زياد العليمي | موقع "مدى مصر"
14 / 12 / 2025
«الجراح التي عانتها الأمة بهزيمة الثورة العرابية كانت تطرح نفسها على هذا الجيل، وبدا لمعظم عناصره، وخاصة المثقفين، أن شيئًا لا يمكن أن يُصلح ما أفسده الدهر؛ وإذن لا أمل في أي شيء».
الكاتب المصري صلاح عيسى
هكذا كانت السماء مُلّبدة بالهزائم في أعقاب هزيمة الثورة العرابية، ودخول النخبة المثقفة وقتها في دوامة الشعور بعدم الجدوى، لتبرير العجز عن الفعل، والتخفي وراء قناع يُخفِ الجبن الذاتي وانعدام روح القتال، وهي الحالة التي ستتكرر عبر الأزمنة ومع الهزائم التالية.
هزيمة الأحلام الكبرى أمام سلطة باطشة ـ سواء كانت احتلالًا أو استبدادًا سياسيًا واقتصاديًا ـ لا تصيب الحالمين وحدهم، بل المجتمع كله. كما إن هزيمة الأحلام لا تتوقف خسائرها على أمة واحدة، بل يصبح وباءً عالميًا ينتشر حيثما تُجهض الأحلام الكبرى.
أليس هذا ما أورثناه لأكثر من جيل بعدنا، وصولًا إلى «جيل زِد»؟
لقد حاولنا وأخلصنا، وضحّى كثيرون من جيلنا بكل شيء في سبيل الحلم بالحرية والكرامة، لكننا لم ننجح هذه المرة. طُويت الصفحة، وسيحكم التاريخ.
وبدلًا من مراجعة أخطائنا، اكتفينا بمضغ الأحزان وتشبثنا بذات الأفكار والأدوات حتى فقدنا اتصالنا بالواقع الحي على الأرض.
ومع جمودنا، خرج جيل جديد بأفكار أكثر طزاجة، قد تُنعش عقولنا لو تأملناها بصدق.
إنه جيل لم يعِش الحلم السابق، لكنه يسأل عن المستقبل بعينٍ جديدة.
«لما بتصور بوشي بحس إنها صورة عائلية».
أحد أصدقائي من صغار «جيل زد».
هل لاحظتم ميل أبنائكم أو من حولكم من هذا الجيل لارتداء الألوان الداكنة، خاصة لأسود؟
هل لاحظتم عزوفهم عن التقاط الصور بوجوههم، واختيارهم الظهور من الجانب أو من الخلف؟
وهل لاحظتم تشابه قصات شعرهم إلى حد يصعب معه استنتاج خلفياتهم الثقافية أو الاجتماعية من المظهر الخارجي؟
لا تقلقوا، فابنكم ليس غريب الأطوار. هذه المظاهر مشتركة مع قطاع واسع من أبناء «جيل زد» حول العالم.
خلال السنوات الثلاث الماضية، التقيت بكثيرٍ من أبناء هذا الجيل. تابعت ما يشاهدونه ويهتمون محليًا وعالميًا، وتعرّفت على نجومهم المؤثرين. تحدثت معهم طويلًا عن رؤيتهم للعالم ومستقبلهم واهتماماتهم. وجدت جيلًا وُلِد وسط كرب جماعي بعد تحولات كبرى، فوجد في الهاتف المحمول ملاذه الآمن. عبر «جوجل» و«تيك توك» و«إنستجرام» و«سناب شات»، كوّنوا عوالمهم الخاصة ومصادرهم المستقلة للمعرفة والتعبير.
لقد تفتح وعي هذا الجيل على مجتمعات مُثقلة بالهزائم. وهنا، يميل إلى الانسحاب من كل ما هو عام، بحثًا عن خلاصٍ شخصي.
وفقًا لعالم النفس الفرنسي جوستاف لوبون، تمتلك الجماهير وحدة ذهنية مشتركة تجعلها تتصرف بشكل لا واعٍ وغير عقلاني. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن هذا الجيل اختار طريقتَه الخاصة لخلق وحدة عاطفية بين شبابه، لا تُخاطر بحلم جماعي، بعدما نشأ وعيه على إغلاق كل السُبل الديمقراطية والصحية للتعبير. فعبّر عن ذاته بمظهر خارجي يكاد يكون موحدًا، حاملاً رسالة خفية: «لن تعرفوننا، لكننا سنميز أنفسنا بطريقتنا. نحن وأنتم لسنا الشيء نفسه، ولا يهمنا تقييمكم لمظهرنا».
