الزفاف بالجزائر: حين تحضر الموضة ويختفي عرس الدّار

يشهد المجتمع الجزائري تحوّلات اجتماعية واقتصادية تكثّفت خلال السنوات العشر الأخيرة مع ارتفاع تكاليف العيش وتدني القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة..
2016-08-08

محمد مرواني

باحث وكاتب صحافي من الجزائر


شارك
حسين سنان - العراق

يشهد المجتمع الجزائري تحوّلات اجتماعية واقتصادية تكثّفت خلال السنوات العشر الأخيرة مع ارتفاع تكاليف العيش وتدني القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة، التي تواجه في آن معاً ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية واتساع الاحتياجات المادية والاستهلاكية للأبناء الذين يعيشون في كنف عائلات تجني مداخليها المالية من رواتب العمل الشهرية، حيث جلّ أرباب هذه الأسر موظفون لدى الدولة (التعليم والإدارة، وهم الفئة المهنية الأكثر اتّساعاً في الوظيفة العمومية بالجزائر).

أظهرت هذه التحولات تغيراً في نمط المعيشة لدى الأسرة الجزائرية يفرض عليها طقوس مستجدة وخاصة أثناء إحيائها لمناسبات اجتماعية تتطلب تكاليف مالية تتجاوز قدراتها. وأكثر المناسبات التي تغير مشهد الاحتفاء بها ويطغى عليها  جانب مادي قاس هو الزفاف الذي تحول من عرس كان يقام بدار العريس إلى "موضة" قاعات الحفلات التي يتم استئجارها لليلة واحدة خلال الصيف بمبالغ باهظة.

"القيطون" والعرس التقليدي

"الدار" هو منزل العريس والعروس، والحفل يحتفظ بشكله التقليدي وخصوصياته، إذ يُقام
"القيطون"، وهو عبارة عن شبه خيمة تقام قرب منزل العروسان المقبل. ونصب القيطون يشير إلى انطلاق حفل الزفاف، أو عرس "الدار". ويوحي هذا "القيطون" للمارة بالحي بأنه ثمة عرساً هنا، كمناسبة سعيدة تحتفل بها العائلة.

وتحضر داخل القيطون نساء يحتفلن على وقع موسيقى جزائرية يغلب عليها "أغاني الرّاي الجديدة" التي تجذب الرقص. وبالمقابل، يتمّ تخصيص مكان آخر للرجال من أقارب العريس وأصدقائه لتقديم طعام العرس لهم، وهذا يبدأ بوصول العريس إلى الدار بعد جولة بالسيارات، والكلمة باللغة الفرنسية تدل على جولة بالمركبات بقوم بها المدعوون للعرس بسياراتهم (COURTAGE) عبر شوارع المدينة.  وتنظّم هذه الجولة حتى في أعراس قاعات الحفلات التي أصبحت الموضة.

تكون الدار التي يقام بها العرس آخر مكان يصل إليه المحتفون، وتظهر سيارة العريس بشكل لافت إذ تزين بالألوان والورود، وتتقدم الموكب الذي يتخذ مكاناً قرب دار العروسين للاستراحة والتمتع بالأجواء الاحتفالية التلقائية والبسيطة التي تسقط فيها كل برتوكولات أعراس الموضة المقامة في قاعات مجهزة للأعراس.

عادة أخرى تحضر في أعراس الغرب الجزائري، وخاصة في المناطق الريفية لمدن مستغانم ووهران وشلف، وتتعلق بشارة عبارة عن "خمار" أو جزء من قماش يأخذ شكل راية أو علم تضعه الأسرة التي تحتفي بالعرس فوق الدار للإعلان عن انطلاق الزفاف الذي يستمرّ على مدار يومين أو ثلاثة في بعض المناطق البعيدة عن المدن.

