فجأةً لم يعُد للوقت معنى، وفجأة يُصبح الزمن أثقل وأكثر إرهاقاً في مروره. ها هي غزّة تُنهي عاماً ثالثًا في قلب المعاناة، بدءاً من 2023 و2024 وحتى 2025، الذي ينتهي باختلافٍ طفيف في شكل الظروف. هذه المرّة تحملُ الثِقل على أكتافها، وتمشي ببُطء.
توقّفت الحرب بالمعنى العام، لكنها ليست كذلك على الأرض. اعتداءاتٌ مُستمرّة تبدأ بتحرّك ما يُسمى "الخط الأصفر"، وتقدّمه مراراً لتقليص أراضي الفلسطينيين، ومُهاجمة النازحين في خيمهم ومدارسهم، أو قصفهم فجأةً من الجو وهم يمشون في الشارع.
عامٌ ليسَ لنا، أم عالمٌ ليس لنا؟
02-01-2025
انتهى العام 2024 بشكلٍ بشع، كان الناس قد استيقظوا على حقيقة أنّ الحرب طويلة ولا معالم لنهايتها، على عكس سابقه 2023، الذي ظنّوا أنها أشهرٌ سريعة قد تنتهي في أيّة لحظة. كانت وطأة بداية العام صعبة حينها، مئات الآلاف غارقون في خيامهم ونزوحهم القسري بين الشَمال والجنوب، بعضُهم محاصَر وجائع، وآخرون في مساحةٍ أضيق من "خُرم الإبرة".
لم يكُن 2025 عاماً سهلًا، فقد دمّرَ فكرة "الأمل" بالنسبة إلى الغزّيين. انتهت الحرب – مؤقتًا - مع بدايته، وظنّ الناس أنها بداية مبشِّرة. عادوا إلى غزّة، حاولوا التعافي قليلاً وتحمّل مشقّة الرُكام، والعودة إلى مناطقهم المدمّرة. لكن كغمضةِ العين، سريعاً ما استيقظوا في إحدى الليالي على شبح الحرب يُلاحقهم من جديد، عادَ مسلسل النزوح، وقُضمت أراضيهم مرةً أخرى.
صارَت بعد ذلك "فكرة نهاية الحرب" خُرافة، فاستوعبوا أنّ أيّة نهاية هي مجرد حدثٍ مؤقت، عابر، كأنها استراحة للطائرات من مهنة القصف الطبيعيّة التي خُلقت لها. لم يصدقّوا، وهذه المرّة - أكثر من العام الفائت - أنهم سيفلتون من هذا الشبح.
النزوح من غزّة: كيف نودِّع المدن؟
05-10-2025
نزحت مدينة غزّة من جديد.. صار أهلها "سيزيف"، يدفعون حياتهم هرباً من الموت والصواريخ، يحملون خيمهم، يدفعون "صخرتهم" إلى الأعلى، فتدفعهم الحرب أقوى وأكثر شدةً إلى الأسفل، فيحاولون إعادة الكرّة. عاشوا المجاعة، كُلهم هذه المرّة، لا الشمال وحدهُ ولا الجنوب، بعد أن قالوا مراراً إنه من الصعب على إسرائيل أمام العالم أن تُجوِّع مليونيْ شخص. علّمتهم هذه الأخيرة معنى "التوقعات الكاذبة".
جرّبوا في عامٍ واحد كلّ شيء: النجاة، الموت، الجوع، النزوح، وأصعب الأحوال: قتل الأمل. عادت النجاة من جديد، انتهت الحرب بعد عشرات المقترحات والمؤتمرات والتصريحات. لم يصدّقوا.
صاروا كلّ يومٍ ينتظرون "عودة الحرب"، كأنّها المخلّص من الحياة المؤقتة، التي استيقظوا على هولِ ألمها. فبعد النزوح الأخير، اكتشفوا أنّ وتيرة التدمير كانت أسرع بعشرات المرّات، وفي أقلّ من شهر دُمّر ثُلثا المدينة. صار الدمار عبئاً أكبر، صارت الحياة أثقل.
اعتادوا على أن يُعلّقوا في كلّ مرة انتظارهم على شيء، حدث، وقت، أمر ما.. مؤتمر أو لقاء، مثلَ لقاء الرئيس الأمريكي الأخير مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، ينتظرون ما بعده، ويسألون: هل سننتقل إلى المرحلة الثانية؟ أو سننتقل إلى ما قبلَ الأولى، مرحلة الحرب؟
علّقوا انتظارهم على تسليم كلّ الأسرى أوّل يوميْن بعد وقف الحرب. قالوا ستعود، لم تعُد، وانتظروا تسليم كلّ الجثامين، وها هم ينتظرون عودتها، بدلاً من انتظارهم المرور إلى الأمان، أو إعادة الإعمار. تمشي في الشارع، وتتأكد أنَّ الجميع ينتظر تسليم آخر جثة لأسيرٍ إسرائيلي - وهي مفقودة ولا يعرف أحدٌ مكانها - حتى تعود الحرب بعدها.
كانوا ينتظرون طوالَ عاميْن نهاية الحرب، وصاروا الآن ينتظرونَ عودتها، كأنّ الزمن بالنسبة إليهم عالقٌ في هذه الأبجدية، أبجدية "الحرب"، ولا يُفارقها.
العبودية الجديدة
06-10-2025
غزة فوق العالم
09-09-2025
ندخل 2026 بطريقةٍ أخرى. نحمل أثقالاً كثيرة، كأنها أثقال البشرية منذُ ما قبلَ الميلاد، خبأتها وخصصتها لنا، بعد ألفين وستةٍ وعشرين سنة.. ننتظر ما لا نعرف، وقد صارَ مصيرنا وتحوّلت حياتنا بيد العالم تحت مُسمى "مجلس السلام"، وانتقلنا من انتظار "انتهاء الحرب" إلى انتظار نهاية حربٍ أخرى، حرب الأمل وديمومة المُعاناة، تحت مُسمى "المرحلة الثانية".
علّها تكون السنة الأفضل لغزّة مقارنةً بالثلاث الأخيرة، ولعلّ أهلها يجدون طريقهم أو يجدهُم العالم وينظُر إلى معاناتهم، أبعد من مُجرد مساعدة غذائية طارئة، ويُدركَ أن للغزيين حياة، وأنهم يدخلون أعوامهم الجديدة مع كلّ البشرية كلّ مرة.



