65 عاماً بعد تأسيسها: هل ذوت المدرسة العمومية التونسية؟

بعد 60 عاماً من إرساء أسس التعليم العالي الرسمي في تونس، وصلنا إلى حصيلة جيدة على المستوى الكمي لكنها متذبذبة على المستوى النوعي، كما ان هناك تفاوتات كبيرة كرّست أوجهاً متعددة ومزمنة من اللاعدالة. هناك 153 مؤسسة جامعية - أي أكثر من 75 في المئة من مجموع المؤسسات - تقع في محافظات تطلّ على البحر، وهي المحافظات "المرفّهة" في الجهة الشرقية للبلاد.
2023-11-26

شارك

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

"عندما كنا نصل إلى المدرسة في الساعات الأولى من الصباح الباكر والبارد، كانت الإدارة توزِّع علينا الحليب الساخن والخبز.. أغلبنا أبناء فقراء ولم يكن فطور الصباح في بيوتنا روتيناً مقدساً.. والدتي الأميّة كانت تحرص، على الرغم من ضيق الحال، على أن يكون لكل واحد من أبنائها حذاء جديد وبذلة لائقة مطلع كل سنة دراسية.. المدرسة كانت أيضاً توزِّع إعانات متنوعة على أبناء الفقراء.. وبخلاف ساعات الدرس النظامية كانت المدرسة تخصص لنا يومياً ساعات تَدارُك مجانية.. درّسني تونسيون، مسلمون ويهود، وفرنسيون وبلجيكيون.. وباستثناء حصص اللغة والآداب العربية والتربية الإسلامية، درست كل شيء تقريباً بالفرنسية.. أغلب آبائنا "صنايعية" وفلاحون صغار، كنا نتردد كثيراً قبل أن نطلب منهم ثمن كرّاس أو محبرة.. لولا الاستقلال ومجانية التعليم لما كان حالنا ليفرق كثيراً عن أحوال آبائنا.. كان هناك معهد ثانوي وحيد في المدينة، وعندما أنهيتُ المرحلة الثانوية لم تكن هناك جامعة في مدينتنا.. كان يتوجب الذهاب إلى العاصمة.. فضّلتُ الانطلاق في حياتي المهنية وكثير من أبناء جيلي فعلوا مثلي.. أردنا أن نعوِّض ما حُرمنا منه وأن نساعد عائلاتنا..".

هذا بعض ما يتذكره والدي من مساره التعليمي. دخل أبي المدرسة الابتدائية في 1958 وتخرجتُ أنا من الجامعة سنة 2008. لكنني وجدتُ "المصعد الاجتماعي" الذي ركبه والدي وأبناء جيله شبه معطوب: أصبح بطيئاً جداً ولا يقوى على حمل إلا بضعة أشخاص، ونادراً ما يصل بهم إلى الأدوار العليا. وكانت حالي أفضل من حال أختي الصغرى التي تخرجت سنة 2018 ووجدت "المصعد" عالقاً تماماً بعد أن قررت الدولة التونسية تجميد التوظيف في القطاع العمومي تطبيقاً للوصفات السحرية لصندوق النقد الدولي. في السنة نفسها كنت أبحث لابنتي عن روضة أطفال توفِّر رعاية وتكويناً لائقين، ولا تستحق مصاريف التسجيل والدراسة فيها قرضاً بنكياً، علماً أن والدتي كانت قد درست في الستينيات مجاناً في روضة أطفال عمومية.

وهذا بعض من مسيرة عائلة تونسية من الطبقة الوسطى مع التعليم العمومي الذي لطالما اعتبره حكام تونس مفخرة البلاد، لكنّ حاله اليوم لا تسر الخاطر أبداً. نستعرض فيما يلي بعض المعطيات والأرقام التي قد تساعدنا على فهم ظروف نشأة المدرسة التونسية وتطورها وتقهقرها.

