من الكفاح ضد الاستعمار إلى التعبئة من أجل الحريات: كرة قدم الشعب في الجزائر

أصبح الملعب مركزاً للتعبئة الشعبية، ومنتجاً لدلالات سياسية عملية تناقلها الرأي العام بشكل واسع على اختلاف شرائحه الاجتماعية. والتحمس لهذه الرياضة ليس أمرا مستجدا. فقد لعبت كرة القدم دوراً مهماً في تاريخ الجزائر المقاوِمة للاستعمار فكانت فرقها تحتضن تعبيراً سياسياً هوياتياً مناهضاً له. وتظل كرة القدم في فترة الثورة ضد الاستعمار أو في زمن المطالبة بالحريات والكرامة، إحدى نواقل المطالب السياسية للشعب الجزائري.
2023-05-30

عمر بن درة

خبير اقتصادي من الجزائر، عضو في Watch Algeria


شارك
| en
غرافيتي من انجاز مشجعي "نادي الشباب الرياضي ببلوزداد"، الجزائر.

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

عبر ترديدهم بصوت واحد الشعارات والأهازيج الاحتجاجية لمشجعي فرق كرة القدم في العاصمة الجزائرية، فرض المشاركون في مظاهرات "الحراك" (2019) على الجميع الاعتراف الصريح بملاعب كرة القدم بوصفها فضاءات سياسية تلعب أدواراً رئيسية. تسربت الأغاني الحماسية المفعمة بالغضب من الملاعب وسرت في شرايين كل المدن الجزائرية. وهكذا أصبح الملعب مركزاً للتعبئة الشعبية، ومنتجاً لدالاّت سياسية عملية تناقلها الرأي العام بشكل واسع على اختلاف شرائحه الاجتماعية. ومن دلائل أهمية كرة القدم في المشهد الاجتماعي-الجزائري غزارة ما خُصّص لها من دراسات وتحليلات تاريخية أو سوسيولوجية، ومقالات متنوعة جداً لصحفيين وكتاب مختصين في الشأن السياسي لم يُعرف عنهم في العادة اهتمامهم بتغطية الأحداث الرياضية. يكفي القيام ببحث سريع على الإنترنت حتى نتأكد من ذلك (1).

في الجزائر، كما هي الحال في كثير من البلدان التي تندر فيها وسائل الترفيه أو لا تكون في متناول الطبقات الشعبية، تمثّل كرة القدم ملكة الرياضات بلا أدنى شك، طبعاً باعتبارها عرضاً فرجوياً أكثر بكثير من كونها ممارسة جماهيرية رائجة. في الواقع، على الرغم من إنشاء عدة ملاعب كبيرة في مختلف أرجاء البلاد منذ السبعينيات، فإن المنشآت والبنى التحتية المخصصة للشباب للقيام بالتدريبات ولعب المقابلات على مستوى الأحياء السكنية نادرة وأبعد ما تكون عن تلبية تطلعات شبيبة متخلى عنهم. الاستثمار في المنشآت الرياضية القريبة من السكان محدود جداً وضئيل مقارنة بالاحتياجات. كرة القدم التي يلعبها شباب الأحياء الشعبية تُمارَس أساساً في الشوارع أو قطع الأرض المتروكة.

ومع ذلك، فإن غياب سياسة عمومية لتطوير الأنشطة الرياضية ليس له أي تأثير على ولع الجمهور الجزائري بكرة القدم. وهذا ما يمكن التثبت منه كل يوم جمعة عندما تغص مدارج كل ملاعب البلاد - بلا استثناء - بالجماهير، وخاصة خلال مقابلات المنتخب الوطني التي تطبعها شحنة عاطفية تكتسح الفضاء العام في جو متقد حماساً.

