حرب فلسطين ونكبتها: كتابات عربية

بالتزامن مع المعارك وخلال الأشهر التي تبعتها، بدأت المحابر العربية تدوّن الأدبيات الأولى عن حرب العام 1948 ومساراتها ونتائجها المستقبلية.
2024-05-16

شارك
مخيم الفوّار عام 1950. أرشيف الأونوروا.

أول الحبر
بالتزامن مع المعارك وخلال الأشهر التي تبعتها، بدأت المحابر العربية تدوّن الأدبيات الأولى عن حرب العام 1948 ومساراتها ونتائجها المستقبلية. أولى هذه الكتابات كانت جزءًا من تقارير تفصيلية أجملت المعارك في مواضع محددة، منها تقرير عضو اللجنة القومية في يافا وأحد مسؤولي الدفاع عنها صلاح إبراهيم الناظر عن أيام يافا الأخيرة، وتقرير قاسم محمد الريماوي، القائد في الجهاد المقدس، عن معارك المنطقة الوسطى ونشاط الجهاد المقدس، القوة العسكرية الفلسطينية الناشطة في منطقة القدس وجوارها، حتى إنهائه. لكن معظم هذه التقارير لم يرَ النور إلا خلال السنوات القريبة الماضية، رغم أنها وصلت لأيدي بعض الباحثين المهتمين بتاريخ الحرب مبكرًا، والذين رأوا طيها وحثّوا على إسكاتها لأسبابهم الخاصة.

بخلاف هذه التقارير، وجدت أدبيات أخرى طريقها إلى المطابع، وتحدثت عن شخصيات لم يكن لها دور مباشر في مجريات الحرب أو في إدارة المعارك، وإن كان بعضها قريبًا منها. ويمكن اعتبار هذا الصنف من الأدبيات محاولة مبكرة للبحث في أسباب «الهزيمة»، والإجابة المبكرة عن سؤال «ماذا بعد؟»، منها؛ نص قسطنطين زريق «معنى النكبة»[1] الذي أكد على ضرورة النظر بعيد المدى، وعدم الاقتصار في النظر على المعركة الحاضرة، مع تأكيده على فداحة ما حدث وشدته في الحاضر والمستقبل. ونص جورج حنا «طريق الخلاص تحليل وضعي لمحنة فلسطين والقضايا العربية»[2] الذي نظر للحرب بوصفها معركة خاسرة ولكنها ليست الفاصلة، وأن الكارثة التي حلت لم تغلق أبواب الرجاء إذا جُنّدت كل القوى في نضال طويل وشاق. وبعد تحديده خمسة أسباب للكارثة يتحدث عن رؤيته لطريق الخلاص والتي تبدأ بدخول رجال الفكر معترك العمل السياسي.

ومن هذه الأدبيات أيضًا نص موسى العلمي «عبرة فلسطين»[3] والذي أكد على أن ما حدث في حرب فلسطين مدخل لأخطار أشد هولًا تهدد الكيان العربي كله، فكان نصه محاولة للتعرف على الأخطاء الكبرى ومواطن الضعف في الميدان العسكري والسياسي، التي حرمت النصر وأمكنت الكارثة، داعيًا للسير نحو الوحدة والتجديد.

أما فخري البارودي، فحاول في «كارثة فلسطين العظمى»[4] التأكيد على خطر الصهيونية وحسن تنظيمها، داعيًا لمواجهة ذلك بخطط أكثر إحكامًا وأشد ضبطًا، وإلى الاهتمام بالناحية العسكرية والاستعداد المعنوي للمقبل. وختم بالتأكيد على أن العلاج السريع لقضية فلسطين يبدأ بالمقاطعة الشاملة لـ«إسرائيل» وحصارها بشكل جماعي، ثم الإسراع في تهيئة شؤون الدول العربية العسكرية وإقامة الأحلاف لتتوحد الجيوش، وفرض التجنيد على العرب، نساءً ورجالًا، مقيمين ومهاجرين.

