والمتشعّبة مجالًا لطرح سؤال كهذا، وبدا أنّ جميع الأطراف لم تعد تهتم بتحديد هوية مُشعِل الحريق، لأنّ جميعها اعتادت على اللعب بالنار حول الفتيل، وبالقرب منه، على مدى عشر سنوات. صار التركيز الآن منصبّاً على المسار أو المسارات المحتملة للأحداث، ليس في حضرموت وحدها، بل في جغرافيا جنوب اليمن عموماً، وكيف سينعكس ذلك على الشمال، وعلى الصورة الكبيرة للدولة المعترف بها دولياً: الجمهورية اليمنية.

مع ذلك، ووسط فوضى الأحداث والضخّ الإعلامي المهول، الذي تختلط فيه الوقائع الحقيقية بالشائعات، تبقى هناك أحداث مفصلية كافية لمحاولة الفهم.

في تموز/ يوليو 2024، كثّف حلف قبائل حضرموت تحركاته في منطقة وادي حضرموت وصحرائها، مهدّداً بـ"وضع اليد على الأرض والثروة"، في حال لم يستجب مجلس القيادة الرئاسي لمطالبه. بعد فترةٍ قصيرة، نفّذ الحلف تهديده، وبسط سيطرة جزئية في المنطقة التي توجد فيها حقول النفط، جنباً إلى جنب مع قوات المنطقة العسكرية الأولى. انصرفَت الأنظار بعد ذلك عن كبرى محافظات اليمن وأغناها بالنفط. لكن من الواضح أنّ حلف قبائل حضرموت لم يكن راضياً عن أداء المحافظ السابق، مبخوت بن ماضي، كما ظلّ حذراً من تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي لا يزال يحاول توسيع نفوذه في حضرموت، عسكرياً عبر المنطقة العسكرية الثانية وقوات "النخبة الحضرمية"، وسياسياً عبر افتتاح مزيد من المكاتب التابعة له، واستقطاب وتنسيب مزيدٍ من الأعضاء على الطريقة الحزبية تماماً.

هل هذا ما قدح الشرارة الأخيرة؟

في 29 أيلول/ سبتمبر 2025، أصدر رئيس حلف قبائل حضرموت، قراراً قضى بتشكيل ثلاثة ألوية عسكرية، ضمن ما سمّاها "قوات حماية حضرموت"، وهي قوات سبق أن شكّل نواتها الأولى في حزيران/ يونيو 2024. بهذا القرار، صار قوام "قوات حماية حضرموت" أربعة ألوية عسكرية، وهو ما أثار كثيراً من التساؤلات حينها عن هذه الألوية وعمّن يمولها، وعن شرعية تشكيلها وشرعية الصفة التي وقّع بها بن حبريش ذلك القرار: "القائد الأعلى لقوات حماية حضرموت".

لم تُفسح الأحداث المتسارعة والمتشعّبة مجالاً لطرح سؤال المسئولية عن بدء الاصطدام، وبدا أنّ جميع الأطراف لم تعد تهتم بتحديد هوية مُشعِل الحريق، لأنّ جميعها اعتادت على اللعب بالنار حول الفتيل، على مدى عشر سنوات. صار التركيز الآن منصبّاً على المسار أو المسارات المحتملة للأحداث، ليس في حضرموت وحدها، بل في جغرافيا جنوب اليمن عموماً، وكيف سينعكس ذلك على الشمال، وعلى الصورة الكبيرة للدولة المعترف بها دولياً: الجمهورية اليمنية.