جذور كرة القدم في الجزائر والتحرر المناهض للاستعمار

التحمس لهذه الرياضة، وما تنقله وتبثه من معان سياسية وشحنة انفعالية ليست أموراً مستجدة. لعبت كرة القدم دوراً مهماً في تاريخ الجزائر المقاومة للاستعمار. ولدت أولى الفرق الرياضية الجزائرية الخالصة في أوج الهيمنة الاستعمارية، وذلك قبيل سنوات من الاحتفال المتغطرس، سنة 1930، بمرور قرن على احتلال الجزائر.

وعلى الرغم من التشكيك في ريادته من قبل فرق رياضية أخرى مثل "نادي مولودية وهران" و"النادي الرياضي القسنطيني"، التي تعتبر أن تاريخ تأسيسها الحقيقي أقدم من التاريخ الرسمي المعتمد، فإن "نادي مولودية الجزائر" ذا الشعبية الهائلة والذي تأسس رسمياً في 1921 يُعتبر عميد كرة القدم الجزائرية.

تحيل تسميات هذه الفرق، التي تنامى عددها بسرعة في كامل أرجاء الجزائر، إلى مدنها الأصلية وفي الكثير من الأحيان إلى الديانة الإسلامية، للتمايز عن الفرق "الأوروبية" المشكَّلة أساساً من "الأقدام السوداء" (2).

وحتى قبل تأسيس حركة "الكشافة الإسلامية الجزائرية" (1935) التي تعد أول مدرسة جماهيرية لتشكيل الوعي الوطني لدى الشباب، كانت فرق كرة القدم الأطر الأولى التي احتضنت تعبيراً سياسياً هوياتياً مناهضاً للاستعمار بشكل شبه معلن. وبطبيعة الحال، فهمت السلطات الاستعمارية الخطر الذي يمكن أن تشكله هذه التجمعات، فسعت بشتى الوسائل إلى منع فرق كرة القدم من التحول إلى أراض خصبة للفكر الوطني الوحدوي. ولهذه الغاية فرضت عدة إكراهات على هذه النوادي مثل ضمّ عدد معين من اللاعبين غير المسلمين إلى الفرق وتخصيص مقراتها حصرياً للأنشطة المرتبطة مباشرة بممارسة الرياضة (3).

كثيراً ما كانت المواجهات بين المشجعين من "الأهالي" (السكان الأصليون) و"الأقدام السوداء" في المدارج، حيث يسود فصل عنصري صارم، صدى للمواجهات بين اللاعبين في الميدان (4). مثلاً الانتصار الذي حققه منتخب من لاعبي شمال أفريقيا (5) على منتخب فرنسا خلال مقابلة ودية جمعتهما في أيلول/سبتمبر 1954، أي قبل شهرين من "الفاتح من نوفمبر 1954" تاريخ اندلاع حرب التحرير الوطنية، رأى فيه كثير من الاستقلاليين المتحمسين إشارة من القدر (6).

وقد تخللت المباريات التي لعبت في الأشهر الأولى من حرب التحرير اشتباكات أكثر فأكثر عنفاً بين المشجعين "الأهالي" و"الأقدام السوداء"، وكثيراً ما تحولت إلى أعمال شغب. وتلبية لنداء جبهة التحرير الوطني، انسحبت الفرق الجزائرية نهائياً من كل المنافسات الرسمية.

لكن أكبر انتصار حققته جبهة التحرير الوطني في الميدان السياسي هو بلا شك "انشقاق" لاعبين جزائريين مشهورين -في نيسان/أبريل 1958- كانوا ينشطون في صفوف أكبر النوادي الفرنسية (7). هؤلاء اللاعبون سيعززون صفوف فريق كرة القدم التابع لجيش التحرير الوطني الذي تأسس قبل تلك الحادثة بأشهر قليلة (1957) في أوج حرب التحرير، وأصبح المنتخب الوطني للجزائر المحارِبة. وإلى حد استقلال الجزائر سنة 1962، خاض هذا الفريق قرابة 90 مقابلة في مختلف أرجاء العالم وشكل رافعة شديدة النجاعة للبروباغندا الموجهة للعالم. أسر هذا الفريق، باعتباره رمزاً جامعاً في مسار استرداد الكرامة المستباحة، قلب الجمهور الرياضي الجزائري وخلق لديه تعلقاً عميقاً بالمنتخب الوطني لا يزال مستمراً إلى اليوم.