التعليم ما قبل الجامعي: جهود هائلة وتخبط أيديولوجي

استقلّت تونس في 1956 وكان التعليم من اشد أولويات الحكام الجدد. لم يبدأ المشوار من الصفر لكنه لم يكن بعيداً عنه كثيراً: نسبة الأمية لدى التونسيين كانت تبلغ حوالي 85 في المئة، وعدد المعاهد الثانوية في كامل أرجاء البلاد لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، ولم يكن عدد المدرّسين بمختلف مستوياتهم يتجاوز الألفين. كما توجَّب التعامل مع فوضى الأنظمة التعليمية: مدارس فرنسية، وتعليم فرانكو-أراب، ومدارس قرآنية، وتعليم عصري في "الصادقية"، وتعليم زيتوني، ومدارس يهودية، الخ.

قررت الدولة الفتية صياغة مشروع إصلاح شامل هدفه "تونسة" التعليم وفك الارتباط مع النظام التعليمي الفرنسي، وتوحيده وتعميمه. مطلع سنة 1958 وُضِعَ مشروعان للإصلاح على مكتب الرئيس بورقيبة. الأول قدّمه فريق وزير التربية آنذاك محمد الأمين الشابّي والثاني قدمه محمود المسعدي أحد أشهر رجال الفكر والأدب في تاريخ تونس. ولئن اشترك المشروعان في السعي إلى بناء نظام تربوي عصري ومتكامل، فإن هناك خلافات جوهرية بين الرؤيتين. فريق الوزير الشابّي كان يفضِّل التدرج في تعميم التعليم نظراً لمحدودية الإمكانيات المادية والبشرية وحرصاً على الجودة، وكان أحرص على إعلاء مكانة اللغة العربية على حساب اللغة الفرنسية وإيلاء عناية واضحة بالهوية العربية الإسلامية. أما مشروع المسعدي فكان ينادي بالتعميم السريع والشامل للتعليم، وعدم القطع مع اللغة الفرنسية واعتمادها كلغة تعلّم أساسية منذ السنة الأولى الابتدائية في انتظار تأهيل اللغة العربية لذلك الدور.

اختار بورقيبة المشروع الثاني وعيّن المسعدي وزيراً للتربية في أيار/ مايو 1958 خلفاً للشابي. وفي السنة نفسها ألغى التعليم الديني والأوقاف والقضاء الشرعي. وكان اختياراً متسقاً مع أفكاره ومشروعه المجتمعي. بورقيبة الذي عُرف عنه إعجابه بكمال أتاتورك وسياساته، وتأثره بـ "اليعقوبية" وأفكار رجالات "الجمهورية الثالثة" الفرنسية، كان يرى في النظام التعليمي جيشه الجمهوري الذي سيمكّنه من فرض أفكاره "الحداثية" وإخراج المجتمع التونسي من "الظلمات إلى النور". ثقل الأيديولوجيا والحسابات السياسية سيظل طاغياً على كل الإصلاحات التي عرفها النظام التربوي التونسي إلى حد اليوم.

النسب العالية من التمدرس يجب ألا تحجب حقائق حول عدة أشكال من التفاوت بين المحافظات، وحتى داخل المحافظة الواحدة (وسط حضري / ريفي). ترتيب المحافظات حسب نسبة النجاح في امتحان الباكالوريا مرآة صافية للتفاوت التعليمي في تونس.

أحد الأبعاد الرئيسية في أزمة التعليم في تونس مادي، بمعنى تراجع الإنفاق العمومي على المؤسسات التربوية، وهذا ينعكس بالطبع على أجور مختلف مكونات الأسرة التربوية وأشكال تشغيلها وجودة تكوينها، وحالة البنى التحتية والتجهيزات، والأدوات التعليمية، ونفقات صيانتها، وتجديدها. 

في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، بدأ الإجهاد يظهر على التعليم في تونس مع تزايد نسب الفشل المدرسي والانقطاع عن الدراسة وعدم تواؤم البرامج المدرسية مع التطورات الحاصلة في العالم. كما عاشت تونس أزمة سياسية اقتصادية انتهت بانقلاب الجنرال "بن علي" على الرئيس بورقيبة في 1987. دخل بن علي منذ سنة 1990 في صراع عنيف مع الإسلاميين، وكان النظام التربوي أحد الأسلحة التي استعملت في المعركة. في 1991 تم اعتماد "إصلاح تربوي" جديد قاده الوزير محمد الشرفي. ألغي التكوين المهني من النظام التربوي ليصبح جسماً مستقلاً بذاته يتبع وزارة التشغيل، وفرضت إجبارية الدراسة إلى حد سن الـ 12. كما أقر تعريب المواد العلمية طيلة مرحلة التعليم الأساسي وإدخال اللغة الإنجليزية تدريجياً، لكن مع "إعادة الاعتبار" للغة الفرنسية في السنوات الأولى من الدراسة. وتم أيضاً فصل التربية المدنية عن التربية الإسلامية.