ومن أبرز النصوص التي لم تأخذ مساحتها في النقاش بسبب تحولات مؤلفها اللاحقة، نص تقي الدين إبراهيم النبهاني «إنقاذ فلسطين»[5] الذي يعدّ من أوائل النصوص التي شخّصت المشروع الاستعماري الصهيوني ودولته الناشئة، بوصفه مشروعَ استعمارٍ استيطاني -بتعبير النبهاني استعمار احتلالي إجلائي- إذ يقدّم الكتاب قراءة تاريخية للمشروع الاستعماري في فلسطين، ممهدًا الطريق لقسمه الأخير المتصل بأطروحة الكتاب الرئيسة، سُبل إنقاذ فلسطين التي يحددها النبهاني بسبيلين؛ الأول عن طريق الحكومات العربية التي يوحدها الخطر، ويضع النبهاني خطوات عدة في هذا الطريق تنتهي بإعداد شعب عربي مناضل مع إعداد جيش محارب، وصولًا لولايات عربية متحدة اتحادًا حربيًا بالدرجة الأولى. أمّا السبيل الآخر فمرتبط بإنقاذ الشعب العربي في مجتمعه وكيانه بقيادة كتلة اجتماعية وسياسية «تبصر الحياة بالتعب، وإيجاد الأمم بالقوة والصخب، وإحداث الإصلاح بالانقلاب الشامل الكامل».

التذكّر الأول

بينما نشرت مجلة الهدف، لصاحبها يحيى حمودة، خبرًا بتاريخ الثالث من تموز 1950، حول ترقّب القراء بفارغ الصبر عرض كتاب «إنقاذ فلسطين» للشيخ النبهاني في المكاتب العامة والأسواق، نشرت المجلة كما هي حال جل الصحافة المحلية نصوصًا مختلفة تشكّل أيضًا جزءًا رئيسًا من أدبيات الحرب، منها نص محمد العمد في ذكرى حطين – معركة الثأر- الذي انطلق من ذكرى الحروب الصليبية وتجربة صلاح الدين للحديث عن ضرورة الوحدة الشاملة كسبيل للخلاص.

لكن الهدف نشرت، إلى جوار هذه النصوص، نصوصًا أخرى، هي نصوص الذكريات، فمع عددها الأول بدأت تنشر قصة جيش الإنقاذ بقلم المقدم وصفي التل، التي يحكي فيها مشاركته في الحرب في جبهتها الشمالية،[6] وإلى جوار مذكرات التل الذي كتب أسباب هزيمة العرب العسكرية في فلسطين،[7] وكتب أيضًا في الأدب قصته «عودة» المنشورة في نيسان 1950، نُشرت العشرات من نصوص المذكرات، وكانت في جلها آنذاك مذكرات لعسكريين محليين أو عرب ممن شاركوا في المعارك.

لعل نص محمد نمر الخطيب «من أثر النكبة»[8] من بواكير النصوص التي سجلت رحلة فلسطين من الحرب إلى النكبة، وتأسس على تقرير قدمه الخطيب خلال المرحلة الثانية من الحرب إلى الرئيس السوري شكري القوتلي. ثم عززه بتتبع لقصص المعارك وتصوير لمآسي اللاجئين، ومحاولة أولى للدفاع عن عرب فلسطين وبيان جهدهم البطولي في الحرب الطويلة مع المشاريع الاستعمارية.