الصفحة الأولى لجريدة "ليكيب" الفرنسية، بتاريخ 15 نيسان/ابريل 1958

الملعب: متنفس ومنتدى الاحتجاج

ظلت الفترة المؤسِسة لهذا الفريق ولكرة القدم المقاوِمة حية في الذاكرة الجماعية، لكن ما آلت اليه الأوضاع بعد الاستقلال لا يشبه كثيراً هذا الإرث المجيد. فبصفة عامة كان النظام التسلطي المنبثق عن الصراع حول السلطة في صيف 1962 (8) يعتبر الرياضة أمراً ثانوياً. بطبيعة الحال، اهتم الحكام المتعاقبون بالفوائد السياسية المحتملة لكرة القدم فيما يتعلق بالشعبية والقاعدة الاجتماعية لكنهم لم يستثمروا في تطويرها. تعميم التعليم مثّل الجزء الأعظم من استراتيجية السياسات المتتالية الموجهة للشباب. وهكذا تشكلت كرة القدم الجزائرية من غير أن يكون لها مشروع رياضي حقيقي، وظلت إصلاحات سنة 1977 المحاولة الحقيقية الوحيدة لتنظيم هذه الرياضة وإرساء قواعد بنية تحتية تلبّي تطلعات واحتياجات شعب فتي يشهد نسبة نمو ديمغرافي قوية.

رأى كثير من الاستقلاليين المتحمسين الانتصار الذي حققه منتخب من لاعبي شمال أفريقيا على منتخب فرنسا خلال مقابلة ودية جمعتهما في أيلول/سبتمبر 1954 - أي قبل شهرين من "الفاتح من نوفمبر 1954"، تاريخ اندلاع حرب التحرير الوطنية - إشارة من القدر.

تلبية لنداء "جبهة التحرير الوطني"، انسحبت الفرق الجزائرية نهائياً من كل المنافسات الرسمية. لكن أكبر انتصار حققته "جبهة التحرير الوطني الجزائرية" على مستوى الميدان السياسي كان "انشقاق" لاعبين جزائريين مشهورين - في نيسان/أبريل 1958- وهم كانوا ينشطون في صفوف أكبر النوادي الفرنسية. 

هدفت هذه الإصلاحات ذات النَفًس "الاشتراكي" إلى إلحاق الجمعيات الرياضية الكبرى بمؤسسات عمومية وذلك - حسب التفسيرات الرسمية - لغاية منحها الإمكانيات الضرورية لتطوير أنشطتها. هذه المبررات صادقة بكل تأكيد، لكن نوايا أصحاب القرار في ذلك الوقت انطلقت قبل كل شيء من السعي لحرمان قوى سياسية - كانت آنذاك غير منظمة بشكل كافٍ - من أرضية للتأثير على الشباب. في الواقع، تزامنت نهاية فترة حكم هواري بومدين، الذي توفي في كانون الأول/ديسمبر 1978، مع ظهور توترات هوياتية في منطقة القبائل (ملاحظة المترجم: منطقة يهيمن عليها العنصر الأمازيغي) إثر الشروع في سياسة تعريب لم تراع الخصوصيات التاريخية والخصائص الاجتماعية-الثقافية للبلاد. في هذا السياق، عبّر مشجعو نادي "الشبيبة الرياضية للقبائل" - خلال نهائي كأس الجزائر في حزيران/يونيو 1976 - عن استهجانهم الصاخب لحضور الرئيس بومدين الذي كان جالساً في المنصة.

الرئيس أحمد بن بلة يستقبل هواري بومدين قائد جيش التحرير الوطني اثر وصوله إلى العاصمة الجزائرية، الملعب البلدي بالجزائر، 10 أيلول / سبتمبر 1962، أ.ف.ب.