لم يعمِّر "إصلاح الشرفي" طويلاً. ففي 2002 اعتمدت وزارة التربية إصلاحاً تربوياً جديداً عبر "القانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي" واعتبرته القاعدة التي ستُبنى فوقها "مدرسة الغد". وأبرز ما جاء به هذا الإصلاح تمديد إجبارية التعليم إلى سن الـ 16، ومنذ 2002 لم تعرف البلاد إصلاحاً تعليمياً واسع النطاق.

المعطيات الرقمية

اليوم تبلغ نسب التمدرس 99.1 في المئة لدى الأطفال من الفئة العمرية 6-11 سنة، و95.4 في المئة لدى فئة 12-16 سنة. في العودة المدرسية 2022 – 2023 استقبلت 6129 مؤسسة تربوية عمومية حوالي مليونين ومئتي ألف تلميذ يدرِّسهم أكثر من 151 ألف مدرِّسة ومدرِّس. مجانية التعليم وإجباريته وحرص الدولة على تعليم البنات جعل الأرقام تتقارب بين الجنسين، بل وتميل إلى صالح الإناث في عدة مستويات. في الابتدائي هناك 92 فتاة مقابل كل 100 ولد، وابتداءً من المرحلة الثانية من التعليم الأساسي (الإعداديات) تتغير النسب فنجد 117 فتاة مقابل كل 100 ولد. 69 في المئة من الفتيات يجتزن السنة التاسعة أساسي ويدخلن التعليم الثانوي، في حين لا تتجاوز النسبة 50 في المئة لدى الفتيان، و61 في المئة ينهين التعليم الثانوي مقابل 45 في المئة من الذكور. على المستوى المهني، هناك تفوق للنساء في كل مستويات التعليم: 130 معلمة مقابل كل 100 معلم في المرحلة الابتدائية، و110 أستاذة مقابل كل 100 أستاذ في مرحلتي الإعدادي والثانوي.

الفوارق بين الأرياف والمدن

   لكن هذه النسب العالية يجب ألا تحجب حقائق حول عدة أشكال من التفاوت بين المحافظات، وحتى داخل المحافظة الواحدة (وسط حضري / ريفي). ترتيب المحافظات حسب نسبة النجاح في امتحان الباكالوريا مرآة صافية للتفاوت التعليمي في تونس. تحتكر ولاية صفاقس (وسط شرقي) المرتبة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً ثم تليها في المراتب الخمس الأولى محافظتان على الأقل من منطقة الساحل (سوسة والمنستير والمهدية، وسط شرقي) وعلى الأقل محافظة من إقليم تونس الكبرى (العاصمة ومنوبة وأريانة وبن عروس، الشمال الشرقي)، وفي المراتب المتوسطة نجد محافظات من الشمال والوسط الشرقيين (نابل، بنزرت، زغوان، قابس، مدْنين)، أما المراتب المتدنية فهي "حكر" على المحافظات الداخلية الغربية من الشمال إلى الجنوب. بالإمكان مراجعة نتائج أي دورة سنوية للباكالوريا منذ السبعينيات للتأكد من أن هذا الترتيب شبه ثابت خاصة في قسمه العلوي. كلما كنتَ أقرب إلى السواحل كلما زادت حظوظ نجاحك، معضلة تونس الكبرى - وجزء هام من دول الجنوب- هي اللاعدالة في توزع الثروة والموارد والخدمات والبنى التحتية، وهذا ينطبق على التعليم.

