"برنامج الأغذية العالمي" يخفض إلى النصف المساعدات الغذائية المقدمة لـ1.4 مليون نازح عراقي والسبب هو نقص التمويل. هذا الأمر بات مكرّراً. يمكن العودة إلى الوراء وإيجاد ما يشبه هذا الخبر مع تغيير اسم البلد وعدد النازحين أو اللاجئين، ونسبة التخفيض. عام 2014 أعلن البرنامج أنّه سيوقف مساعداته للاجئين السوريين كليّاً ثمّ تراجع عن الأمر واكتفى بالتخفيض.
حسناً، قضية اللجوء آخذة في التعاظم. عام 1998 كان في العالم 21.5 لاجئ ونازح داخلي، بينما صار عدد هؤلاء 65 مليوناً عام 2016. لكنّ حجم التبرعات التي حصل عليها "برنامج الأغذية العالمي" تضاعف أيضاً في الفترة الزمنيّة نفسها من 1.7 مليون دولار إلى 5.5 مليوناً، أي خمس مرّات تقريباً.
تشكّي المنظمات الإنسانيّة من نقص التمويل يبدو لوهلةٍ منطقيّاً، وبالتالي تصير المطالبات بالتضامن الإنساني والتبرع الخ هي الحلّ الوحيد.. إلا أن رقمين صغيرين يمكن أن يوضحا جوانب هامة من الموقف. 35.999 دولار هو الراتب السنويّ لشابٍّ حديث التخرّج لحظة بدءه العمل في "برنامج الأغذية العالمي" و142.367 دولار هو الراتب السنوي لسكرتير الأمين العام للبرنامج، وفق الموقع الإلكتروني الرسمي للمنظمة الدوليّة. اللاجئ الواحد كان يحصل قبل أيّ تخفيض على مساعدات غذائية من البرنامج لا تتجاوز قيمتها 30 دولار شهريّاً أي 360 دولار سنويّاً! بالطبع، اللاجئ لا يقدّم عملاً، وأعداد اللاجئين أكبر بكثيرٍ من أعداد العاملين الإغاثيين، لكنّ هذه الأرقام، على بساطتها، تقول إنّ الإنفاق على الموظفين هائل، وبالطبع هؤلاء بحاجة، علاوة على الرواتب، إلى مكاتب يعملون فيها وسيّاراتٍ تنقلهم، وإلى مصاريف شتى، مما يضخم الرقم المخصص لدورة العمل.
أحد الإنتقادات الأساسية للمنظمات الإغاثيّة هو أنّها تجعل اللاجئين متّكلين عليها وتعاملهم بمنطقٍ ريعيّ. هذا صحيح، ولكن تعريف المهمة هو طابعها الداهم وليس المستقر. والريعيّة تمتد هنا، وبشكلٍ أكبر، على العاملين في هذه المنظّمات. صحيح أن هؤلاء لا يقومون بعملٍ سهل وهم يتعرّضون في بعض الأحيان لمخاطر تصل إلى حدّ الموت، لكنّ أغلبيّتهم لا تنطبق عليهم تلك الصورة الرومانسية عن رجل أو امرأة يترك أحدهما حياته ويتجه إلى منطقة صراعٍ ما بدافعٍ إنسانيّ بحت. في الأصل، هناك من يجلسون في مكاتب كاملة التجهيز في بلدانهم.. وهؤلاء يحصلون على رواتب عالية.
لعله يجب البدء بموازنة هذين الجناحين من الإنفاق، وإعادة الاعتبار إلى الطابع الإنساني فعلاً للمهمة من دون أن يعني ذلك إنكار أنها وظيفة، وليست عملا نضالياً أو خيرياً أو تطوعياً.. معنى ذلك أن يتم استقطاب من لا يرون فيها مجرد مهنة مغرية الراتب والمكانة، بل تحركهم ــ أيضاً ــ اعتبارات أخرى، تماماً مثلما لكل مهنة خصائصها التي تحفز المناسبين لها. ولعله في خفض الإنفاق الداخلي على الجهاز نفسه، بكل وجوهه، ما يمكن أن يجعل هذه الوظائف أقل إغراء للمنتفعين ــ الذين لن يعملوا أصلاً بالحساسية والتفاعل المطلوبين مع جمهور مصاب برضوض بالغة ويحتاج لهذا البعد، بكل محركاته وتعبيراته. لما لا؟
فكرة
أموال منظمات الإغاثة الإنسانيّة الدوليّة

مقالات من العالم
كتيّب يخلط بين رفض الإبادة ومعاداة السامية: ألمانيا تترصد البطيخة!
بعد تقرير المخابرات الألمانية بأيام، أصدر المكتب الاتحادي لحماية الدستور في ألمانيا (BfV) كتيّباً مفصّلاً بعنوان "رسائل خفيّة: شيفرات ورموز معادية للسامية"، مُرَكّزاً على ما يسميه "التطرف العلماني المؤيد لفلسطين"!!
خديعة "العظمة الأمريكية": كيف رسم نتنياهو لترامب طريق الحرب مع إيران؟
باع نتنياهو لترامب حرباً لتأمين "العظمة الأمريكية"، لكن ترامب يكتشف الآن أن كلفة هذه العظمة قد تكون الانزلاق في استنزاف طويل الأمد، مما يفسر لجوءه للأكاذيب لتوزيع المسؤولية التاريخية على...
أسطورة "أبو درع".. كيف يتواطأ مجتمع على غسل تاريخ أمراء الدم؟
المجتمع العراقي تعلّم كيف يتعايش مع شخصيات من نوع أبو درع، ويعيد دمجها في المشهد العام، كأن سنوات الدم يمكن أن تتحول مع الوقت إلى مجرد سيرة قديمة.
للكاتب/ة
الفلسطينيون في لبنان وحقّ العمل
علاوة على التوظيف السياسوي الطائفي على المستوى الداخلي، يأتي المس بحق العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان متزامناً مع محاولات جاريد كوشنر تفعيل "صفقة القرن"، وهي التي تصطدم بعقبات من أهمها...
الوضع الصحي في المخيمات الفلسطينية في لبنان: إلى الوراء در
خيارات العلاج المتاحة أمام الفلسطنيين في لبنان تشي بحالة مزرية اليوم، وهي ذاهبة نحو التدهور في ظل تزعزع وضع وكالة "الأونروا"، ما ينعكس على شكل تقليص متزايد في تقديماتها الأساسية...
مخيم برج الشمالي: اختلاط الواقع بالمجاز وبموسيقى "المنفيين"
ثمّة شارع رئيسيّ واحد في مخيّم برج الشمالي القريب من مدينة صور البحريّة. كأنّه دائرة، وكأنّ السّاكن فيه يدور فيها طول الوقت، وكأنّه طول الوقت يسعى إلى الخروج.





