العدوان على غزة.. بين مصر الشعبية ومصر الرسمية

كسرت المظاهرة يوم الجمعة 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لدعم فلسطين المنع المفروض من السلطة منذ سنوات وفاجأتها بشعارات خارج سرب "التفويض". لم تكن هناك هتافات مؤيدة للرئيس، بل هتفت الجموع "المظاهرة دي بجد.. احنا مش بنفوض حد". ووجهت رسالة إلى الرئيس "تفويض إيه يا عم؟ خلي عندك دم" و"لا النقب ولا سيناء.. فلسطين كاملة لينا"، فيما مزّق عدد من المتظاهرين صوراً للرئيس السيسي.
2023-11-23

أحلام السويسي

كاتبة من مصر


شارك
على الجدار في أحد الشوارع المصرية

سنوات من خطاب الكراهية الموجه ضد الفلسطينيين وتشديد الحصار على قطاع غزة... هكذا أدت السلطات المصرية دورها كمساعد مخلص لإسرائيل، في حين يجري اليوم الحديث عن موجة أخرى، تقول بـ "رفض تصفية القضية الفلسطينية". تتلاعب الأنظمة وتُغيّر من مواقفها المعلنة وفقاً لمصالحها، لكن ليس هذا ما تفعله الشعوب.

المصريون جيلاً بعد جيل يتعاملون مع فلسطين كقضية مركزية على الرغم من الآلة الإعلامية التي استمرت مُسلّطة على عقولهم، تخبرهم ليلاً ونهاراً بأن المقاومة الفلسطينية ليست سوى "إرهاب" يهدد أمن سيناء. كيف لنا أن ننسى اعتقال شاب مصري لمجرد أنه رفع العلم الفلسطيني في استاد القاهرة خلال مباراة كرة قدم؟

أساليب النضال الفلسطيني في مواجهة الاحتلال ألهمت المصريين خلال معاركهم الداخلية مع الأنظمة الحاكمة. ارتبطت قضية التحرر المصرية بالقضية الفلسطينية، فعندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية في مطلع الألفية الثالثة، خرجت المظاهرات المساندة للشعب الفلسطيني في مختلف المحافظات المصرية وساحات الجامعات والمدارس، متيحة اَفاقاً جديدة للاحتجاج والغضب.

ثم جاءت "ثورة يناير 2011" لتبدأ معها فترة من المقاومة لسياسات السلطة الحاكمة والتي من بينها علاقات تطبيع السلطات مع العدو الإسرائيلي. ظهر هذا الارتباط خلال الثورة المصرية في ميدان التحرير حيث كانت فلسطين جزءاً أصيلاً من الشعارات، كما طرحت الثورة إعادة هيكلة السياسة الخارجية وعلى رأسها العلاقة مع إسرائيل التي تربطها بمصر معاهدة "سلام" بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978.

في أعقاب الثورة المصرية، بتاريخ 9 أيلول / سبتمبر 2011، اقتحم مئات من المتظاهرين مقر السفارة الإسرائيلية في القاهرة احتجاجاً على مقتل خمسة من العسكريين المصريين التابعين لقوات حرس الحدود في سيناء نتيجة إطلاق صاروخ إسرائيلي سقط بالقرب من معبر رفح المؤدي إلى قطاع غزة في 18 اَب / أغسطس من العام نفسه. لكنّ الاعتذار الذي قدمته الحكومة الإسرائيلية حينها لم يُقبل شعبياً، وشهدت البلاد مطالبة للمجلس العسكري الحاكم بضرورة اتخاذ موقف قوي للرد على هذا الاعتداء، وقامت جموع المحتجين بتحطيم الجدار الخرساني الذي أقامته السلطات أمام مبنى السفارة، وكانوا قد كتبوا عليه قبل تحطيمه عبارة "تحرير فلسطين يبدأ بتحرير مصر" في إشارة إلى الوحدة النضالية وأن معركة فلسطين تخاض أيضاً ضد أنظمتنا. يخبرنا "جورج حبش" في رسالة وجهها إلى الشعوب العربية "خير ما تقدمونه للشعب الفلسطيني هو النضال ضد أنظمتكم الرجعية".