 حتى في المحافظة "المحظوظة" نفسها لا يخلو الأمر من تفاوتات واضحة. أرقام المعهد الوطني للإحصاء الصادرة في 2018، توضح أنه كلما انتقلنا إلى مرحلة تعليمية أعلى كلما ظهر التفاوت بين الوسطين الحضري والريفي جلياً: 97.2 في المئة من تلاميذ الوسط الحضري ينهون المرحلة الابتدائية مقابل 90 في المئة في الوسط الريفي، وفي المرحلة الإعدادية تصبح النسبة 81.7 مقابل 59.2، أما في التعليم الثانوي فالنسبة هي 57 في المئة مقابل 29.6.

هذه الأرقام تعكس مجهودات كبيرة في تعميم التعليم. لكن، على المستوى النوعي كانت هناك فترات من الصعود وفترات من الركود، والآن مرحلة تقهقر متعددة الأوجه.

تراجع الإنفاق العمومي على التعليم

أحد الأبعاد الرئيسية في أزمة التعليم في تونس مادي، بمعنى تراجع الإنفاق العمومي على المؤسسات التربوية، وهذا ينعكس بالطبع على أجور مختلف مكونات الأسرة التربوية وأشكال تشغيلها وجودة تكوينها، وحالة البنى التحتية والتجهيزات، والأدوات التعليمية، ونفقات صيانتها، وتجديدها. نقص الإنفاق العمومي خلق أيضاً توتراً في العلاقة بين مختلف الفاعلين في العملية التربوية. خلال السنوات العشر الأخيرة لم تخلُ سنة دراسية من إضرابات وتحركات احتجاجية لنقابات المدرّسين استمر بعضها لأشهر.

معضلة البطالة لدى حاملي الشهادات الجامعية تلقي بظلالها على المراحل التعليمية السابقة للجامعة، وتخلق نوعاً من السباق المحموم لصناعة "سوبر" تلميذ منذ سن الخامسة يمكنه الوصول فيما بعد إلى واحدة من الاختصاصات "المرموقة" وذات التشغيلية العالية.

في العقد الأخير، صار هناك هوس حقيقي بالتفوق لدى أولياء أمور التلاميذ، خاصة من أبناء الطبقات الوسطى. ينفقون أموالاً طائلة - وإن استلزم الأمر الاستدانة وبيع ممتلكات - لتسجيل أبنائهم في مؤسسات تربوية خاصة، تونسية وأجنبية. خلال السنة الدراسية 2012 – 2013 كان عدد مؤسسات التعليم الابتدائي الخاص 155 مؤسسة يرتادها 33732 تلميذاً، في حين كان عدد المدارس الإعدادية والمعاهد الخاصة 299 يرتادها 63784 تلميذاً. أما في السنة الدراسية 2022- 2023 فقد بلغ عدد المؤسسات الابتدائية الخاصة 669 مدرسة تقدّم خدماتها لـ 121579 تلميذاً، و511 مؤسسة تعليم إعدادي وثانوي خاص يدرس بها 102574 تلميذاً. ولا يتوقف الأمر عند التعليم الخاص، فهناك أيضاً المراكز الأجنبية لتعليم اللغات والدروس الخصوصية، ودورات "تنمية الذكاء والمهارات". وسط هذا "الصراع من أجل البقاء" تفقد المدرسة التونسية بسرعة دورها في ضمان حد أدنى من تساوي الحظوظ، وتقليص الفوارق الطبقية والجهوية.

تعليمٌ عالٍ وآفاق متدنية

حتى بداية ستينيات القرن الفائت، كان أغلب الناجحين في انهاء التعليم الثانوي يجدون أنفسهم أمام اختيارات محدودة، فإما الاكتفاء والخروج إلى سوق الشغل أو مواصلة التعليم في جامعات خارج البلاد، في فرنسا أساساً، وبدرجة أقل في جامعات المشرق العربي. طيلة فترة الاحتلال الفرنسي لتونس، لم يتم تأسيس إلا مؤسسة جامعية واحدة: "معهد الدراسات العليا بتونس" الذي أُحدث سنة 1945 وكان ملحقاً بأكاديمية باريس. أغلب طلبته لم يكونوا من التونسيين وإنما من الفرنسيين، وظل المعهد موجوداً حتى بعد نهاية الاحتلال الفرنسي، ولم تقع "تونسته" بشكل كامل إلا بعد الإصلاح التعليمي في 1958، وإحداث "جامعة تونس" في سنة 1960.