شكّلت مذكرات الحرب النواة الأولى للمعرفة التاريخية المرتبطة بالحرب، وفي كثير من الأحيان بقيت هي المادة العربية الوحيدة التي تؤرخ لمعارك بعض المناطق، لغياب النصوص التوثيقية الرئيسة التي أُسكتت أو نُهبت خلال المعارك وبعدها. وقد توزّعت المذكرات جغرافيًا لتوزّع جبهات القتال في فلسطين وتنوع المشاركين فيها، ومن أبرز هذه النصوص التي نشرت مبكرًا نص الرئيس الركن محمود الروسان «معارك باب الواد» وتتضمن مأساة حيفا وحوادث اللد والرملة.[9] ونصوص محمد طارق الإفريقي، وأبرزها «المجاهدون في معارك فلسطين 1367هـ-1948م»،[10] والذي يحكي فيه قصة التحاقه بالقتال في فلسطين مبعوثًا من الحاج أمين الحسيني، ويقدم بيانًا موجزًا لبعض المعارك.

تحوي بعض النصوص مواد بصرية ما يضيف لقيمتها المعرفية قيمة بصرية قل نظيرها في تلك الفترة. فمثلًا حفظت مذكرات الرئيس أول محمد خالد المطرجي «مع أبطالنا في فلسطين: بعض مقتطفات من مذكرات ضابط»[11] عشرات الصور لشهداء ومقاتلين نظاميين ومتطوعين ممن شاركوا في الحرب، جاورت قصصًا لا تبرز في جل المصادر الأخرى. كما حفِظ النصُ عشرات الأسماء لمقاتلين شاركوا المطرجي المعركة في غير موضع من فلسطين الوسطى والشمالية، من لحظة انطلاقه ورفاقه من دير الزور ولغاية نهاية الحرب.

ولم تقتصر المذكرات على تذكر المعارك والحرب، وإنما وجدت نصوص مبكرة أخرى تناولت قضايا أخرى كالأسر لدى العدو. إذ نشر قائد الأسراب عبد الرحمن عنان كتابه «كنت أسيرًا» والذي يبدأ بسقوط طائرته قرب حيفا وأخذه أسيرًا. ويفصل عنان ظروف اعتقاله الانفرادي ثم ظروف الاعتقال الجماعي، حتى خروجه من المعتقل بعد ما يقارب عشرة أشهر.

الكثير من نصوص المذكرات كتبت بمنطق الدفاع عن الذات والهجوم على المتهمين بالتقصير أو التخاذل. إلا أن ظروف بعض النصوص وسياقات تأليفها، كثفت هذا المنطق ليتسيد نص المذكرات بمجمله. من أبرز هذه النصوص نص قائد فرقة النجادة محمد نمر الهواري، والذي أسندت إليه الهيئة العربية العليا شؤون الدفاع عن يافا في مطلع الحرب، قبل أن يكتشف اجتماعه مع قيادة مخابرات الهاغاناه في المنطقة، وعزله عن المعركة، ثم إجلائه عن فلسطين، قبل أن يعود إلى الأرض المحتلة باتفاق مع الحركة الصهيونية. إذ نشر الهواري كتاب «سر النكبة» محاولًا الدفاع عن صورته ومهاجمًا الهيئة العربية العليا وقيادتها.

وأثناء سنوات النزاع الأردني المصري، نشر القائد العسكري الأردني لمعركة القدس، وأبرز الضباط الأردنيين في الحرب، عبد الله التل، مذكراته عن المعركة «كارثة فلسطين مذكرات عبد الله قائد معركة القدس»،[12] مدافعًا عن دوره وزملائه من ضباط الجيش، ومتهمًا القيادة السياسية العربية بالتقصير والارتهان للإرادة الأجنبية.

