نكبة ثانية؟ مسؤوليات "المجتمع الدولي"

يجب أن تُقرأ المطالبة الإسرائيلية بإخلاء مدينة غزة من سكانها (مليون نسمة) واجلائهم نحو جنوب القطاع على ضوء نموذج التطهير العرقي. وهو يقوم هنا على فكرة التهجير إلى مصر. وتؤكد الضغوط الغربية المسلَّطة على مصر لحملها على الموافقة على فتح "ممر انساني" باتجاه سيناء تماهي المجتمع الدولي مع الرؤية الاسرائيلية.
2023-10-17

ميشيل سيبوني

مناضلة فرنسية وإحدى مؤسسي "الإتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام"


شارك
| fr
ميشيل سيبوني

ميشيل سيبوني*

ترجمه من الفرنسية محمد رامي عبد المولى

يمنح الموقف الذي يتبناه اليوم "المجتمع الدولي" - واقعياً الدول الغربية الكبرى – في أعقاب الهجوم الذي نفذته حركة "حماس" ضد إسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، صكاً جديداً على بياض للحكومة الإسرائيلية، وذلك في لحظة مفصلية. الهدف المنشود معروف منذ زمن طويل، وأفعال النظام الإسرائيلي خلال الأشهر الأخيرة تصيغه وتترجمه على الأرض في الضفة الغربية: أقل عدد ممكن من الفلسطينيين فوق أكبر مساحة ممكنة من الأراضي المستولى عليها والمضمومة الى اسرائيل، من البحر إلى نهر الأردن. بعبارة أخرى، أرض مفْرغة من سكانها الفلسطينيين ومفتوحة أمام الاستعمار: "استبدال عظيم" (1) حقيقي بحسب التعبير الذي يستعمله البعض، أو استعمار استيطاني كما يصفه آخرون. أما الفلسطينيون فيطلقون على هذه اللحظة تسمية النكبة الثانية.

____________
من دفاتر السفير العربي
في أهمية موقف اليهود المناهضين لإسرائيل والصهيونية
____________

يجب أن تُقرأ المطالبة الإسرائيلية بإخلاء مدينة غزة من سكانها (مليون نسمة) واجلائهم نحو جنوب القطاع على ضوء هذا النموذج (من التطهير العرقي). وهو يقوم هنا على فكرة التهجير إلى مصر. وتؤكد الضغوط الغربية المسلَّطة على مصر لحملها على الموافقة على فتح "ممر انساني" باتجاه سيناء تماهي المجتمع الدولي مع الرؤية الاسرائيلية. لكن، ألم يحن الوقت بعد لفرض وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن الإسرائيليين الذين ما زالوا على قيد الحياة مع السجناء الفلسطينيين؟ رهائن يبدو ان النظام الإسرائيلي قد قرر، في سابقة ملفتة، التضحية بهم. أليست المساعدة على الخروج من الفوضى عوضاً عن رعايتها وتأجيجها هو الدور المنتظَر من المجتمع الدولي؟ هذا الأخير راكم المسؤوليات خلال كل العمليات الإسرائيلية التي استهدفت غزة.

- المسؤولية الأولى: عدم الأخذ بعين الاعتبار، ولو لمرة، تقارير منظمات الأمم المتحدة حول جرائم الحرب التي اقترفتها إسرائيل ضد السكان المدنيين في غزة خلال تنفيذها عمليتي "الرصاص المصبوب" في 2009 و"الجرف الصامد" في 2014 ، والاكتفاء بإبداء تحفظات حول "تناسبية ردود الفعل الإسرائيلية" مع ما اعتبره اعتداءات من قبل "حماس". هذا التثبيت لحالة الإفلات من العقاب، وهذا الرفض لوقف الهجمات الإسرائيلية عبر التلويح بفرض عقوبات، عززا لدى الإسرائيليين، حكومة تلو الأخرى، يقيناً بأنه ليس هناك حدود لما يمكن فعله في غزة، وبأنهم في منأى عن أي محاسبة عندما يقومون بكل الارتكابات الممكنة بدءاً من استعمال الأسلحة الكيماوية المحرّمة مثل الفسفور الأبيض، وكذلك استخدام المدنيين كدروع بشرية، وإطلاق النار في مناطق ذات كثافة سكانية عالية جداً وقصفها. فلنتذكر الجملة التي قالها "غانتس" (2) متبجحاً بإعادة غزة إلى العصر الحجري بعد عملية "الجرف الصامد" في 2014.