مقالات ذات صلة

حتى سنة 1973 كانت كل المؤسسات الجامعية متركزة في العاصمة تونس. بعد ذلك شُرع في إحداث جامعات في مدن أخرى على رأسها محافظات صفاقس وسوسة والمنستير. لكن نسق اللامركزية ظل بطيئاً، وعوض توسيع خارطة الجامعات تم تركيز أقطاب جامعية في بضع محافظات ساحلية. وهذا التفاوت سيبقى قائماً إلى اليوم وانعكاساته جلية.

أقرّت الدولة التونسية مجانية التعليم العالي، وجملة الإجراءات والمؤسسات منذ السنوات الأولى لظهور الجامعة التونسية: مدن جامعية توفِّر سكناً للطلبة بمعلوم منخفض جداً، منح مالية شهرية للطلبة، مطاعم جامعية تقدم الطعام للطلبة مقابل تعريفة رمزية، الخ. وعلى الرغم من كل هذه المحفِّزات، ظلت الجامعة التونسية إلى أواخر الثمانينيات نخبوية.

معضلة البطالة لدى حاملي الشهادات الجامعية تلقي بظلالها على المراحل التعليمية السابقة للجامعة، وتخلق نوعاً من السباق المحموم لصناعة "سوبر" تلميذ منذ سن الخامسة، يمكنه الوصول فيما بعد إلى واحدة من الاختصاصات "المرموقة" وذات التشغيلية العالية. 

عندما استقلت البلاد لم يكن عدد التونسيين المؤهلين للتدريس في الجامعة يتجاوز 30 فرداً من قرابة ثلاثة ملايين ونصف المليون تونسي/ة، واعتمدت الدولة في مرحلة أولى بشكل قوي على المتعاونين الأجانب للتدريس في الجامعة التونسية، ففي سنة 1971 كان عددهم 314 متعاوناً من بينهم 290 فرنسي/ة، ثم بدأت الكفة تميل تدريجياً إلى صالح التونسيين حتى صار عددهم يتجاوز 1000 مدرّس مطلع الثمانينيات الفائتة. عدد الطلبة التونسيين شهد هو الآخر نقلة هائلة: من 800 طالب سنة 1956 إلى أكثر من 30 ألف طالب مطلع الثمانينيات الفائتة.

أقرّت الدولة التونسية مجانية التعليم العالي، وجملة الإجراءات والمؤسسات منذ السنوات الأولى لظهور الجامعة التونسية: مدن جامعية توفِّر سكناً للطلبة بمعلوم منخفض جداً، منح مالية شهرية للطلبة، مطاعم جامعية تقدم الطعام للطلبة مقابل تعريفة رمزية، الخ. وعلى الرغم من كل هذه المحفِّزات، ظلت الجامعة التونسية إلى أواخر الثمانينيات نخبوية نسبياً، ففي سنة 1956 كانت نسبة التونسيين المسجلين في الجامعة تقدر بـ 0.06 في المئة من إجمالي عدد السكان، ثم أصبحت 0.13 سنة 1966 (2.5 في المئة من فئة 19- 24 سنة) ولم تتجاوز 0.55 سنة 1984 (5 في المئة من فئة 19-24 سنة). بداية من أواسط التسعينيات بدأت النسبة تتطور بشكل ملحوظ فبلغت 1.49 في المئة سنة 1997 (14 في المئة من فئة 19-24 سنة)، ثم قفزت إلى 3.45 سنة 2009 (45 في المئة من فئة 19-24 سنة). ومنذ تلك السنة بدأت النسب بالتراجع تدريجياً لتصل إلى 2.34 في المئة سنة 2016 (وهذه إحدى تأثيرات أزمة بطالة أصحاب الشهادات الجامعية). ونسبة الرسوب كانت مرتفعة جداً.

