بعد أسابيع من السكون، نشط مجدداً مسرح العمليات العسكرية في إقليم كردفان، الذي يشهد عمليات عسكرية متصلة، فتحول، مع اشتداد القتال، إلى مسرح عمليات شرس ومتقلب، إذ تتبادل الأطراف السيطرة فيه على مواقع ذات أهمية استراتيجية.
ويُعتبر إقليم كردفان، الغني بالثروة الحيوانية، والمحاصيل، والنفط، ذا موقع حاسم في جغرافيا السودان وفي خارطة السيطرة ومصير الحرب. وهو يربط وسط البلاد بغربها، علاوة على أنه متاخِم لدولة جنوب السودان.
ولكونه حاسماً في خارطة هذه الحرب، يستميت الطرفان على القتال فيه، مما يستنزف قدرات الطرفين القتالية والبشرية.
انتقال ثقل المعارك من دارفور إلى كردفان
منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2025، حينما سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر شمال دارفور، وهي آخر معاقل الجيش والقوة المشتركة في الإقليم، دخلت الحرب فعلياً مرحلة جديدة، إما أن تكون مرحلة تصعيد عسكري أكثر شراسة، خاصة مع تضاؤل فرص الحل السياسي، وضعف الاستجابة للمبادرات المطروحة، وإمّا أن توقظ هذه المرحلة الخطيرة المبادرات المطروحة أصلاً، مما يمهّد لوضع جديد، يوقف إطلاق النار بشكل شامل في البلاد، ويقود بالتالي إلى اتفاق نهائي... أو مؤقت.
لكن السيطرة على الفاشر بعد عامين ويزيد من الحصار، أغرت قوات الدعم السريع بالتمدد داخل إقليم كردفان، موظِّفة في ذلك الروح المعنوية وسط المقاتلين، بعد إحكام سيطرتها على إقليم دارفور. وزحفت هذه القوات فعلياً وأكملت سيطرتها على مدينة بابنوسة في غرب كردفان، حيث رئاسة فرقة الجيش المحاصَرة هناك منذ حوالي عامين، ثم تمددت لتسيطر على مدينة هجليج في الشهر نفسه، كانون الأول/ ديسمبر المنصرم، لتكتمل سيطرتها على ولاية غرب كردفان المتاخمة لدولة جنوب السودان، التي تعتبر معقلاً رئيسياً لمجموعات قبائل المسيرية، ثاني كتلة قبلية داخل قوات الدعم السريع.
ويبدو أن ثقل المعارك سينحصر في شمال وجنوب كردفان، وهو ما ينبيء باستمرار العمليات العسكرية في هذا الإقليم الملتهب. وفي جنوب كردفان، ربما يواجه الجيش صعوبة أكبر من شمال الإقليم، حيث تسيطر الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، على أجزاء واسعة في جنوب كردفان، وهي الآن حليفة لقوات الدعم السريع.
الواقع أنه لا توجد مبادرة جديدة، ولم يطرح بن سلمان أية ورقة أو رؤية جديدة، فهو فقط طلب تدخلاً أمريكيّاً حاسماً في ملف السودان، ولكن عبر المملكة العربية السعودية.
السؤال الملح الآن، بعد إكمال قوات الدعم السريع سيطرتها على دارفور وتمددها في كردفان، مقابل مساعي الجيش، إلى كسب مناطق جديدة، وفك الحصار عن أخرى، هو : هل يتجه السودانيون إلى الحلقة الأخيرة من هذه الحرب، أو أنهم أمام مرحلة جديدة منها؟
ويحتاج الجيش إلى الانفتاح بشكل أكبر في هذا الإقليم، بغية اتقاء شر الحصار الذي يمكن أن تضربه قوات الدعم السريع وحلفاؤها على مدن رئيسية. وبالمقابل، فأي انفتاح للجيش في إقليم كردفان يعني بالنسبة إلى قوات الدعم السريع الضغط على دارفور، وتهديداً مباشراً لكل ما حصدته خلال الشهور الفائتة. وهذا سيجعل قوات الدعم السريع حريصة على السيطرة على مناطق أكثر في كردفان. وقد تلجأ قوات الدعم السريع إلى خطة شد الأطراف لتشتيت جهود الجيش، فها هي بوادر جبهة جديدة في الجنوب الشرقي للبلاد، المتاخمة لإثيوبيا، حيث رُصدت مركبات قتالية وقاطرات محملة بالسلاح وصلت إلى تلك المناطق، وهي مناطق قريبة من مواقع سيطرة الحركة الشعبية، حليفة قوات الدعم السريع.
