إعداد وتحرير: صباح جلّول
في الأيام الأخيرة من عام 2025، تحديداً في 24 كانون الأول/ ديسمبر، توفي الفنان، الممثل والمسرحي الفلسطيني محمد بكري عن عمر 72 عاماً. بعده بأيامٍ قليلة فقط، في 27 كانون الأول/ ديسمبر، توفي المخرج السينمائي المصري داود عبد السيّد عن 79 عاماً. قدّم الاثنان معظم سنوات عمريهما في صناعة الفنّ الذي يشتبك بالسياسة والفلسفة والواقع. قدّما جمالاً وفيراً لأجله نتجاوزُ النعي إلى التذكار والاحتفاء بحياتين معطائتين وأعمالٍ حفرت عميقاً في وجدان من شاهدها.
محمد بكري: "ممنوع يسرقوا فرحك"
يمكن للفلسطينيين أن يظهروا منتحبين، ضعفاء، ضحايا بعدسات كاميرات الأخبار والوثائقيات. يمكن أن يكونوا عملة سياسية وأوراق ضغط، تأتي سيرتهم كل حين في النشرات واجتماعات السياسيين، يمكن أن يكون لهم تمثيلٌ ما، لا يتجاوز "المسموح" بحيث لا يكون "مهدِّداً"... لكن أن يقاتلوا بسلاحهم لأجل أرضهم وناسهم مثلاً؟ غيرُ مقبول! أن يحكوا عن أنفسهم بأنفسهم؟ أن يكونوا غاضبين؟ أن يصنعوا كلماتهم وفنونهم وسردياتهم بدون إذنِ العالَم، الذي يحبّ أن يَبقى الضعيف مهذباً في ضعفه؟ غير مسموح! هذه التمثيلات "المسموحة" والمقيّدة والمائعة هي بالذات ما ثار عليه ابن قرية البعنة في الجليل المحتل، الفنان محمد بكري، عندما أراد أن يصنع فنه تمثيلاً وإخراجاً.
الحداثة المعكوسة في الصّورة الفلسطينيّة
28-05-2014
ظهر محمد بكري على الشاشة للمرة الأولى في فيلم غير فلسطيني، هو "هانا ك." (1983)، للمخرج اليوناني-الفرنسي كوستا غافراس. اتُّهم الفيلم بـ"معاداة السامية" لمجرد أن "الفلسطيني" تجرأ على احتلال منصة عالمية لم يعتد العالَم أن يفسح له مجالاً فيها.

قبل السينما، كان المسرح مجاله الفني. محظوظ من تسنّى له رؤيته في عمله المسرحي الأبرز، الذي عالجه مخرجاً وممثلاً، "المتشائل"، المقتبسة من رواية "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"، للأديب الفلسطيني إميل حبيبي.
من الأفلام التي قدم فيها أدواراً تمثيلية، "حيفا" (1995) و"عيد ميلاد ليلى" (2008) للمخرج رشيد مشهرواي و"واجب" (2019) للمخرجة آن ماري جاسر و"حكاية الجواهر الثلاث" (1995) لميشيل خليفي، وغيرها.
عام 2002، أخرج فيلمه الوثائقي "جنين، جنين"، موثِّقاً شهادات أهل مخيم جنين بعد الاجتياح الإسرائيلي للمخيم. هو فيلم أُفردتْ مساحته لكلام الناس، الكبار والصغار، وتجاربهم ورؤيتهم للاحتلال والمخيم والحياة. كرّس هذا الفيلم بالذات محمد بكري كـ"مشاغبٍ" أوّل في عالم الفن والسينما.. كعدوّ للاحتلال الإسرائيلي، غير مستعدٍ لتبنّي التمثيلات النمطية لشعبه وقضيته.
جرّه الاحتلال إلى المحكمة لسنواتٍ ثمناً لعدم مساومته على "جنين جنين". حُظِر الفيلم في كيان الاحتلال ووصلت أصداء التهديدات بالقتل إلى آذان الفنان. "أنا غير نادم"، صرّح للصحافة في إحدى المرات، "ولو عاد الزمان بي إلى الوراء لكنت سأعيد تصوير الفيلم". كان محمد بكري يعلم أن ردّ الفعل ذاك يعني أنه كان على الطريق الصحيح. وهو طريقٌ أكمله حتى آخر عمره.