إلى جوار هذه المذكرات التي نُشر بعضها في الصحف، تداولت الصحف مبكرًا نصوص يوميات، كان أهمها يوميات أحد أبرز المشرفين على جيش الإنقاذ طه الهاشمي، الذي بدأ في شباط 1953 نشر بعض يومياته دفاعًا عن نفسه، في ضوء مطالعاته للصحف والكتب التي بحثت في سبب نكبة فلسطين. وقد أعادت صحيفة العودة، لصاحبها مصطفى الطاهر، نشر هذه اليوميات في نيسان 1953. تتضمن اليوميات تفاصيل نشاط الهاشمي منذ أواخر عام 1947 وحتى نهاية الحرب، إذ كان أحد أبرز صُنّاع الحدث العسكري وشهوده، ولعل يومياته توازي في قيمتها وأهميتها في توثيق المرحلة الأولى من الحرب، يوميات دافيد بن غوريون أحد أهم المصادر الصهيونية الأولية عنها. ومن الجلي أن يوميات الهاشمي المنشورة في الصحف قد تعرّضت لتحرير واقتباس، إلا أن خلدون ساطع الحصري حققها لاحقًا في «مذكرات طه الهاشمي 1942-1955 العراق- سوريا – القضية الفلسطينية الجزء الثاني»،[13] وقد حجب التحقيق جزءًا رئيسًا من المادة المتصلة بحرب فلسطين لأسباب غير واضحة.

مصادر موسوعية

لم يقف التفاعل المبكر مع حرب فلسطين الكبرى عند هذا الحد، إذ وجد أيضًا من اهتم بالكتابة الموسوعة عن الحدث، ومحاولة تقديم تأريخ راهن لهذه اللحظة المبكرة، خصوصًا أن الصحف والمجلات العربية، إلى جوار ما نشرته من أصناف الأدبيات المشار إليها سابقًا، بدأت أيضًا تنشر ترجمات للتاريخ الصهيوني المبكر للحرب، خصوصًا ترجمات قسم التاريخ العسكري الناشئ التي بدأت تُنشر في مجلة الهاغاناه/ الجيش الصهيوني، معرخوت. كان من أبرز المشتغلين في هذا الجانب المؤرخ عارف العارف الذي عكف خلال فترة الخمسينيات على تدوين أحداث النكبة، وعمد في كتابه الموسوعي الذي صدر خلال الفترة بين عامي 1956 و1961، إلى تقصي معلوماته من كل مصدر استطاع الوصول إليه، وتنوّعت مصادره من الشهادة المباشرة إلى الرواية الشفوية، ومن الصحف إلى بقية النصوص الوثائقية، وكذلك المقابلات والمذكرات المنشورة.

لم يقدّم العارف كتابه «النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود» بوصفه كتاب تاريخ، وأشار في غير موضع إلى أنه لم يقصد التأريخ، وإنما كتبه ليروي للناس ما حدث كما حدث، لقناعته أن التاريخ لا يُكتب فور وقوع الحدث، وإنما بعد سنوات من وقوعه. وبما أن المؤرخين سيكونون بحاجة إلى تفاصيل أولية عن الحوادث، فإنهم سيرجعون إلى ما دوّنه الرواة. إلا أن نص العارف تحوّل مع مرور السنين، إلى المادة التاريخية العربية الأبرز عن النكبة، إذ اعتبره وليد الخالدي، في تقديمه لإعادة طبع نسخة مختزلة من الكتاب الموسوعة في عام 2012، «المرجع الأوثق والأفضل بالعربية لنكبتنا سنة 1948، رغم مرور السنين، ورغم ما يشوبه من فجوات وهفوات ونقائص، والكم الضخم الذي كُتب في هذا الشأن منذئذٍ».

إلى جانب هذه الأدبيات، شرعت عدد من الدول العربية بالاعتناء بتوثيق دورها في الحرب، استنادًا إلى مصادر أولية -مغلقة للعموم في معظم الأحيان- بطرائق مختلفة، لعل أكملها الجهد العراقي، إذ اشتغل اللواء خليل سعيد على مشروع من ثلاثة أجزاء، صدر بعنوان «تاريخ حرب الجيش العراقي في فلسطين (1948-1949)».[14] واعتمد سعيد في كتابه على نصوص وثائقية أولية تسجل تحركات الجيش، فضًلا عن مصادر أولية أخرى مختلفة. وإلى جوار هذه النصوص سبق للعراق أن نشر أولًا تقرير لجنة تقصي الحقائق في الحرب عام 1949، الذي حفظ كثيرًا من وثائق الحرب التي أُسكتت في الأراشيف الرسمية المختلفة. كما نشر رئيس أركان الجيش العراقي خلال الحرب، الفريق الأول الركن صالح صائب الجبوري نصه بعنوان «محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية».[15] 