وانطلاقاً من هذا الحدث غير المسبوق، ستتحول ملاعب كرة القدم، إلى غرف صدى للسخط الشعبي. مثّل العرض الممتاز الذي قدمه المنتخب الوطني خلال مشاركته في كأس العالم 1982، على الرغم من الخداع الذي كان ضحيته (9)، فاصلا قصيرا من الحماسة الجماعية في مرحلة من التردي السريع للوضع الاجتماعي-الاقتصادي، انطلقت مع تهاوي أسعار المحروقات في سنة 1986. خلال تلك الفترة المتسمة بالاحتقان المتنامي، كان ظهور المسؤولين الرسميين يثير السخرية ويطلق العنان لشتائم المشجعين في مدارج الملاعب. في ثمانينيات القرن الفائت كانت مباريات كرة القدم، خاصة "الدُربيات" (وهي المقابلات بين فريقين من المدينة نفسها) التي تُؤجج خصومات تتجاوز أحياناً المنافسة الرياضية، تنتهي كلها بمظاهرات فوضوية ومواجهات عنيفة جداً أحياناً مع قوات الأمن.

في بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر 1988 تجلّت التوترات في قمة السلطة، بين أنصار الانفتاح النيوليبرالي والمنادين بالحفاظ على الوضع القائم، في شكل مظاهرات "عفوية" لآلاف الشباب عبر كامل أرجاء البلاد. على خلفية من البطالة المستشرية والنقص الحاد في السلع وارتفاع الأسعار، عبّرت هذه الاضطرابات بشكل قوي عن الظروف التي تعاني منها الطبقات الشعبية في مجتمع مكمم الأفواه يرزح تحت حكم الحزب الواحد. قُمعت هذه المظاهرات من قبل الجيش والشرطة السياسية اللذين اقترفا مذبحة ذهب ضحيتها مئات القتلى - الأغلبية الساحقة منهم شباب ويافعون - ورافقتها انتهاكات مخيفة لحقوق الانسان.

ما بين الشرطة السياسية والاوليغارشيا: تلاعب وإلهاء

انطلاقاً من ذلك الحدث وإلى اليوم، ظلت الملاعب معقل التعبير السياسي الشعبي بامتياز، والمتنفس الجماعي لشبيبة تُغنّي غضبها ويأسها بالاهانات والشتائم التي تكيلها إلى كل السلطات. افتَتح انقلاب 11 كانون الثاني/يناير 1992، الذي قطع المسار الديمقراطي المستتبِع لأحداث تشرين أول/اكتوبر 1988، مرحلة من العنف الدموي الهائل. خلال "الحرب القذرة" على المدنيين التي استمرت إلى بداية سنوات 2000، مات عشرات آلاف الجزائريين في ظروف مريبة (10). ظلت هويات مقترفي هذه الجرائم ضد الإنسانية غير معروفة في أغلب الأحيان، والمعروفون منهم يتمتعون بحصانة كاملة. طيلة تلك الفترة المشؤومة، كانت المدارج تدوي بأهازيج استفزازية تمجّد قادة الجماعات الإرهابية التي تنسب نفسها إلى الإسلام دون أن يعي المشجعون أن معظم هؤلاء "الأمراء" كانوا في الحقيقة عملاء سريين زرعتهم الشرطة السياسية أو مقاتلين استطاعت استقطابهم وتجنيدهم، وهذا ما سيكتشفونه لاحقاً (11).

شهد العام 1988 مظاهرات لآلاف الشباب عبر البلاد، بسبب البطالة والنقص الحاد في السلع وارتفاع الأسعار، عبّرت عن الظروف التي تعاني منها الطبقات الشعبية في مجتمع مكمم الأفواه يرزح تحت حكم الحزب الواحد. قُمعت هذه المظاهرات من قبل الجيش والشرطة السياسية اللذين اقترفا مذبحة ذهب ضحيتها مئات القتلى - الأغلبية الساحقة منهم شباب ويافعون - ورافقتها انتهاكات مخيفة لحقوق الانسان. 