فيلم "جنين جنين" كاملاً:
بكلماته: "يجب أن يكون من وراء الفن ما هو أهمّ: حياتنا، مصيرنا، مستقبلنا... يجب أن يكون للفنان التزام وانتماء تجاه قضايا وطنه". قال بكري إنّ "التطبيع مع العدو الصهيوني خيانة، والنقاش حوله مسألة مشينة ومرفوضة جملةً وتفصيلاً"، وقال "ليس دور الفنان أن يصمت، بل أن يقول ويُظهِر، أن يكون مشاركاً لا منعزلاً، وأن يكون صادقاً". وعن سؤال "كيف تكون مقاومة هذا الاحتلال؟" كان جواب الفنان الراحل محمد بكري في مقابلة مع قناة "الميادين" بمثابة وصية: "ممنوع يسرقوا فرحك"...
داود عبد السيد: تفاؤلُ "خطير"
"تأتي مساحة الأمل في أفلامي من التفاؤل، ليس على المستوى الشخصي، بل على المستوى الاجتماعي والسّياسي، وعلى مستوى الوطن والحياة عموماً. تفاؤلٌ مستمر لا تتحقّق نتائجه بعد يوم أو سنة". تصلح هذه المقولة للمخرج المصري داود عبد السيد بطاقة تعريفٍ به. بكلمات أخرى، هو "بحثه عما ليس خراباً.. والتمسّك به". لعلها نقطة أخيرة مناسِبةٌ على سطر السنة الماضية واستفتاحةُ ضرورية لهذه التي تأخذنا إلى حيث لا ندري الآن، في زمنٍ ثقيل عزّ فيه الأمل.
"أخطر أبناء جيله من المخرجين المصريين" قالت عنه الممثلة الراحلة فاتن حمامة يوماً (وكانت بطلة فيلمه "أرض الأحلام"). "خطير" في المساحة التي يُسائل بها الواقع ويزعزع فيها اليأس التام. سعْي داود عبد السيد إلى اكتشاف كيف وتحت أية ظروف يظلّ الإنسان قادراً على صناعة المعنى في عزّ الضعف قد يكون علامة سينماه.
الاختفاء البطيء لسينما الواقعية المصرية
11-01-2017
من حيّ شبرا في القاهرة، انطلق داود عبد السيد، الشاب الذي شاب ليُمنح لقب "فيلسوف السينما المصرية". بدأ صحافياً فمساعد مخرج فمخرج وثائقيات (منها "وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم" (1976) و"العمل في الحقل" (1979) و"عن الناس والأنبياء والفنانين" (1980))، وصولاً إلى سطوع نجمه مخرجاً لأفلامٍ درامية. على الرغم من أن داود عبد السيد لم يخرج أكثر من تسعة أفلام درامية، إلا أن كلاً من هذه حفر عميقاً في ذاكرة السينما المصرية والعربية ووجدان المشاهدين. ولعلّ الممِوّلين لم يفهموا متطلبات المبدع وحاجته لهامش حرية يسمع له بالمزيد، ما جعل كلّاً من تلك الأفلام نضالاً وصراعاً مع الوقت ورأس المال وظروف الإنتاج.


تخرّج داود عبد السيد من المعهد العالي للسينما عام 1967، عام "هزيمة يونيو"، التي بقي أثرها معه في المسيرة التي كانت على وشك الانطلاق. بعد سنواتٍ كثيرة، قال عبد السيد في أحد اللقاءات الصحافية معه: "لم تكن هزيمة 1967 مجرد حدث سياسي، بل "لحظة انكشاف أخلاقي"، إذا اكتشف جيلي أن ما قُدّم له كحقيقة راسخة، كان وهماً منمقاً". ربما شكّل هذا أحد الأسباب التي دفعت المخرج وراء سؤاله الأكبر، الذي انشغلت به أفلامه، أي سؤال العلاقة بين الفرد والسلطة، بين محاولات الفرد النجاة وسطوةِ الواقع الساحِق، أو كما قال هو بكلماته: "كنتُ مهتما بسؤال: هل الإنسان يظلّ هو نفسه حين يعيش طويلاً داخل الدور المطلوب منه؟ أم أن هذا الدور يأكله من الداخل؟".
مقالات د.خالد فهمي عن حرب 1967
10-06-2021
ترك لنا داود عبد السيد "الصعاليك" (1985)، "البحث عن سيّد مرزوق" (1990)، "الكيت كات" (1991) - عن رواية إبراهيم أصلان "مالك الحزين"، "أرض الأحلام" (1993)، "سارق الفرح" (1994)، "أرض الخوف" (1999)، "مواطن ومخبر وحرامي" (2001)، "رسائل البحر" (2010)، وأخيراً فيلم "قدرات غير عادية" (2015). مع مرضه، انسحب إلى الظل بهدوء، تماماً كما غادر.
سينماه التي ابتعدت عن التكلّفات هي بعمق وبساطة مبدأه المُعلَن: "أنا مع الحرّية: حرّية التفكير وحرّية الرأي وحرّية الإبداع وحرّية الإنسان. مع حقوق الإنسان البديهية، ومع الحرّية بوصفها قيمةً شاملة".