سبق هذا الجهد، اجتهاد سوري لكتابة تاريخ الحرب، قدّمه العميد محمد فايز القصري الذي راجع البحوث العسكرية ونشرها بمجلدين، بعنوان «حرب عام 1948»، في حين نُشر المجلد الأول بعنوان «الصراع السياسي بين الصهيونية والعرب»،[16] والثاني بعنوان «مرحلة النضال والجهاد».[17] أما بالنسبة للمصريين، فقد صدر لرئيس قسم التاريخ العسكري في الجيش المصري، لواء أركان حرب إبراهيم شكيب، كتاب «حرب فلسطين 1948 رؤية مصرية».[18] واستنادًا إلى مصادر أولية مختلفة صدر لمحمد حسنين هيكل كتاب «يوميات الحرب» الخاص بالجيش المصري في مجلدين؛ الأول بعنوان «العروش والجيوش: كذلك انفجر الصراع في فلسطين 1948-1998» قراءة في يوميات الحرب، والثاني بعنوان «أزمة العروش صدمة الجيوش».[19] أما الأردن فصدر فيه للمؤرخ سليمان الموسى كتابه الموسوعي «أيام لا تنسى: الأردن في حرب 1948».[20] 

جهود بحثية

كان وليد الخالدي من أبرز من كتب مبكرًا في التأريخ للحرب، واتسمت كتابة الخالدي، كما جزء رئيس من الكتابات العربية اللاحقة، بتفاعلها مع أجندات بحثية جديدة، بعضها ارتبط بقضايا محلية، أو كان انعكاسًا لخلفيات الباحثين الأكاديمية. وجزء أساسي منها كان تفاعلًا مع الكتابة الصهيونية عن الحرب، خصوصًا أن الكتابات الصهيونية شهدت تطورًا كبيرًا منذ لحظتها الأولى -لحظة الكتابات التذكارية ثم الموسوعية الأولى- لاعتبارات مختلفة، أبرزها توفر خزّان وثائقي لا يقارن بالجفاف الوثائقي العربي. ولعل أبرز كتابات الخالدي كتاباته المبكرة دراسته عن سقوط حيفا التي نشرت بالإنجليزية عام 1959، ودراسته عن الخطة دالت التي نشرت بالإنجليزية أيضًا عام 1961 وأُعيد نشرهما مترجمتين إلى العربية في العدد 96 من مجلة الدراسات الفلسطينية خريف 2013. ولم يقف وليد الخالدي في إسهامه في تأريخ الحرب على هذه النصوص المبكرة، فقدم في الذكرى الخمسين للحرب سلسلة نصوص تلخيصية نُشرت في صحيفة الحياة، ثم أُعيد نشرها في كتابين صدرا عن دار النهار، وأخيرًا جُمعت في كتاب واحد هو «تقسيم فلسطين من الثورة الكبرى 1937-1939 إلى النكبة 1947-1949».[21] كما اشتغل على إعادة تقديم تاريخ مجزرة دير ياسين بقراءة مجهرية متعددة المصادر، كان أبرزها الرواية الشفوية التي جمعها أهالي البلدة، ونشرها في كتاب «دير ياسين: الجمعة 9/4/1948».[22] 