في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، أقام المجلس الانتقالي الجنوبي احتفالات في جميع المحافظات الجنوبية بمناسبة الذكرى الثانية والستين لثورة 14 أكتوبر 1962، ضد الاستعمار البريطاني. أقيمَت فعالية حضرموت بمدينة شبام التاريخية، وهي ضمن مناطق وادي حضرموت الذي يحظى فيه حلف القبائل بنفوذ أكبر من المجلس الانتقالي. إضافة إلى هذه الفعاليات، أقام المجلس الانتقالي عرضين عسكريين لقواته في محافظتَي شبوة وأبين. قبل هذين العرضين، وتحديداً في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، كان رئيس المجلس، عيدروس الزُبيدي، قد قال في مقابلة مع قناة "الحرّة"، إنّ لدى المجلس "قوات جنوبية فاعلة على الأرض". إلى حدٍّ مّا، أسهب الزُبيدي في الحديث عن "القوات الجنوبية"، التي قال إنّها تنتشر في الجبهات لمواجهة الحوثيين ومكافحة الإرهاب، وإنها "تعمل بتنسيق مباشر" مع "التحالف العربي، وبالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية".

في المقابلة نفسها، قال الزُبيدي ما سوف تفسّره الإجراءات التي اتّخذها بعد قرابة ثلاثة أشهر، عقب الضغط السعودي - سياسياً وعسكرياً - على المجلس الانتقالي للانسحاب من حضرموت: "نحن نمرّ بمرحلة انتقالية اتحادية بين الشمال والجنوب تتخللها عملية سياسية معقدة". وكرّر أيضاً الحديث عن ضرورة أن تُفضي العملية السياسية في اليمن إلى "حل الدولتين" - أي العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الوحدة بين الشمال والجنوب في 22 أيار/ مايو 1990.

غليان المِرْجل في عيد الاستقلال

طوال تلك الشهور، ظلّت الأوضاع في حالٍ من الترقّب الحذر، لكن النار كانت لا تزال مشتعلة وتُنذر بالغليان. في سياق عدم رضى حلف قبائل حضرموت عن أداء المحافظ السابق، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، قراراً جمهورياً في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، بتعيين سالم الخنبشي محافظاً للمحافظة. يمكن النظر إلى هذا القرار باعتباره أيضاً محاولة لتهدئة التوتر، الذي كان يتصاعد بين المجلس الانتقالي وحلف القبائل. لكن يبدو أنّ السيف سبق العذَل كما يُقال. ذلك أنّه أُصْدِر قبل ثلاثة أيام فقط من الذكرى الثامنة والخمسين لإعلان استقلال جنوب اليمن عن الاستعمار البريطاني، وإعلان تأسيس جمهورية اليمن الجنوبية: 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967. حساسية هذه المناسبة واضحة من خلال ارتباطها بخطاب ونهج المجلس الانتقالي الجنوبي، الساعي إلى استعادة تلك الدولة، باعتبارها كياناً منفصلاً عن الشمال، وباسم جديد لم يُحسم نهائياً بعد، لكنّ المُتداول حالياً ضمن أدبيات المجلس هو مسمّى "دولة الجنوب العربي". رئيس المجلس، عيدروس الزُبيدي، أكّد هذه التسمية في المقابلة التي أجرتها معه قناة "الحرّة"، كما أكّد أنّه "لن يكون هناك مسمّى "يمن" في الجنوب".

مع اقتراب هذه المناسبة الوطنية، شهدت المحافظات الجنوبية نشاطاً كثيفاً للمجلس الانتقالي، استعداداً لإقامة الاحتفالات، وتحوّلت أماكن الاحتفال بذكرى إعلان الاستقلال إلى ساحات اعتصام مفتوح، رُفِعت فيها لافتات باسم أهالي المحافظات تطالب المجلس الانتقالي بإعلان "دولة الجنوب العربي". في تلك الأثناء، كان حلف قبائل حضرموت يُعدّ عدّته بالمقابل.