-المسؤولية الثانية: ضمان استدامة حصار قطاع غزة منذ سنة 2006، أي 17 عاماً بالتمام والكمال! بامتناعه عن ممارسة أي ضغط على إسرائيل حتى تنهي الحصار، واكتفائه بإدراج حركة حماس على قائمة المنظمات الإرهابية، صار المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية عزل وشيطنة كامل هذا الجيب المطوّق الذي يعيش فيه مليونان وثلاث مئة ألف ساكن - رجالاً ونساءً وأطفالاً- لم يبقَ أمامهم من خيار إلا الحفاظ على البقاء والغضب الهائل - والمتعاظم يوماً بعد يوم- من الظلم والعنف المسلطين عليهم. الصمت الدائم لهذا المجتمع الدولي إزاء الانتهاكات التي يرتكبها المستوطنون والجيش الاسرائيلي في الضفة الغربية يُظهر بالفعل أن الأمر لا يتعلق فقط بحركة "حماس" وغزة، بل هو تخلي كلّي عن جميع الفلسطينيين.

من هاتين المسؤوليتين تنبع مسؤولية ثالثة. المسؤولية عن الرد الإسرائيلي –"المتوحش" هو الآخر- على الهجوم الذي قامت به "حماس".

مقالات ذات صلة

الموقف الذي يتخذه هذا المجتمع الدولي بدلاً من فرض حماية كل المجتمعات الواقعة في دائرة الصراع، والبحث عن حل سلمي وعادل، سمح بحدوث الهجوم الفلسطيني في 7 تشرين الأول/أكتوبر، وهيأ له المناخ الملائم. أيادي هذا المجتمع الدولي هي أيضاً ملطخة بدماء كل ضحايا الصراع الدائر بين إسرائيل وغزة.

سيكون من الضروري دراسة (التاريخ هو من سيخبرنا) ما الذي يعنيه دفع الدولة اليهودية إلى اقتراف مثل هذه الجرائم ودعمها وتشجيعها على ذلك. شخصياً، أسميه "معاداة للسامية"!

افتتاحية نشرت على موقع Agence Media Palestine بتاريخ 13 تشرين الأول / أكتوبر 2023

______________________

*ميشيل سيبوني إحدى مؤسسي "الاتحاد اليهودي الفرنسي للسلام" ورئيسته السابقة، وهي مناصرة فعّالة للقضية الفلسطينية ومناضلة ضد الصهيونية.   

______________________

 1- ملاحظة من المترجم: الاستبدال العظيم Le grand remplacement ، مصطلح ومفهوم شائع في أدبيات أقصى اليمين الأوروبي - خاصة الفرنسي - ، يُقصد به تغيير التركيبة الديمغرافية "المسيحية البيضاء" لأوروبا وهويتها بسبب تدفق المهاجرين من عرقيات وأديان وثقافات أخرى.     
 2- ملاحظة من المترجم: "بيني غانتس"، قائد هيئة أركان الجيش الإسرائيلي ما بين 2011 و2015، وحالياً وزير بلا حقيبة في "مجلس الطوارئ الإسرائيلي" (كابينيت الحرب).

مقالات من فلسطين

غزة القرن التاسع عشر: بين الحقيقة الفلسطينية والتضليل الصهيوني

شهادة الكاتب الروسي ألكسي سوفورين الذي زار غزة عام 1889: "تسكن في فلسطين قبيلتان مختلفتان تماماً من حيث أسلوب الحياة: الفلاحون المستقرون والبدو المتجوّلون بين قراها. الفلاحون هنا هم المزارعون....

وليد دقة الذي عاش ومات حرّاً

2024-04-11

عاش وليد دقّة غصباً عن القيد، غصباً عن السجان، غصباً عن الزنزانة، غصباً عن دولة الاحتلال بأكملها، غصباً عن العالم المختلّ بأسره، غصباً عن المرض أيضاً، غصباً عن العمر المنهوب...