خلال السنوات التي تبعت الجهود البحثية الأولى، قادت الأجندات البحثية ومناهج البحث الجديدة الباحثين إلى استكشاف الحرب من وجهات نظر ونظريات مختلفة ومتعددة، وإن غلبت الكتابة بالإنكليزية على هذه الأدبيات، فاحتلت قضية اللاجئين، أو أسباب مشكلة اللجوء الفلسطيني إثر الحرب حيزًا رئيسًا في هذه الكتابات. ومع بدء بروز أدبيات مدرسة جديدة من مدارس التأريخ الصهيوني لحرب 1947-1949، بعد الكشف عن جزء رئيس من الأراشيف الصهيونية المختلفة، تفاعلت الأدبيات البحثية مع هذه الموجة، وانعكس هذا التفاعل على الأدبيات المتصلة بالنكبة. وبرزت في هذا الجانب نصوص عربية أساسية، لعل أبرزها نصوص نور الدين مصالحة التي اعتنى فيها بقضية «الترانسفير»، وامتازت بتجاوزها للنصوص الصهيونية في النتائج والمنهجية. وقد انعكست خلاصات مصالحه البحثية في بعض هذه الكتابات لاحقًا، مثل مراجعات بيني موريس.

قدم مصالحة في كتابه «طرد الفلسطينيين: مفهوم «الترانسفير» في الفكر والتخطيط الصهيونيين، 1882-1948»[23] دراسة شاملة لمفهوم «الترانسفير» في التفكير الصهيوني المبكر، وصولًا إلى الحرب، مؤكدًا على تجذّر هذا المفهوم في التفكير الصهيوني في مستوياته المختلفة، وانعكاس ذلك في الممارسة العملية خلال الحرب. وبقيت قضية «التهجير»، ومصير أهل فلسطين موضع اهتمام كثير من الدراسات اللاحقة، لعل أبرزها خلال العقد الماضي كتاب عادل مناع «نكبة وبقاء: حكاية فلسطينيين ظلوا في حيفا والجليل (1948-1956)»[24] والذي يقدّم في قسمه الأول تاريخ الحرب والنكبة من خلال البحث في تاريخ من بقي من أهل فلسطين المحتلة، مستكملًا النقاش المتصل بنشأة مشكلة اللاجئين، مع الإضاءة على مسألة البقاء في الوطن، تحديدًا أهالي حيفا والجليل.

من النصوص المهمة خلال هذه المرحلة القسم المتصل بتأريخ الحرب في كتب البلدانيات -الكتب التي اعتنت بتواريخ القرى والبلدات الفلسطينية- وكتب التاريخ المحلي -المؤلفة عادة من مؤرخين هواة- ومن أبرز نماذجها الكتب الصادرة عن مركز أبحاث جامعة بيرزيت، ضمن سلسلة كتب القرى المدمرة التي صدرت في مرحلتين، وأشرف على الأولى منها وصممها الدكتور شريف كناعنة، وصدر خلالها 13 كتابًا لم تقدم تأريخًا مباشرًا للقرى المدمرة، فضلًا عن الحرب والنكبة، وإنما قدمت رصدًا للتاريخ الاجتماعي للقرية وتحولاته، استنادًا إلى الرواية الشفوية. قبل أن يبدأ كناعنة وفريقه العمل، مساهمتهم في كتاب «كي لا ننسى قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها».[25] أما مجمل إصدارات المرحلة الثانية التي صدرت بإشراف الدكتور صالح عبد الجواد، فتضمنت فصولًا مركزية تطرقت إلى حوادث الحرب والنكبة. وانطلقت السلسلة الجديدة من رؤية محددة للحرب، بوصفها أداة للتطهير العرقي انعكاسًا للتفاعل مع الأدبيات الصهيونية الجديدة.