إزاء استحالة منع المسابقات الرياضية في سياق العنف الهائل الذي ساد في تسعينيات القرن الفائت، سعت السلطات إلى التحكم في الأمور قدر الامكان، وتصريف غضب جموع المشجعين الذين كانوا في حالة غليان. ولهذا الغرض سيطرت الشرطة السياسية بفضل أتباعها المخلصين على دفة القيادة في "الجامعة الجزائرية لكرة القدم" ونوادي كرة القدم، وحاولت فتح قنوات تواصل مع المشجعين. لكنها ستتبين أنّ اختراق مجموعات المشجعين والتلاعب بها مهمة أكثر تعقيداً مما تعتقد. فهذه المجموعات القاعدية غير المهيكلة رسمياً تتكون في الأساس من شباب الأحياء الذين يعرفون بعضهم البعض جيداً. وعلى الرغم من كل التدابير البوليسية، ظل المسؤولون الرسميون المبعوثون إلى الملاعب يتعرضون كل جمعة - يوم خوض المنافسات - إلى الشتائم والاهانات التي يكيلها لهم جمهور متّقد ومشحون.

في بداية سنوات 2010 وانسجاماً مع سياسة الخصخصة التي أطلقتها اتفاقيات إعادة جدولة الديون الموقّعة مع صندوق النقد الدولي في سنتي 1994 و1995، ووسط مناخ التربح والنهب الذي ساد فترة حكم بوتفليقة، قررت السلطات أن تفرض النظام الاحترافي على نخبة نوادي كرة القدم. وهكذا تسلم الأوليغارشيون قيادة الفرق، وقد راهنت الشرطة السياسية على قدراتهم المثبتة في الإفساد وشراء الذمم لاحتواء قادة جماهير كرة القدم وتخفيف حدة وحماسة النفس الاحتجاجي لدى الشبيبة. وعلى الرغم من ضخ رساميل ضخمة، فإن هذا التغيير في الوضع القانوني للفرق وإدارتها بشكل متخبط من قبل "رجال أعمال" متواطئين لم يقدما أي شيء لتحسين جودة كرة القدم الوطنية ولم يساهما - بل على العكس - في تقليص مظاهر غضب الجمهور.

الملايين من هواة كرة القدم لا ينتمون إلى أي فصيل معارض وكل ما يقومون به هو الإفصاح عن حبهم لبلادهم. هؤلاء الشباب المتَّحدون (irrédentistes) والفطنون، لديهم يقين بأن آفاق تحسن الأوضاع لا يمكنها أن تأتي من ديكتاتورية عسكرية - بوليسية غاشمة وفاسدة كلياً.

لكن أصحاب القرار الحريصين على صرف انتباه الرأي العام الساخط على رداءة المتحكمين في السلطة، وجدوا في الدعم غير المشروط الذي تقدمه شرائح واسعة من الجزائريين للمنتخب الوطني لكرة القدم رافعة فعالة لتحسين المناخ العام في البلاد عبر الالهاء.

"دخلة" نادي "مولودية الجزائر"

ولم يتردد النظام في استغلال الغضب الشديد الذي انتاب الجمهور على إثر الممارسات العنيفة التي تعرض لها المنتخب الوطني الجزائري في القاهرة/مصر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2009 (12). لم تحرك السلطات في البلدين ساكناً لتهدئة الخواطر الغاضبة، بل فعلت العكس، فانخرطت وسائل الاعلام المصرية والجزائرية في مزايدة أنمت الأحقاد وساهمت في تسميم الأجواء.

 وبتعليمات من الرئيس بوتفليقة، نقلَ الأسطول الجوي المدني والعسكري آلاف المشجعين الجزائريين المستشيطين غضباً إلى السودان - الذي احتضن مقابلة العودة - حيث قدموا دعماً حاسماً للمنتخب الوطني. وشكل الانتصار لحظة تناغم قصيرة العمر بين الشعب وأصحاب القرار. النجاح الذي حققه "الأفناك" (جمع فنك، "ثعالب الصحراء"، التسمية التي تطلق على لاعبي المنتخب الجزائري لكرة القدم) في الفترة ما بين 2013 و2019، والذي بلغ أوجه مع إحراز كأس افريقيا للأمم، احتفى به الجمهور في فورات من البهجة الجماعية التي نادراً ما تكررت منذ الاستقلال.