في عدن، وفي يوم عيد الاستقلال، أقام المجلس الانتقالي الجنوبي عرضاً عسكرياً، حضره عيدروس الزبيدي، لوحدات من القوات التابعة للمجلس. وفي حضرموت، أقام مهرجان عيد الاستقلال في مدينة سيئون. بدا أن التوتر الآخذ بالتصاعد يتسرب في كلمات قادة المجلس الانتقالي الذين حضروا الفعالية. كان هناك تلميح باقتراب أوان إخراج القوات التي "أطلقت النار بالأمس على المدنيين والمنازل"، في إشارة إلى جنودٍ من المنطقة العسكرية الأولى، أطلقوا النار على فعالية للمجلس الانتقالي في سيئون قبل حوالي سنتين. وكان هناك إعلان عن أنّ الحشود التي حضرت الفعالية "تفوّض القوات المسلحة الجنوبية"، بإخراج "القوات الغازية" من حضرموت، في إشارةٍ أيضاً إلى قوات المنطقة العسكرية الأولى.

في هذا السياق، تربط قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي وأنصاره وجود هذه المنطقة العسكرية بحرب صيف 1994، التي شنّها نظام الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح على الجنوب، بالتحالف مع حزب التجمع اليمني للإصلاح - شريكه في الحكم آنذاك.

قال رئيس المجلس، عيدروس الزُبيدي، في مقابلة مع قناة "الحرّة"، إنّ لدى المجلس "قوات جنوبية فاعلة على الأرض". وأسهب الزُبيدي في الحديث عن "القوات الجنوبية"، التي قال إنّها تنتشر في الجبهات لمواجهة الحوثيين ومكافحة الإرهاب، وإنها "تعمل بتنسيق مباشر" مع "التحالف العربي، وبالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية".

لدى حزب الإصلاح قاعدة شعبية في الجنوب، عمل على تأسيسها منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين الفائت. لديه أيضاً حضور في البُنية السياسية والعسكرية للدولة الموحدة عن طريق كوادر مدنية وعسكرية موالية له، من الشمال ومن الجنوب معاً. ترسّخ هذا الحضور باتفاق تقاسم السلطة الذي أعقب ثورة 11 شباط/ فبراير 2011، بموجب المبادرة الخليجية. وبعد الانقلاب المتدرّج لجماعة "أنصار الله"/ الحوثيين على سلطة الرئيس عبد ربه منصور هادي، من أواخر سنة 2014 إلى مطلع 2015، غادرت الكوادر القيادية لحزب الإصلاح صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين، إلى عدن ومأرب والجزء الغربي من تعز، وإلى محافظات أخرى أيضاً، بينها حضرموت وشبوة. وفي مستوى الحكومة المعترف بها دولياً، التي اتّخذَت من عدن عاصمةً مؤقتة، ظل حزب الإصلاح محتفظاً بكتلةٍ برلمانية تزيد على 40 عضواً، وحقائب وزارية مهمّة، حتى بعد إعادة تقاسم الحقائب الوزارية مناصفةً بين قوى الجنوب وقوى الشمال، بموجب "اتفاق الرياض 2019". وإلى ذلك، احتفظ حزب الإصلاح بكثير من القادة العسكريين والأمنيين الموالين له، وأبرزهم اللواء علي محسن صالح، الذي ظلّ في منصب نائب رئيس الجمهورية من 3 نيسان/ أبريل 2016 إلى يوم إعلان نقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي في 7 نيسان/ أبريل 2022. يحتفظ الحزب كذلك بعلاقات دولية جيّدة مع المملكة العربية السعودية، وأكثر من جيّدة مع قطر وتركيا.

من خلال أسماء القادة العسكريين، الذين تعاقبوا على قيادة المنطقة العسكرية الأولى، من الواضح أن لحزب الإصلاح حصّة في ولائهم، لكن يبدو أن مهارة الحزب ذي الطابع الديني القبلي في التعامل مع الحساسيات الجِهَوية للقبائل عموماً، أعلى من مهارة المجلس الانتقالي الجنوبي. لذلك، توصّلَت قيادة المنطقة العسكرية الأولى، إلى تفاهمات مع حلف قبائل حضرموت، لتجنّب المواجهة العسكرية، عندما حشد مقاتليه في السنة الماضية للسيطرة على حقول إنتاج النفط. ربّما لعبَت السعودية دوراً في تلك التفاهمات، بما في ذلك نشر وحدات من قوات "درع الوطن" المدعومة من السعودية، وتخضع للإشراف المباشر من رئيس مجلس القيادة الرئاسي.