إلى جوار الكتابة عن القرى، شاع خلال السنوات الماضية اهتمام بالتأريخ للمدن الفلسطينية المركزية، من مداخل نظر مختلفة، فاعتني بالتاريخ الاقتصادي لبعض المدن كحيفا، أو بالتاريخ الاجتماعي لمدن كنابلس ويافا والقدس، واحتلت الحرب والنكبة حيزًا رئيسًا في بعض هذه الأدبيات، إذ كانت مدخلًا لفقد أهل فلسطين حيزهم الحضري الرئيس. من أبرز النصوص في هذا الميدان نص الدكتور مصطفى العباسي، «صفد في عهد الانتداب البريطاني 1917 – 1948: دراسة اجتماعية وسياسية»،[26] ونصه الصادر حديثًا، «طبريا العربية تحت الحكم البريطاني 1918-1948».[27] ومن الكتب التي اعتنت بالتأريخ لتجربة القتال في المدن، مع تركيز على إبراز صوت المقاتلين العرب، كتابي يافا دمٌ على حجر[28] الذي ركّز مجلده الأول الذي حمل عنوان «سيرة البارود اليافيّ: دراسة في بنية حامية يافا وفعلها العسكريّ كانون الأول 1947 – نيسان 1948»، على دراسة الحرب في مدينة يافا، استنادًا إلى مصادر أولية مختلفة، بؤرتها وثائق مقاتلي الحامية. فيما قدّم المجلد الثاني «يوميات من بارود: يوميات ووثائق حامية يافا شباط 1948 – نيسان 1948»، تحقيقًا لنصوص وثائقية أبرزت صوت مقاتليها خلال أشهر المعارك الخمسة، والتي يمكن أن تكون مدخلًا لإعادة النظر في كثير من تفاصيل الحرب ومعطياتها، ومدخلًا لدراسات تتجاوز التاريخ العسكري المباشر، رغم ضرورة الاعتناء به وتكثيف الدراسات المجهرية حوله، لتقديم دراسات تبحث في قضايا أخرى كالتعبئة والتجنيد، والتاريخ الاجتماعي للحرب عربيًا، وغيرها من القضايا.

استعادة الذكرى

خلال العقود الثلاثة الأخيرة، نشرت العديد من إصدارات السير والمذكرات لشخصيات عاصرت النكبة وحربها، كمقاتلين دافعوا عن البلاد أو لاجئين طردوا من بلادهم على أيدي المستعمرين. كان من أبرزها مذكرات القائد في الجهاد المقدس بهجت أبو غربية «مذكرات المناضل بهجت أبو غربية 1916- 1949: في خضم النضال العربي الفلسطيني»،[29] والذي تحدث تفصيلًا عن معارك القدس وإشرافه على بعضها، كما تحدث عن مسيرة قوة الجهاد المقدس من لحظة التأسيس إلى لحظة الإنهاء. ومنها أيضًا الجزء الخاص من الحرب من مذكرات ويوميات القيادي في الهيئة العربية العليا، محمد عزة دروزة «مذكرات محمد عزة دروزة سجل حافل بمسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية خلال قرن من الزمن 1305- 1404هـ/ 1887- 1984م»،[30] والذي يبرز وجهة نظر شخصية استثنائية في الحركة الوطنية الفلسطينية، ممن أسهمت في قيادة ثورة 1936-1939 سابقًا، وكان لها حضورها العربي العام، وبرز ذلك في التفاصيل التي قدمتها المذكرات وأضفى عليها قيمة معرفية استثنائية.

لم يقتصر هذا الصنف من الأدبيات على المشاركين المباشرين في الحرب، الذين تركّزت نصوصهم عليها، وهذا ما يكثّف إشكالاتها حين يُنظر إليها بوصفها مصدرًا للتاريخ العسكري، وإنما وُجدت فصول تذكّر للحرب وما تلاها في جل نصوص السِيَر والمذكرات الصادرة خلال السنوات الماضية. تقدّم هذه النصوص ومضاتٍ وشذرات تضيء على جوانب نادرًا ما يمكن أن تُضاء من مصادر أخرى، أهمها تحويل خريطة وجغرافية القرى والمدن إلى واقع يمكن معايشته، وإن لم يكن هذا الواقع تمثيلًا كاملًا، لغياب صوت الناس العاديين عن معظم هذه النصوص. كما تقدّم صورة إنسانية للحوادث والوقائع، خصوصًا عند وصف أثر المعارك والاشتباكات اليومية على الأهالي، ووصف اللحظات الأخيرة مع فلسطين. وإن كان من إحالة فيمكن الإحالة إلى نصوص عدة في هذا الجانب.