هذه هي طريقتهم في الوعي والتعبير.
يلتقط أبناء «Gen Z» الصور لأنفسهم من الجانب أو الظهر، أو وهم ينظرون إلى الأرض، ولهذا دلالاته في رأيي.
نعلم جميعًا أن التواصل بالعينين أول مؤشرات الاحترام والاهتمام. فكيف نفسر رغبة جيلٍ كامل في إثبات وجوده عبر الصور، دون أي اهتمام بالتواصل مع من يشاهدها؟
إنها رسالة واضحة: «أنا موجود، لكني غير مهتم بك ولا أراك.
وإذا استمعت جيدًا إلى حوارات هذا الجيل الجانبية، وحتى ما يفضلونه من أغانٍ، ستلاحظ تكرار عبارات مثل: «مش شايفك، «ما بعتمدش حد»، وغيرها من العبارات التي تعكس الانفصال عن الآخر.
ورغم انتشارها الواسع، فإنها تحمل دلالة واحدة: هذا الجيل موجود، لكنه لا يعوّل على أحد.
لقد رأى هذا الجيل أثر هزيمة الحلم الجماعي في مجتمعه، ويعلم بحسّه ووعيه أن المظاهر لا تخفي الهزيمة النفسية والمعنوية التي عاشها الآباء.
قد تظن أن صِغَر سنّهم يمنعهم من إدراك ما أصاب مجتمعهم، لكنك مخطئ. فلا يمكن لطفل يعيش في مجتمع ما بعد الهزائم الكبرى أن يغفل عن الشعور بعدم اليقين والتفسخ وفقدان الأمان. يكبر هؤلاء الأطفال وهم يرون لهاث أهاليهم لحمايتهم من تدهور التعليم والصحة وفرص العمل، فيحاولون فهم ذواتهم والعالم من حولهم بأنفسهم. تساعدهم في ذلك الفيديوهات القصيرة على «يوتيوب» و«تيك توك» ومحركات البحث، فيتعلّمون فضيلة الشك، ويكتسبون مهارة البحث والاستقلال المعرفي.
فتيات "تيك-توك" في مصر: حاكموا "قيم الأسرة"!
14-08-2020
لنعترف أن الشاب بين الخامسة عشرة والثلاثين اليوم لا يُشبه من سبقه. فهو يمتلك معرفة تراكمية تعادل خبرة إضافية لا تقل عن عشر سنوات، بفضل ما يُتاح له من مصادر ومحتوى.
هو لا يحتاج إلى أكثر من ذلك ليشعر بآثار الهزيمة الجماعية، ويرى انعكاسها في عيون من حوله. يدرك أن الجيل الذي أنجبه ساهم في الوصول إلى هذا الواقع، ولا يملك خطة للخروج منه، فيسعى إلى خلاصه الفردي. بدأ بوضع حاجزٍ شكلي في مظهره يوحّده مع أقرانه، وأثبت وجوده بأساليب اجتماعية مختلفة عبر وسائل التواصل. لكنه في الوقت نفسه يعبّر في صوره ورسائله عن لا مبالاته بآراء الآخرين.
إنه جيلٌ يبحث عن الأمان الشخصي، ويبتعد عن الأسئلة الكبرى حول شكل وطبيعة نظام الحكم. جيلٌ لا يعنيه كثيرًا من يحكم أو من يعارض، لأنه لم يعد يرى في أيٍّ منهم سبيلًا لتغيير الحال.
«أنا الطفل اللي ممكن
يزعج العالم بصمته
وممكن
يجبر العالم على حسن استماعه
بعيد عن حكمة العواجيز»
الشاعر المصري وائل فتحي
في نيبال، أعلن جيل جديد عن نفسه على الساحة السياسية. فقد انتشرت دعوات للتظاهر تحت شعار «جيل زد»، واندلعت المظاهرات في كاتماندو، عاصمة نيبال، وفي مدن أخرى في سبتمبر 2025.
طالب المتظاهرون برفع الحظر عن وسائل التواصل الاجتماعي، وإصلاح نظام التعليم، والتحقيق في تضخم ثروات المسؤولين، وضمان الشفافية في الإنفاق العام. كما طالبوا باستقالة رئيس الوزراء، وحلّ البرلمان، وتعديل الدستور.
استخدمت الشرطة القوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين، ما أدى إلى مقتل ما بين خمسين وسبعين شخصًا، وفرضت الحكومة حظر تجول شاملًا. وانتهت المواجهات باستقالة رئيس الوزراء، وتعيين رئيسة وزراء مؤقتة إلى حين إجراء الانتخابات، مع رفع الحظر عن وسائل التواصل الاجتماعي.