منذ أواسط التسعينيات الفائتة بدأت الدولة تعتمد سياسة "دمقرطة" الوصول إلى التعليم العالي عبر التخفيف من شروط اجتياز الباكالوريا والقبول في الجامعات وشروط الانتقال من مستوى جامعي إلى آخر، وكذلك عبر الترفيع في طاقة الاستيعاب ببناء عشرات المؤسسات الجامعية الجديدة والسعي إلى إدخال محافظات داخلية إلى الخارطة الجامعية. وكما كانت لهذه "الدمقرطة" السريعة نتائج إيجابية، فإن انعكاساتها السلبية لم تكن بالقليلة: اكتظاظ في الجامعات، تدنٍ في مستوى تكوين المتخرجين، إحداث مؤسسات ومسارات وشهادات جامعية بدون قيمة معرفية و/أو تشغيلية حقيقية، الخ.

طيلة فترة الاحتلال الفرنسي لتونس، لم يتم تأسيس إلا مؤسسة جامعية واحدة: "معهد الدراسات العليا بتونس" الذي أُحدِث سنة 1945 وكان ملحقاً بأكاديمية باريس. أغلب طلبته لم يكونوا من التونسيين وإنما من الفرنسيين، وظل المعهد موجوداً حتى بعد نهاية الاحتلال الفرنسي، ولم تقع "تونسته" بشكل كامل إلا بعد الإصلاح التعليمي في 1958، وإحداث "جامعة تونس" في سنة 1960. 

حتى سنة 1973 كانت كل المؤسسات الجامعية متركزة في العاصمة تونس، لكن نسق اللامركزية ظل بطيئاً. هناك 10 محافظات من أصل ال24 محافظة يقلّ فيها عدد المؤسسات الجامعية عن خمسة، وهناك في العاصمة أكثر من 30 مؤسسة. وعلى سبيل المقارنة، هناك 17 معهداً للدراسات التحضيرية الهندسية في تونس، منها 16 في محافظات ساحلية. 

أما المحفّز الأكبر، أي فرصة العثور على عمل لائق أجراً وظروفاً فقد انتكس بشكل كبير. منذ أواخر التسعينيات الفائتة ظهر في تونس ما يسمى ببطالة حاملي الشهادات العليا. لم يكن سوق الشغل التونسي المحدود في حجمه وقطاعاته مهيأ لاستقبال عشرات آلاف الجامعيين كل سنة. في كانون الثاني/يناير 2023 بلغت نسبة البطالة على المستوى الوطني 15.6 في المئة، حسب أرقام المعهد الوطني للإحصاء، و24 في المئة عند حاملي الشهادات الجامعية. ولكن وحتى عندما أقرت الدولة "إصلاحاً" شاملاً للتعليم العالي في مطلع الألفية الحالية، فإن التغيير كان شكلياً واقتصر تقريباً على مراجعة عدد سنوات الدراسة ونظام التقييم ومسميات الشهادات.

النساء

استفادت التونسيات من دمقرطة التعليم العالي بشكل كبير واستطعْن أن ينافسن الذكور وحتى التفوق عليهم، عددياً على الأقل. في مختتم السنة الجامعية 2019/2020 بلغ عدد المتخرجين 51988 من بينهم 36284 طالبة. وخلال العودة الجامعية 2022 / 2023 بلغ عدد الطلبة 305635 طالباً من بينهم 193168 طالبة. التفوق العددي للإناث في الجامعة لا يُترجم بالضرورة تفوقاً في سوق الشغل، فما زال هناك حضور أقوى للذكور في الشِعب الجامعية الأكثر تشغيلية. ونذكر هنا بأن نسبة البطالة لدى النساء من حاملات الشهادات الجامعية تفوق 30 في المئة. 

حتى على مستوى الإطار التدريسي، تسجِّل التونسيات تقدماً هائلاً: 11.000 مدرّسة مقابل 11.700 مدرّس. لكن يجب مرة أخرى تنسيب الأمور. كل ما كانت الدرجة المهنية أعلى كلما عادت "الغلبة" للرجال: مقابل كل 100 "أستاذ جامعي" (رتبة وليست صفة) هناك 18 امرأة في الرتبة نفسها، ومقابل كل 100 "أستاذ محاضر" هناك 36 أستاذة محاضِرة، وتنقلب النسب في الرتب الأدنى، فهناك حوالي 150 "أستاذة مساعدة" مقابل كل 100 "أستاذ مساعد".