ثلاثة من هذه النصوص يمكن عدّها نصوصَ تذكّر مدينية، أولها من طبرية لأنيس صايغ بعنوان «أنيس صايغ عن أنيس صايغ»،[31] حديث عذب عن مدينته طبرية وأيامه الأخيرة في فلسطين. ومن يافا يعيد شفيق الحوت في سيرته «بين الوطن والمنفى: من يافا بدأ المشوار»[32] إحياء حواري يافا المدمرة، بحديثه التفصيلي عن حي المنشية خصوصًا والمدينة عمومًا، وكذلك بحديثه عن شهادة شقيقه أحد المشتغلين في صناعة المتفجرات لحماية مدينتهم؛ وتقدّم تمام الأكحل في «اليد ترى والقلب يرسم: سيرة تمام الأكحل وإسماعيل شموط»[33] وصفًا إضافيًا للحظات يافا الأخيرة مبرِزة وجه النكبة الأقسى.

أمّا نصوص التذكّر القروية، فمنها نص فيصل حوراني الأول في سيرته «دروب المنفى: الوطن في الذاكرة»،[34]  وفيه تسجيل آخر لمشاهد الحرب والنكبة ورحلة التغريبة لطفل صغير يتيم. ومذكرات عبد العزيز صقر «جناح لا ينطوي رحلة حياة»،[35] وعبد الرحيم عراقي «لا تخف ذكريات على صعيد الخوف»،[36] وكلاهما تقدّمان صورة للحرب بتفاصيلها بوصفها حربًا، إذ سجلت سيرة صقر معارك سلمة الباسلة حتى لحظة القرية الأخيرة، فيما سجلت سيرة عراقي قصة قتال قريته الطيرة حتى الطلقة الأخيرة في الحرب، وأبرزت وجهًا آخر للنكبة متصلًا بمفاوضات الهدنة في رودس، وكلا السيرتين تقدمان وجوهًا مختلفة لتغريبة أهل البلاد في سنواتهم اللاحقة، من لجأ منهم إلى بقية فلسطين العربية، قبل أن يُهجّر عنها ثانية، ومن بقي منهم في بقيتها المحتلة من العدو. وقد كتب عبد الرحيم عراقي إهداءً يلخص ذلك:

«إلى حماة طيرة بني صعب من ثورة 36 إلى حرب سنة 48
إلى أولئك الذين أيقنوا منذ البداية أن المعركة عندما تفرض على أرض الوطن
فإن زمانها لا يُؤجّل
وإن مكانها لا يُبدّل
وإن الطلقة فيها تنجز ما لا تنجزه حروب
وراء زمانها ومكانها
فتحدوا كل مكان خارج الوطن تبدّى
إليهم جميعًا، أهدي هذا الجهد في كتاب».

مقالات من فلسطين

مستشفى الشفاء تنهض بأيدي الغزّيين

2024-06-13

"لن يعود"، قال الإسرائيليون منذ بضعة أسابيع فقط، إلى أن تُطالِع المرء صورةٌ على إحدى الشبكات الإخبارية لبوابة المشفى كُتِب في أسفلها "مستشفى الشفاء ينهض كالعنقاء". فترى شباب وشابات غزة...

وجهُ الصهيونية المَقيت

2024-06-07

يكمل العالم دورته. يومٌ آخر، شهداء جدد... هو الجنون الكامِل المستفحل في غزة، وفي عموم فلسطين. فيما تزداد الأوضاع في القدس المحتلة تدحرجاً نحو ما قد يستحيلُ انفجاراً، إذ اقتحم...