ملاعب وحدة البلاد

هذا لا يمنع أنّ فواصل البهجة النادرة هذه قصيرة المدى، فالملاعب ظلت مراجل يحتدم فيها غضب شباب الطبقات الشعبية من غير أي تحفظ. وهذا الغضب لم يكن موجهاً إلى قادة البلاد فقط، فالجمهور الذي طالما عبر عن تضامنه مع القضية الفلسطينية لا يتردد في التعريض، دون مواربة وبمصطلحات حادة جداً أحياناً (13)، بمن أداروا لها ظهورهم (14).

تيفو رفعه مشجعو فريق "عين مليلة" تنديدا بمشروع "صفقة القرن"، 2017.

جمهور "اتحاد العاصمة" يغني لفسلطين ويندد بمن "باعوا" قضيتها

في بداية سنوات 2010 وانسجاماً مع سياسة الخصخصة التي أطلقتها اتفاقيات إعادة جدولة الديون الموقعة مع صندوق النقد الدولي في سنتي 1994 و1995، ووسط مناخ التربح والنهب الذي ساد فترة حكم بوتفليقة، قررت السلطات أن تفرض النظام الاحترافي على نخبة نوادي كرة القدم.

ومع فرض النظام الاحترافي، تسلم الأوليغارشيون قيادة الفرق. وقد راهنت الشرطة السياسية على قدراتهم المثبَّتة في الإفساد وشراء الذمم لاحتواء قادة جماهير كرة القدم وتخفيف حدة وحماسة النفس الاحتجاجي لدى الشبيبة... بلا طائل! 

شكلت مظاهرات "الحراك" الشعبية، التي انطلقت في 22 شباط/فبراير 2019 وامتدت بشكل سريع جداً إلى كل مدن البلاد، فرصة لجموع المتظاهرين الضخمة حتى تظهر قدرات خلاقة ومدهشة في ابتداع الشعارات والأهازيج واليافطات. لكن أكثر ما شد انتباه الملاحظين في البداية أغنية "لا كازا دل مرادية" (15) التي رددتها بشكل جماعي فئات اجتماعية جد متباينة.

"ساعات الفجر وما جاني نوم
راني نكو أنسومني غير بشوية
شكون السبة وشكون نلوم
ملّينا المعيشة هاديِّا"

منذ أول مقطع، نفهم أن شاباً من الأحياء الشعبية يتحدث، أصابه الأرق لدرجة أنه لم يتمكن من النوم حتى آذان الفجر. فقيرٌ هو، إذ يستهلك قطعة الحشيش خاصته بتقتير، ونشعر بأنه تائهٌ في تساؤلات وجودية حول أسباب تعاسته. وهنا تتحول الـ"أنا" التي يتحدث بها إلى"نحن" ليقول: "نحن مللنا من هذه المعيشة".

"في الأولى نقولو جازت، حشاوهالنا بالعشرية
في الثانية الحكاية بانت: لاكازا دل مرادية".

هنا، تنحدر القصة إلى درس في التاريخ الشعبي. في البداية، نالوا منا عن طريق تخويفنا بـ"العشرية" (عَقْد الحرب الأهلية). لكن في العهدة الثانية، أصبحت الأمور أكثر وضوحاً، صرنا في "لاكازا دل مرادية" ("المرادية" مصطلح يشير الى القصر الجمهوري وذلك بحسب مكان وجوده)، تماماً مثل مسلسل "لا كازا دي بابيل" (16) Casa del Papel: في الاختلاس.

"في الثالثة البلاد شيانت مالمصالح الشخصية
فِالرابعة البوبية ماتت وما زالت القضية".