في مدغشقر، انطلقت دعوات للتظاهر ضد ضعف الخدمات وفشل الإدارة، بمشاركة ناشطين وصحفيين، ومجموعة شبابية تُطلق على نفسها اسم «جيل زد».
قوبلت التظاهرات بعنفٍ مفرط، وسقط نحو اثنين وعشرين شخصًا، وامتد العنف إلى عدد من المدن، حتى أعلن الرئيس حلّ الحكومة.
وفي المغرب، قادت حركة Gen Z 212 مطالبات إلكترونية بتحسين الخدمات الحكومية مثل التعليم والصحة والتشغيل ومكافحة الفساد والمحسوبية، وتمكين الشباب. واجهت الشرطة المظاهرات بقوة مفرطة وحملات اعتقالات عشوائية طالت المئات، حتى اضطرت الحكومة للتأكيد على ضرورة الإصلاح وعزمها عليه.
السيناريو مرشح للتكرار في أكثر من موقع في العالم، واليوم علينا أن ننتبه جميعًا، أن ننصت جيدًا، لا دفاعًا عن الماضي، بل رغبةً في الفهم، لعلنا نجد معًا سبيلًا لحلّ لغز تعثّر محاولات التحديث في بلداننا، خاصة أن لدى الجيل زد ما يمكن أن نبدأ منه للتعامل مع الواقع الصعب.
«إحنا عاوزين الحكومة، أولًا: ما ترتكب أخطاء، اتنين: تساعد الناس».
الأديب السوداني الطيب صالح
لقد أدرك «جيل زِد» ببساطة ما عبّر عنه الطيب صالح قبل عقود: نريد حكومة لا تخطئ، وإن أخطأت تصلح وتخدم الناس.
جيل الفراق
14-09-2023
هذا الجيل لا يبحث عن إجابات فلسفية، ولا يهتم بالتعامل مع الأسئلة الكبرى حول شكل وطبيعة الحكم، بل يطالب مباشرة عن حقوقه الأساسية كمواطن تحت أي نظام حكم، وعن إدارة نزيهة وشفافة لدولة حديثة. ببساطة، لا يهتم بمن يحكم، بل بما يقدمه الحاكم، وعن مدى التزامه بالعقد الاجتماعي الذي يربط بينهما.
يعرف أن مطالبه لن تتحقق سوى بتحديث الدولة، وحوكمة مؤسساتها، وضمان الشفافية والإدارة الرشيدة.
تعلم أن التغيير لا يحدث بضربة واحدة، بل يحتاج إلى صبر طويل، والتمسك بما يتحقق خطوة خطوة، حتى لو لم تتحقق كل الأهداف دفعة واحدة.
كثيرًا ما أثارت دهشتي علاقة «جيل زد» بفنانيه وأبطاله. فكثيرًا ما نراهم يمجّدون أحد الفنانين بعد عملٍ أو اثنين نالا إعجابهم، ثم لا يلبثون أن ينقلبوا عليه إن قدم ما لا يرضيهم. لا يكتفون بالتراجع عن متابعته، بل يلاحقونه بالانتقادات الحادة والاتهامات بقلة الموهبة أو الذكاء، وكأنه لم يكن نجمهم المفضل قبل أشهر قليلة.
هذه الظاهرة المنتشرة بين أبناء هذا الجيل ومؤثريه تعبّر عن طريقة تفكير عملية وواضحة: لقد منحتك وقتي ودعمي، مقابل أن تقدّم لي ما يُرضيني. وإن خذلت توقعاتي، سأقاطعك وألعنك، ثم أبحث عن بديلٍ أستكمل الدورة ذاتها معه.
إنها علاقة مباشرة وبسيطة تقوم على تبادل واضح للمنافع: إذا كنت فنانًا أو مؤثرًا أو شخصية عامة، فسأمنحك الدعم والمتابعة، وتمنحني ما أتوقعه منك، ولن أسمح بأن يتم خذلاني. أما إن كنت حاكمًا، فسأمنحك الطاعة وأتجنّب طرح الأسئلة الكبرى حول شكل الحكم وطبيعته، على أن تضمن لي في المقابل حياةً إنسانية كريمة.
تحرُر «جيل زد» من عبء الهزائم القديمة جعله أكثر واقعية وسرعة في الفعل؛ لا يقرأ المطوّلات، بل يبحث عمّا يريده مباشرة.
لنتأمل بصدق وننصت جيدًا.