صرخة شعبية: "مش هنفوض حد"

على هامش المؤتمر الصحافي الذي جمع بين الرئيس السيسي والمستشار الألماني "أولاف شولتز" في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بالقاهرة، أشار السيسي إلى إمكانية خروج المصريين للتظاهر احتجاجاً على المقترحات الإسرائيلية بتوطين الفلسطينيين في سيناء. وقال: "إذا استدعى الأمر أطلب من الشعب المصري الخروج للتعبير عن رفض هذه الفكرة، فسترون ملايين من المصريين يخرجون للتعبير عن رفض الفكرة ودعم الموقف المصري".

هذا التلميح الذي أطلقه السيسي سرعان ما تناقلته وسائل الإعلام المملوكة للدولة باعتباره دعوة إلى "التفويض الشعبي" للرئيس في اتخاذ أي إجراءات تتعلق بحماية الأمن القومي المصري، وفي اليوم التالي عقد البرلمان جلسات طارئة وأعلن عن منح الرئيس تفويضاً.

استهجن الرئيس فكرة نقل أهالي غزة إلى سيناء، لكنه في الوقت ذاته خرج بتصريحات ترفض أن تتحول سيناء إلى قاعدة انطلاق لما أسماها "عمليات إرهابية" ضد إسرائيل.

أكثر من 2000 طبيب استقبلت نقابة الأطباء طلباتهم للتطوع في المبادرة التي أعلن عنها النقيب بالانضمام إلى الطواقم الطبية في غزة من خلال التنسيق مع الهلال الأحمر المصري، وأبدت النقابة استعدادها لتقديم كافة أشكال الدعم لمستشفيات غزة في حال تأمين دخولهم إلى القطاع. 

دفعت المشاهد المأساوية لمجزرة "المستشفى المعمداني" إلى انطلاق التظاهرات الحاشدة دعماً لغزة في أماكن متفرقة يوم الجمعة 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. مظاهرات من إعداد السلطة والتابعين لها، في مقابل مظاهرات شعبية عفوية، هكذا كان المشهد في الشوارع والميادين المصرية. وسائل إعلامية قريبة من السلطة دعت إلى التظاهر من أجل تفويض الرئيس، وحددت بعض نقاط التجمع، أبرزها ميدان المنصة في القاهرة. كما لعبت أحزاب السلطة دوراً بارزاً في عملية نقل المتظاهرين بحافلات تابعة لها إلى هذه النقاط للتعبير عن دعم القيادة السياسية تحت اسم "جمعة تحيا مصر".

بينما شهدت منطقة وسط القاهرة المظاهرة الأكبر خلال اليوم حيث خرجت أعداد كبيرة بشكل عفوي من الجامع الأزهر وبدأت مسيرة زحف جماهيرية كبيرة نحو ميدان التحرير الذي تحول إلى ثكنة عسكرية بوجود قوات أمنية مدججة بالسلاح. حتى أن هذه المسيرة تفوقت في الحشد على الوقفة التي دعت لها أحزاب المعارضة في "الحركة المدنية الديمقراطية" بمنطقة المهندسين في محافظة الجيزة على الرغم من كونها عفوية واستطاعت الوصول إلى الميدان بعد اختراق العديد من الحواجز الأمنية التي حاولت السيطرة على الحدث ومنع التقدم خلال الطريق.

ميدان التحرير في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 خلال تظاهرة داعمة لفلسطين. من صفحة المحامية ماهينور المصري على فيسبوك

ميدان التحرير في القاهرة اكتسب رمزية بارزة منذ ثورة يناير، وقد حولته السلطات منذ سنوات إلى منطقة تمركزات أمنية تُمنَع فيها التجمعات، بل أن التظاهر في حد ذاته باتت الحكومة تعتبره خروجاً على القانون تقود الدعوة إليه أو المشاركة فيه إلى السجن.

الملفت أن هذه المظاهرة لدعم فلسطين كسرت الحصار المفروض من السلطة منذ سنوات وفاجأتها بشعارات خارج سرب "التفويض". لم تكن هناك هتافات مؤيدة للرئيس، بل هتفت الجموع "المظاهرة دي بجد.. احنا مش بنفوض حد". ووجهت رسالة إلى الرئيس "تفويض إيه يا عم؟ خلي عندك دم" و "لا النقب ولا سيناء.. فلسطين كاملة لينا"، فيما مزق عدد من المتظاهرين صوراً للرئيس السيسي.

(لحظة دخول مسيرة دعم فلسطين إلى ميدان التحرير في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2023)

خرجت التظاهرات في مختلف المحافظات المصرية وليس في العاصمة فقط. ومن بينها تظاهرة في مدينة الإسكندرية بالقرب من منطقة محطة الرمل، رفع المشاركون فيها لافتات كتب عليها "لا للتفويض".