يرتدي العريس ''البرنوس" الأبيض منذ  أول يوم من أيام عرسه، وهو نفسه الذي يرتديه الجزائريون في المناسبات الدينية أيضاً.. وكان رداء المقاومين في الثورات الشعبية ضد المستعمر الفرنسي.

الـ"سال" .. أو الصّالة

الموضة نقلت العرس في المدن والمناطق الحضرية إلى قاعات الحفلات والفنادق والصالونات الكبرى، وهي تحتضن كل ضيوف العريس، وفي بعض المدن ضيوف العروسين معاً، فيعرف بالـ"ميكس"، أي المختلط بالفرنسية. ويحتفي الرجال مع العريس في قاعة وتحتفي النساء بالعروسة التي يتم تزيينها وإخراجها أمام النساء بألبسة متنوعة ومتعددة وتتزين قبل دخول العريس إلى قاعة العروسة ليجلس بقربها على "الكرسي" (الموضوع لهما في القاعة)، وفي مظهر آخر يمشي العريس مع عروسه أمام الحاضرين من أقاربهما. وتتواصل أجواء الاحتفال التي تكون في هذا الوقت المتأخر  ليلا  قد وصلت إلى وضع ما يسمى في أعراس الموضة بالجزائر بموعد تقسيم "تارت" الزفاف أو قوالب الحلوى في مشهد احتفالي ويتبادلان كؤوس المشروبات، ويضع كل واحد منها في يد الآخر خاتم الزفاف، ويقومان بتحية الحضور ويعودان للجلوس مجددا إلى الكرسي لأخذ الصور مع الأقارب والأصدقاء... وهو الطقس الذي بات "معولماً" إلى حدّ بعيد مع فروقات في التفاصيل.

ترى أسر أخرى من محدودي الدخل أنّ هذه الأعراس الجزائرية العصرية كما يقال مكلفة مادياً ولا يمكن لعائلات العروسين تحمل تبعاتها إذ يصل ثمن استئجار قاعة متوسطة للزفاف إلى مئتي ألف دينار جزائري. ويعرض بالمقابل أصحاب قاعة الحفلات تخصيص غرفة خاصة للعروس لتغيير الملابس والتزيّن ثم تجهيز القاعة بمقاعد الجلوس ووسائل الإضاءة، أمّا بالنسبة للطعام فهو يقع على عاتق العريس الذي يطلب منه مسبقاً إحصاء وتحديد عدد ضيوفه لإطعامهم بكلفة مضافة.

دخلت هذه الأعراس إلى المناطق الداخلية والبلديات الصغيرة وإن بأثمان منخفضة عن قاعات الأعراس بالمدن الكبرى .

وتفضل النساء اللواتي يشرفن على تزويج أبنائهم الأعراس العصرية التي تقام بالقاعات المستأجَرة  لما تعنيه كراحة لهن، إذ لا تقوم النساء في هذا النوع من الأعرس بطهي الطعام أو القيام بالنشاطات الأخرى الاعتيادية التي تجري  في عرس الدّار، إذ يتمّ تحضير الحلويات ومختلف أطباق الطعام ومنها خاصة ''الكُسكُس" عند متخصصين.
العروس تفضّل هي الأخرى إقامة ما يسمى بـ"حنّة العروس" بقاعة الحفلات المستأجَرة، وهي عبارة عن حفل تنظمه عائلة العروس قبل موعد الزفاف بأيام.

وعلى الرغم من ذلك، فما زال عرس الدار التقليدي يوصف بأنه "عرس البركة".

مقالات من الجزائر

الجزائر: الصحة في زمن كوفيد-19

لم تؤدِ الجائحة إلى انهيار النظام الصحي في الجزائر، لكنها، مع ذلك، كشفت بحدة هشاشته الكبيرة، وذلك عبر الاستراتيجيات المعتمدة بين الدولة والقوى الاجتماعية الجديدة، وبين القطاع العام والمنظومة الصحية...

للكاتب نفسه