التفاوتات

بعد 60 عاماً من إرساء أسس التعليم العالي الرسمي في تونس، وصلنا إلى حصيلة جيدة على المستوى الكمي لكنها متذبذبة على المستوى النوعي، كما ان هناك تفاوتات كبيرة كرّست أوجه متعددة ومزمنة من اللاعدالة.

هناك أكثر من 203 مؤسسة تعليم عالي عمومي في تونس. تُشرف وزارة التعليم العالي على أكثر من 170 مؤسسة بشكل كليّ والبقية بالشراكة مع وزارات أخرى. 153 مؤسسة جامعية - أي أكثر من 75 في المئة من مجموع المؤسسات - تقع في محافظات تطلّ على البحر أي في الجهة الشرقية للبلاد. يضمّ إقليم تونس الكبرى وحده (2.9 مليون نسمة من جملة 12 مليون تونسي، موزعين على العاصمة تونس ومحافظات أريانة ومنوبة وبن عروس) 62 مؤسسة جامعية عموميّة أي قرابة الثلث، منها 36 وحدة في محافظة تونس فقط.

تبلغ نسب التمدرس 99.1 في المئة لدى الأطفال من الفئة العمرية 6-11 سنة، و95.4 في المئة لدى فئة 12-16 سنة. في2022 - 2023استقبلت 6129 مؤسسة تربوية عمومية حوالي مليونين ومئتي ألف تلميذ يدرِّسهم أكثر من 151 ألف مدرِّسة ومدرِّس. مجانية التعليم وإجباريته وحرص الدولة على تعليم البنات جعل الأرقام تتقارب بين الجنسين، بل وتميل إلى صالح الإناث في عدة مستويات.

استفادت التونسيات من دمقرطة التعليم العالي بشكل كبير واستطعْن أن ينافسن الذكور وحتى التفوق عليهم، عددياً على الأقل. في مختتم السنة الجامعية 2019/2020 بلغ عدد المتخرجين 51988 من بينهم 36284 طالبة. لكن يجب مرة أخرى تنسيب الأمور. كل ما كانت الدرجة المهنية أعلى كلما عادت "الغلبة" للرجال.

من بين 305 ألف طالبـ/ة مسجلين في السنة الجامعية 2022-2023 حسب النشرة الإحصائية لوزارة التعليم العالي، نجد أن هناك 171 ألف طالب، أي 56 في المئة، يدرسون في ثماني محافظات (من جملة 24 محافظة): محافظات إقليم تونس الكبرى الأربع ومحافظات نابل وسوسة والمنستير وصفاقس، وهي محافظات يسكنها قرابة 6 ملايين فرد أي 50 في المئة من سكان البلاد. هذه المعادلة تبدو منطقية و"عادلة" وحتى إيجابية جداً مقارنة بالمعادلة التي كانت قائمة سنة 1973: 100 في المئة من الطلبة التونسيين يدرسون في محافظة واحدة وهي العاصمة تونس. لكن الأمور ليست بمثل هذه البساطة، فهذا "التوازن" الديمغرافي يخفي اختلالات كمية ونوعية مؤثرة جداً.