اعتقالات لداعمي فلسطين

التجمعات في ميدان التحرير لم تستغرق أكثر من ساعتين، بعدها قررت قوات الأمن فض التجمع ومطاردة المحتجين في الشوارع الجانبية وسط حالة من الغضب سيطرت على المتظاهرين الذين رددوا هتافات أثناء مطاردة الشرطة لهم أبرزها "آسفين يا فلسطين.. احنا كمان محتلين".

خلال هذا اليوم فقط، ألقت القوات الأمنية القبض على 43 متظاهراً من الميدان ومحيطه في القاهرة بشكل عشوائي أثناء تفريق المحتجين. كما طالت الاعتقالات أيضاً عدداَ من المشاركين في التظاهرات في المحافظات. وبحسب تقارير حقوقية فإن قوات الأمن اعتقلت ما لا يقل عن 72 شخصاً من بينهم 4 أطفال في الفترة بين 20 و24 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شاركوا في احتجاجات جماهيرية تضامناً مع فلسطين في القاهرة والإسكندرية.

لحظة القبض على شاب في محيط ميدان التحرير وسط القاهرة خلال تظاهرة لدعم فلسطين في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

عدد من المحبوسين على خلفية دعم غزة، اعتقلوا من منازلهم ثم حبسوا مع الآخرين على ذمة القضية رقم 2468 حصر أمن دولة عليا وفقاً لقانون الإرهاب. وتستمر السلطات بقمع أي محاولة للتعبير عن التضامن الشعبي مع فلسطين، كما حدث في إحدى التجمعات الأخيرة يوم الجمعة 27 تشرين الأول/ أكتوبر في أحياء القاهرة التاريخية بمنطقة الأزهر عندما هاجمت الشرطة المتظاهرين، واعتقلت بعضهم.

التضييق الأمني على كل من يريد التعبير عن دعمه لفلسطين، دفع "الحملة الشعبية لدعم القضية الفلسطينية" إلى إلغاء مؤتمرها الصحافي عن معتقلي التضامن مع فلسطين، الذي كان مقرراً له أن ينعقد بمقر حزب "التحالف الشعبي الاشتراكي"، حيث انتشرت قوات الأمن بشكل مكثف في محيط المقر، فأعلنت الحملة: "حرصاً منا على عدم تعريض أشخاص إضافيين للخطر أو للاعتقال.. قررنا آسفين ومضطرين لإلغاء المؤتمر في اللحظة الأخيرة!".

مواقف نقابية

من أولى ردود الفعل النقابية على عملية "طوفان الأقصى"، كانت نقابة الصحافيين المصرية سباقة في إصدار بيان داعم مؤكدة على أن انحيازها للمقاومة هو دعم للحقوق الفلسطينية المشروعة. تبنت النقابة العديد من الفعاليات المساندة لغزة، وبادرت بالدعوة إلى وقفة تضامنية جماهيرية أمام مقرها بالقاهرة رداً على الجرائم الصهيونية، وذلك في اليوم التالي لارتكاب الاحتلال مجزرة "المستشفى المعمداني". تعالت الأصوات خلال الوقفة بضرورة أن تقوم السلطات بفتح معبر رفح لإدخال الإمدادات واستقبال الجرحى من أهل غزة، كما أعلنت لجنة الإغاثة في النقابة عن فتح مقرها لاستقبال التبرعات العينية تمهيداً للإعلان عن موعد تحرك قافلة باسم جميع النقابات إلى قطاع غزة.

نقابة المحامين هي أيضاً أعلنت عن البدء في إجراءات تنظيم قوافل إغاثة بالتنسيق مع الجهات المختصة، ونعت في بيان لها شهداء المحاماة الذين سقطوا في غزة. وتنفيذاً لقرار مجلس النقابة العامة، انتفضت نقابات المحامين الفرعية ونظمت وقفات تنديداً بالعدوان الإسرائيلي.

لم تستغرق التجمعات في ميدان التحرير أكثر من ساعتين، قررت بعدها قوات الأمن فض التجمع ومطاردة المحتجين في الشوارع الجانبية وسط حالة من الغضب سيطرت على المتظاهرين الذين رددوا هتافات أثناء مطاردة الشرطة لهم أبرزها "آسفين يا فلسطين.. احنا كمان مُحتلين".