في العهدة الثالثة، خسَّ وزن البلد من كثرة مصّ دمائه عن طريق المصالح الشخصية، وفي الرابعة، ماتت الدمية (بوتفليقة)، ومع ذلك، لم ننته من هذه القصة.

الخامسة راي تسويفي بيناتهم راي مبنية
والباسي راو أرشيفي ب لافوا تاع الحرية"

ها هي العهدة الخامسة المدبرة فيما بينهم قد أعلنت، لكن الماضي محفوظٌ في الأرشيف بصوت الحرية.

"فيراجنا الهدرة بريفي يعرفوه كي يتقيا
مدرسة ولازم "سي في" بيرو محو الأمية"

"فيراجنا" ("الفيراج" هو المدرجات الجنوبية التي يجتمع فيها الألتراس) نتحدث فيها بشكل خاص فيما بيننا، وحين نتقيأ كلماتنا يتعرفون علينا. هي مدرسةٌ، يلزمك سيرة ذاتية لتنضم إليها، وهي مكتب لمحو الأمية".

أنصار "اتحاد العاصمة" يرددون أغنية "لاكازا دل مرادية"

يبدو أن كثيرين يحفظون كلمات هذه الأغنية عن ظهر قلب، وهي مستوحاة مباشرة من مسلسل "لا كازا دي بابيل" التلفزي الاسباني الذي حظي بنجاح جماهيري كبير إثر عرضه على منصة "بث متدفق/ستريمينغ" مشهورة، "أنتجها" مشجعو" الاتحاد الرياضي لمدينة الجزائر" ("اتحاد العاصمة") (17). هذا الفريق، لطالما اعتبر جمهوره مرجعاً في مجال تنشيط الملاعب، وعُرف بالقدرة الإبداعية الكبيرة لمشجعيه والتي تجمع ما بين السخرية والتهكم والاحتجاج السياسي.

حتى وإن انطفأت المظاهرات في المدن الكبرى بسبب الأزمة الوبائية والانهاك وضراوة القمع، فإن أهازيج المشجعين التي يصدحون بها بـ"الدارجة" - اللهجة التي يتحدثها سكان العاصمة لكن يفهمها كل الجزائريين- ما زالت تعبّر عن إحباط شبيبة مسيسة وصافية الذهن (18) تعي الرهانات والمسؤولية المطلقة للطبقة الحاكمة.

اختراق مجموعات المشجعين والتلاعب بها مهمة أكثر تعقيداً مما تعتقد السلطات. فهذه المجموعات القاعدية غير المهيكلة رسمياً تتكون في الأساس من شباب الأحياء الذين يعرفون بعضهم البعض جيداً. وعلى الرغم من كل التدابير البوليسية، ظل المسؤولون الرسميون المبعوثون إلى الملاعب يتعرضون كل جمعة - يوم خوض المنافسات - إلى الشتائم والاهانات التي يكيلها لهم جمهور متّقد ومشحون.

هؤلاء الملايين من هواة كرة القدم لا ينتمون إلى أي فصيل معارض وكل ما يقومون به هو الإفصاح عن حبهم لبلادهم. هؤلاء الشباب المتحدون (irrédentistes) والفطنون، لديهم يقين بأن آفاق تحسن الأوضاع لا يمكنها أن تأتي من ديكتاتورية عسكرية-بوليسية غاشمة وفاسدة كلياً. كلهم يعرفون أن الشيوخ عديمي الأخلاق والكفاءة القابعين في قمة النظام هم المسؤولون الرئيسيون عن كل العرقلات والآفاق المسدودة التي تعترض طريقهم.

عبر كرة القدم، ومن أعلى المنبر الوحيد الذي ما زال متاحا له، يعلن الشباب الجزائري، بلا كلل ولا ملل، رفضه للظلم والاحتقار المسلّطين عليه. كرة القدم في فترة الثورة ضد الاستعمار أو في زمن المطالبة بالحريات والكرامة، تظل دائماً إحدى نواقل المطالب السياسية للشعب الجزائري.