هناك 10 محافظات يقلّ فيها عدد المؤسسات الجامعية عن خمسة، و7 محافظات توجد فيها ما بين 5 و10 مؤسسات، و5 محافظات بين 11 وعشرين مؤسسة، محافظة واحدة أكثر من 20 مؤسسة (صفاقس) ومحافظة واحدة أكثر من 30 مؤسسة (العاصمة تونس). وعلى سبيل المقارنة، هناك 17 معهداً للدراسات التحضيرية الهندسية في تونس: منها 16 في محافظات ساحلية ومعهد واحد في محافظة داخلية (قفصة)، وقرابة 30 مؤسسة لتكوين المهندسين ثلاثة أرباعها موجودة في محافظات ساحلية. كليّات الطب أربع فقط، تتوزع بين أربع محافظات ساحلية. لدينا كلية واحدة للصيدلة وأخرى لطب الأسنان وكلتاهما موجودتان في المحافظة الساحلية، المنستير. الأمر نفسه بالنسبة لمؤسسات التكوين في القضاء والهندسة المعمارية و"البوليتكنيك" والصحافة والسينما: مؤسسة واحدة في العاصمة تونس. كليات الحقوق سبع، خمس منها في محافظات ساحلية. وكذا الأمر بالنسبة للعلوم السياسية (4 مؤسسات: اثنتان في العاصمة وواحدة في سوسة فقط وأخرى في القيروان). باختصار، الشِعب ذات الأفق التشغيلية الأكبر والتي تُعتبر أيضا خزّان النُخب تتركّز في ثلاث أو أربع محافظات ساحلية. كل هذا يعني أنّ لامركزية التعليم العالي ظلت سطحية جداً، فالمدن الساحلية الكبرى احتكرت بشكل شبه كلّي الجامعات والاختصاصات "المرموقة" والمطلوبة في السوق، في حين تركزت عشرات المؤسسات ذات الطاقة الاستيعابية المحدودة جداً والمسالك القصيرة والاختصاصات "المغبونة" في عدة محافظات داخلية فقيرة حيث الفلاحة والأنشطة الاستخراجية والتهريب هي الأعمال الاقتصادية المهيمنة.

***

نصَّ الباب الثامن من دستور 25 تموز/يوليو 2022 على إحداث " المجلس الأعلى للتربية والتعليم"، ويُنتظر أن ينطلق عمله قريباً. وكانت وزارة التربية والتعليم قد أطلقت يوم 15 أيلول/سبتمبر 2023 "الاستشارة الوطنية حول إصلاح نظام التربية والتعليم"، وهي استشارة الكترونية مفتوحة أمام عموم التونسيين. وعلى الرغم من كل المآخذ حول محتوى هذه الاستشارة "الشاملة" وسطحية بعض محتواها، ومساواتها المختصين في الحقل التربوي مع بقية المواطنين، واستغلالها من قبل السلطة الحاكمة لتجنب الحوار الحقيقي مع نقابات التعليم والمجتمع المدني فإنها قد تكون خطوة أولى في طريق الإصلاح.

اقرأ أيضا: "التعليم قضية"

______________________

*النص الثاني من دفتر "انهيار التعليم العام في منطقتنا يرهن المستقبل" بدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ.

محتوى هذا المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من تونس

كيف تعيش تونس الحرب على غزة؟

آخر الشهداء التونسيين مع النضال الفلسطيني محمد الزواري، المهندس التونسي الذي اغتاله "الموساد" أمام بيته في مدينة "صفاقس" (وسط شرق تونس) في كانون الأول/ديسمبر 2016. يومها اكتشف التونسيون ان الشهيد...

الاعتداءات على أفارقة جنوب الصحراء في تونس: ضغط فغليان فانفجار..

يتوقع انفجار آثام وجرائم أربعة قرون من السياسات الغربية في أفريقيا (تجارة الرقيق، استعمار مباشر، نهب الثروات والموارد الطبيعية، استعمار جديد، دعم الديكتاتوريات والميلشيات الدموية، تكريس الهيمنة والتبعية) في وجه...

للكاتب نفسه

كيف تعيش تونس الحرب على غزة؟

آخر الشهداء التونسيين مع النضال الفلسطيني محمد الزواري، المهندس التونسي الذي اغتاله "الموساد" أمام بيته في مدينة "صفاقس" (وسط شرق تونس) في كانون الأول/ديسمبر 2016. يومها اكتشف التونسيون ان الشهيد...

الاعتداءات على أفارقة جنوب الصحراء في تونس: ضغط فغليان فانفجار..

يتوقع انفجار آثام وجرائم أربعة قرون من السياسات الغربية في أفريقيا (تجارة الرقيق، استعمار مباشر، نهب الثروات والموارد الطبيعية، استعمار جديد، دعم الديكتاتوريات والميلشيات الدموية، تكريس الهيمنة والتبعية) في وجه...