في الجانب الآخر، حضرموت الساحل، تنتشر المنطقة العسكرية الثانية، المدعومة بوضوح من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة. وبهذا الوضوح الذي زادته جلاءً أحداث حضرموت وتداعياتها، تدعم الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي. في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر، أعلن المجلس الانتقالي عن بدء عملية عسكرية، أطلق عليها اسم "المستقبل الواعد"، وهدفها "تحرير صحراء ووادي حضرموت"، ممّا سمّاها "القوات الدخيلة"، التي اتّهمها بالإخلال بالأمن وتسهيل تهريب الأسلحة للحوثيين، وإيواء "تنظيمات متطرفة من داعش والقاعدة". وبحسب البيان الذي أصدره المجلس في اليوم التالي لإطلاق تلك العملية، قال إنه استنفد "كافة الخيارات لإعادة الاستقرار لوادي حضرموت". كما برر العملية بأنها لإنهاء "التمرد" الذي يتزعمه الشيخ القبلي عمرو بن حبريش.

جولة حرب خاطفة نحو "المستقبل"!

جرت الأحداث بتسارع دراماتيكي مُربك. خلال اليوم الأول، سيطرت قوات المنطقة العسكرية الثانية و"النخبة الحضرمية" على معظم المناطق في حضرموت الوادي والصحراء، بما في ذلك مدينة سيئون بالكامل، ومقرّ المنطقة العسكرية الأولى ومقرّات عدد من الألوية والمعسكرات التابعة لها. بدا أن المجلس الانتقالي وقواته والقوات الموالية له، في طريقهم إلى السيطرة الكاملة على محافظة حضرموت، وهو ما تمّ بالفعل في أقلّ من أسبوع، مع امتداد السيطرة إلى محافظة المهرة المجاورة.

في اليوم التالي لبدء العملية العسكرية، وعلى إثر تصريح رئيس حلف قبائل حضرموت بعزمه على مواجهة قوات الانتقالي، خاصة مع اقترابها من حقول النفط، تدخلت الرياض بدعم جهود وساطة محلية بإشراف وفد أمني سعودي. أسفر ذلك عن اتفاق تهدئة، جرى إبرامه في المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، لكن المواجهات استمرت، وسيطرت قوات المجلس الانتقالي على حقول النفط. تضاربت الأنباء حول انسحاب رئيس حلف قبائل حضرموت إلى السعودية، لكن المكتب الإعلامي للحلف أفاد بأنها زيارة بناء على دعوة رسمية. هكذا استمر التسارع الدراماتيكي للأحداث، متزامناً مع رفض الانتقالي الانسحاب من المواقع التي سيطر عليها واستمرار الفعاليات الشعبية المؤيدة له، وصولاً إلى مفاجأته بقصفٍ جوي سعودي على قواته. هنا دخلت الأحداث طوراً أكثر تعقيداً بعد مضيّ أكثر من عشرين يوماً على بدايتها.

شهدت المحافظات الجنوبية نشاطاً كثيفاً للمجلس الانتقالي، استعداداً لإقامة الاحتفالات، وتحوّلت أماكن الاحتفال بذكرى إعلان الاستقلال إلى ساحات اعتصام مفتوح، رُفِعت فيها لافتات باسم أهالي المحافظات تطالب المجلس الانتقالي بإعلان "دولة الجنوب العربي". في تلك الأثناء، كان حلف قبائل حضرموت يُعدّ عدّته بالمقابل.