بحسب تقارير حقوقية، فإن قوات الأمن اعتقلت ما لا يقل عن 72 شخصاً من بينهم 4 أطفال في الفترة بين 20 و24 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شاركوا في احتجاجات جماهيرية في القاهرة والإسكندرية تضامناً مع فلسطين.

أكثر من 2000 طبيب استقبلت نقابة الأطباء طلباتهم للتطوع في المبادرة التي أعلن عنها النقيب بالانضمام إلى الطواقم الطبية في غزة من خلال التنسيق مع الهلال الأحمر المصري، وأبدت النقابة استعدادها لتقديم كافة أشكال الدعم لمستشفيات غزة في حال تأمين دخولهم إلى القطاع.

سارعت النقابات المهنية المصرية جميعها إلى عقد اجتماعات مشتركة طارئة لبحث سبل تقديم الدعم والمساندة إلى الشعب الفلسطيني، واتخذت عدداً من الإجراءات على رأسها تشكيل لجنة تنسيق دائمة تضم ممثلين عن كل النقابات، وحظر كافة أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني. فقد تمت مطالبة وزيرة الثقافة المصرية بالانسحاب الفوري من معرض فرانكفورت للكتاب بسبب المشاركة الصهيونية بالمعرض.

مقاطعة

خلال الأيام الأولى للعدوان على غزة، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي حملات قوية في مصر ودول أخرى لمقاطعة شركة المأكولات الأمريكية "ماكدونالدز"، وذلك بعد انتشار صور على موقع "إكس" لجنود الاحتلال وهم يحملون وجبات مجانية حصلوا عليها من فروع سلسلة المطاعم التابعة للشركة في عدد من المدن الفلسطينية المحتلة.

النقابات المهنية المصرية جميعها سارعت إلى عقد اجتماعات مشتركة طارئة لبحث سبل تقديم الدعم والمساندة إلى الشعب الفلسطيني، واتخذت عدداً من الإجراءات على رأسها تشكيل لجنة تنسيق دائمة تضم ممثلين عن كل النقابات، وحظر كافة أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني. فقد تمت مطالبة وزيرة الثقافة المصرية بالانسحاب الفوري من معرض فرانكفورت للكتاب بسبب المشاركة الصهيونية بالمعرض. 

الصفحة الرسمية "ماكدونالدز إسرائيل" كانت قد نشرت صوراً داعمة لدولة الاحتلال في بداية عملية "طوفان الأقصى"، أدت إلى شن دعوات مقاطعة واسعة. وهو ما اضطر شركة "مانفودز- ماكدونالدز" في مصر إلى إصدار بيان للتعليق على الدعوات بعد ساعات قليلة من إطلاقها، ذكرت فيه أنها شركة مصرية خالصة، في محاولة للتبرؤ من الشركة العالمية.

كان ذلك مجرد بداية فقط، فالمصريون اليوم يقفون أمام المنتجات داخل المنافذ التجارية ويسألون السؤال الأهم "دي مقاطعة ولا معانا؟". استمرت حملات المقاطعة بشكل مكثف لتشمل قوائم بالشركات الأجنبية الداعمة للاحتلال الإسرائيلي تزامناً مع التصعيد في غزة.

وجدت العلامات التجارية الكبرى نفسها هدفاً رئيسياً لمقاطعة شعبية يدفعها الشعور بالمسؤولية تجاه ما يحدث، ولعدم المساهمة في تمويل القتل، في حين أن مبيعات الشركات المصرية شهدت صعوداً ملحوظاً بعد الاتجاه إلى البحث عن بدائل محلية.

اعتبرت حركة مقاطعة إسرائيل في مصر (BDS) أن كل المحاولات الشعبية في هذا الإطار هي مساعي محقة لأن الكثير من الشركات العالمية تجمعها المصالح المشتركة وترتبط بالاقتصاد الإسرائيلي بدرجات متفاوتة، لكنها أوضحت أنها تعتمد في عملها على مبدأ المقاطعة المستهدَفة للجهات الاكثر تورطاً، من أجل تأثير مضاعف.

مقالات من مصر

السيسي وثمن دماء الفلسطينيين

حسام خليفة 2024-02-26

تضاعف الدين المصري، في السنوات الخمس الأولى من عهد "نظام يوليو 2013"، أكثر من خمسة أضعاف بحسب وزير المالية المصري آنذاك، عمرو الجارحي. بينما ارتفع إجمالي الدين الخارجي المصري إلى...