والسؤال الملح الآن، بعد إكمال قوات الدعم السريع سيطرتها على دارفور وتمددها في كردفان، مقابل مساعي الجيش إلى كسب مناطق جديدة وفك الحصار عن أخرى، هو : هل يتجه السودانيون إلى الحلقة الأخيرة من هذه الحرب، أو أنهم أمام مرحلة جديدة منها؟
تجدد المبادرات واستمرار التصعيد العسكري
رمت المملكة العربية السعودية بثقلها في مبادرات إنهاء الحرب في السودان، وهي أصلاً ليست بعيدة من الملف، لكن فاعليتها كانت ضمن عدد من الدول، التي انتظمت تحت اسم "الرباعية"، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، وهي المبادرة التي تمسكت الحكومة السودانية برفضها المطلق، بحجة وجود الإمارات العربية من ضمنها. لكن خلال زيارة ولي العهد السعودي الأخيرة إلى واشنطن، طلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل في ملف السودان، وفي الحال استجاب ترامب لرغبة بن سلمان.
"بوصلة" القاهرة السودانية: جولة أفق
21-09-2024
وبعد دقائق معدودة من بث الخبر في القنوات الفضائية، رحب رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، بالمبادرة وشكر بن سلمان وترامب، وهو ما يشير إلى تنسيق مسبق بين الرياض والخرطوم. والواقع أنه لا توجد مبادرة جديدة، ولم يطرح بن سلمان أية ورقة أو رؤية جديدة، فهو فقط طلب تدخلاً أمريكيّاً حاسماً في ملف السودان، ولكن عبر المملكة العربية السعودية، وفعلياً قال ترامب: إنه سيفعل ذلك، بناء على رغبة بن سلمان.
ويُفهم طبعاً وفقاً لحسابات السياسة الدولية، أن استجابة ترامب سيحدّدها حجم المصالح بين الرياض وواشنطن: بن سلمان يرغب في انتزاع دور محوري في السودان، بعدما توغلت فيه الإمارات العربية المتحدة، وهو يعلم أن مباركة هذا الدور لن تأتي إلا من واشنطن.
زحفت قوات الدعم السريع فعلياً، لتستكمل سيطرتها على مدينة بابنوسة غرب كردفان، حيث رئاسة فرقة الجيش المحاصَرة هناك منذ حوالي عامين، ثم تمددت لتسيطر على مدينة هجليج في الشهر نفسه، كانون الأول/ ديسمبر المنصرم، لتكتمل سيطرتها على ولاية غرب كردفان المتاخمة لدولة جنوب السودان، التي تعتبر معقلاً رئيسياً لمجموعات قبائل المسيرية، ثاني كتلة قبلية داخل قوات الدعم السريع.
وعلى الرغم من الزخم الكبير، الذي صاحب استجابة الرئيس ترامب لطلب بن سلمان، إلا أن الأصوات سرعان ما خفتت، وانزوت هذه المبادرة التي لم تتعدَ منصات الحديث للإعلام، ليغادر بعدها البرهان إلى تركيا، ويطلق من هناك تصريحات تصعيدية جديدة، واشتراطات عالية السقف لأية عملية حل سلمي للحرب.
وإن كانت تصريحات ومواقف البرهان المتقلبة، قديمة ومتجددة، إلا أنها تناقض بشدة الواقع العسكري الحالي على الأرض، علاوة على أنه أطلق هذه التصريحات من تركيا، وهذا ما فتح باب التكهنات حول أهداف ونتائج زيارة البرهان، التي تشير المعلومات إلى أنه حسم فيها صفقة سلاح ضخمة. ونشير هنا إلى أن الطائرات التركية المسيّرة (بيرقدار) حققت فرقاً عسكرياً كبيراً لصالح الجيش في عدة محاور قتالية.
"سودان، يا غالي".. هتافات قطعها أزيز الرصاص
04-12-2025
ومع انزواء أصوات مبادرات الحل السلمي، يبدو واضحاً أن المسار العسكري سوف يشهد تصعيداً جديداً في مسرحه، إقليم كردفان. ومما لا شك فيه أن الطرفين سيدخلان في سباق تسليح جديد، في الطائرات المسيرة ومنظومات الدفاع والتشويش، وهو ما يجعل سيناريو الاستنزاف الطويل الأكثر ترجيحاً في الوقت الراهن، ضمن الخيارات المفتوحة أمام حرب السودان.
وإذا ما استعصت الحلول التفاوضية، وظل التعنت والتشدد سيد الموقف، فقد يتجه المجتمع الدولي إلى فرض حل يراه مناسباً، انطلاقا من تدهور الوضع الإنساني. والحل ربما يصل إلى مرحلة التدخل المحدود.