أصدرت الخارجية السعودية بياناً في 26 كانون الأول/ ديسمبر، بررت فيه قصفها لقوات الانتقالي بأن تحركاته أحادية وغير منسقة مع قيادة التحالف العربي ومجلس القيادة الرئاسي. شكلياً، استخدم المجلس الانتقالي الصفة الرسمية لرئيسه في مجلس القيادة الرئاسي، بوصفها مساراً قانونيًا لعمليته العسكرية، حتى إن تناولاته الإعلامية للأحداث تسمي قواته بــ"القوات الحكومية الجنوبية". لكن على مستوى العقيدة السياسية للمجلس، فإن شرعية تحركه نابعة من كونه الحامل السياسي للقضية الجنوبية، واستعادة دولة الجنوب. قالت السعودية في بيانها إنها عملت مع دولة الإمارات لمحاولة التهدئة، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه، لكنها ما لبثت أن أصدرت بياناً آخر بعد أربعة أيام من البيان الأول، اتهمت فيه الإمارات بالضغط على المجلس الانتقالي لمواصلة سيطرته على محافظتي حضرموت والمهرة. حذر هذا البيان من المساس بالأمن القومي للسعودية، وتوعد بعدم التساهل إزاء أي خطر يهدده. وبالمقابل، ردّت الخارجية الإماراتية ببيان، أبدت فيه أسفها لما وصفته بـ"المغالطات الجوهرية" في البيان السعودي، وإنكار دور الإمارات في اليمن.

مآلات قاتمة

في آب/ أغسطس 2019، عندما اندلعت مواجهات عسكرية دامية بين المجلس الانتقالي والحكومة المعترف بها دولياً، سيطر المجلس على محافظات عدن والضالع ولحج وأجزاء واسعة من أبين. خاض أيضاً معارك شرسة للسيطرة على شبوة. وعندما حشدت الحكومة قواتها لإعادة السيطرة على عدن، قصف سلاح الجو الإماراتي تلك القوات وهي على مشارف المدينة. يعيد القصف السعودي الآن لقوات المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، تلك المرحلة من الحرب إلى الأذهان. للحرب في اليمن أكثر من وجه، تتداخل فيها الخطوط والألوان وفقاً لمصالح الأطراف الإقليمية والدولية في البلاد. أحداث حضرموت تكشف بعض تفاصيل هذه الوجوه المتناقضة، لكن من يرى؟ العمى هو سيد المشهد بالنسبة إلى الأطراف المحلية المتصارعة.

أفضت الأحداث في تسلسلها الشبيه بالفنتازيا، إلى قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بإنهاء اتفاقية الدفاع المشترك بين اليمن والإمارات، وإلى صدع عميق في مجلس القيادة الرئاسي الذي تعهد عند تشكيله بإخراج البلاد من حالة الحرب. أفضت إلى صدع عميق بين السعودية والإمارات، بعد سنوات من تكذيب التكهنات بوجود تباين حاد بين سياستيهما في اليمن. أفضت إلى التهديد بتسريع انفصال الجنوب، وزعزعة أيّ أمل في إمكانية الحل السياسي.

أين سيصب مسار هذا الانقسام الانشطاري؟ إلى أيّ مدى ستستفيد منه إسرائيل مثلاً؟ كيف سيطوعه دونالد ترامب بسياسته الانتهازية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية؟ في ضوء المعطيات الراهنة، لا يبدو مستقبل اليمن واعداً بشيء، غير جولات الحرب ومزيد من التشظي.

... التحول كبير جداً ومتشعب، بينما لا تزال الأحداث تتناسل منذ أكثر من شهر. وهناك في الافق المرتقب مؤتمر حوار في الرياض على خلفية الأحداث، وتوقع إعلان المجلس الانتقالي مرحلة انتقالية من سنتين، تبدو أقرب إلى مهلة لحل القضية الجنوبية بالطريقة التي يريدها المجلس، أو اعتبار "دولة الجنوب العربي" قائمة تلقائياً بموجب "إعلان دستوري" يعلن بالفعل بالتزامن مع إعلان المرحلة الانتقالية المشار إليها.

هناك في هذا الصدد، صراع إرادات أصبح مكشوفاً بين السعودية والإمارات في اليمن، في حين يُلقي الثقل الإقليمي والدولي للدولتين بغلالة قاتمة على استشراف ما ستؤول إليه الأحداث.

مقالات من اليمن

للكاتب/ة