محتوى هذا المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________________

 1-استند الكاتب في هذا المقال بشكل أساسي إلى الدراسة التي نشرها (باللغة الفرنسية) الفقيد جمال بولبيار سنة 1999 تحت عنوان "كرة القدم، والمديني، والديمقراطية" في مجلة "انسانيات" العام 1999، ووضعت على الانترنت في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2012: https://doi.org/10.4000/insaniyat.8324   
2- تسمية أطلقت على المستوطنين الفرنسيين والأوروبيين الذين سكنوا في الجزائر أو ولدوا فيها إبان الاحتلال الفرنسي للبلاد، وتختلف الروايات في أصلها – ملاحظة من المترجم
3- راجع "كرة القدم خلال حرب الجزائر"، فيليب دين وديديه راي:  https://t.ly/5nE1     
4- سرعان ما اصبح الملعب "نموذجا مصغرا عن المواجهات الاثنية" كما يشهد على ذلك تقرير صادر عن محافظ قسنطينة يذكر فيه أعمال عنف تسبب فيها مشجعو الفريق المسلم "الشبيبة الرياضية الجيجيلية" في سنة 1937"، ورد في "من أداة للداعية إلى مرآة لحرب الجزائر: فريق جبهة التحرير الوطني لكرة القدم، 1954 – 1962". فنسنت جاكيه - Bulletin de l'Institut Pierre Renouvin 2018/1( - N° 47)
5- إلى جانب الأسطورة بن مبارك، ضم فريق شمال افريقيا الجزائريين مصطفى زيتوني وعبد العزيز بن طيفور ومختار عريبي وعبد الرحمان بوبكر وعبد الرحمن مفتاح ورشيد بلعيد وسعيد حداد، والمغاربة عبد الرحمان محجوب ومحمد عبد الرزاق وسالم بنميلود بالإضافة إلى التونسي قاسم حسونة.
6- ايف غاستو، جامعة نيس: https://t.ly/WtFE
7- فريق جبهة التحرير الوطني في قلب الكفاح من اجل استقلال الجزائر :    https://t.ly/2_6k
8 -مداخلة لمحند عامر عمّار في الندوة التي نظمتها "مدرسة الأساتذة العليا" بمدينة ليون في حزيران/يونيو 2006 حول الأزمة السياسية بعد الاستقلال في صيف 1962: https://t.ly/M3S
9- للاطلاع أكثر على الظروف الغريبة لهذه المشاركة انظر:   https://t.ly/gapl
10- راجع "الجزائر: آلة الموت": https://algeria-watch.org/?p=52437
11- انظر التقرير عدد 19 الصادر عن "المحكمة الدائمة للشعوب" في 2004: https://www.algerie-tpp.org/tpp/pdf/dossier_19_mvt_islamiste.pdf
12- "مباراة الديكتاتوريات المزورة"، عمر بن درة، نشر على موقع "ألجيريا ووتش" في 13 /12 / 2009: https://algeria-watch.org/?p=65722   
13-مشجعو الاتحاد الرياضي لمدينة الجزائر في 2018: https://t.ly/LB-7
14- الجزائر تعتذر من الرياض بسبب يافطة رفعت في ملعب: https://t.ly/KSK4
15 - الاهزوجة منشورة في دفتر "انتفاضات 2019: ابداع تأسيسي"، في نص عمر زليق المترجم من قِبل "السفير العربي": https://bit.ly/3oAQ3hY
16-https://www.youtube.com/watch?v=SZVSEBEUcTY
17- https://www.usm-alger.com/site/index.php/histoire
18- https://www.youtube.com/watch?v=ncWc_IpcVv0 

مقالات من الجزائر

الذهب الأزرق في الجزائر

يميز الجغرافيا الجزائرية التباين البالغ من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، حيث يتركز تدفق الأمطار في الحافة الشمالية الضيقة للبلاد بينما يكون في المناطق الداخلية ضعيفاً إلى شبه...

للكاتب نفسه