"يعودُ في العَشيّة أبي من العمل"

استحضار لذكريات مرتبطة بعمل والد الكاتبة لعقود في شركة "ستيا" للنسيج في الاسكندرية، التي أُغلقت منذ زمن، وأهُملت مبانيها حتى نهبها بائعو "الخردة"، وبدأ الآن هدمها. تحية الى العمال بمناسبة الأول من أيار/مايو، عيدهم!
2023-05-01

منى علي علاّم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
أبي (في مقدّمة الصورة) واقفا على ماكينة غزل مع زميل له - خارج أوقات العمل (1968)

في زيارتي الأخيرة إليكَ، استقْبلتني وردة صفراء جميلة. فوجئتُ بها فور اقترابي، لم تكن الوحيدة ولكنّها الأكثر بروزاً. فرحتُ بها كثيراً. هذا المخلوق الرقيق للغاية الذي نبَت بتلقائية، والذي لا يملك أيّ سلاح في مواجهة عالم غير آمن، سوى جماله ورقّته، أدخل على قلبي قدراً كبيراً من البهجة.

هل يمكنني اعتبارها تحية منك لأني كنت مستغرِقة خلال الأسابيع الماضية في عمل يتعلق بك، بل كنتَ أنت دافعه الأساسي؟ موضوع "شركة ستيا" التي عمِلتَ فيها لأكثر من أربعة عقود، وشهدتْ جدرانُها التي هي بانتظار الهدم الآن، وعنابرها المتسعة التي خلت من العمّال والماكينات وصارت أرضياتُها مغطّاة بالركام، بَذْلك وعرقك عبر ورديات صباحية ومسائية وليلية مُرهقة تتوالى أسبوعيا. تَذكّرنا قبل أيام قطع القطن الصغيرة التي كنا نجدها ملتصقة بجسدك..  لاحقاً، خطرتْ لي فكرة أخرى: "الفسيلة"، التي علينا أن نغرسها حتى وإن قامت القيامة، حتى في ظل التخريب والهدم، بما يعكس الالتزام والصبر، وهما قيمتان تمثلتَهما أنت في حياتك المهنية الشاقة الطويلة تلك.

 في لقاء جمعنا مؤخرا بعمّي "محمد" ودردشنا فيه بالطبع حول شركة "ستيا" كتاريخ ومآل، حكى لنا كم كنتَ تحبّ الشركة وأنك كنت توصيه ألا يشتري أقمشة أو أصوافا إلا منها، وأنك كنت تسعد عندما يخبرك أنه قد اشترى منها بالفعل إحدى القطع الجديدة..

 ويتطرّق الحديث إلى بعض صور الفساد مثل اعتماد أقمشة درجة أولى كدرجة ثانية، وإنقاص مكافاة نهاية الخدمة بمقدار كبير، وهي المستقطعة سلفا من رواتب العاملين طوال سنوات خدمتهم.. والخصومات من الأجر تحت بنود عديدة (منها مثلا بند الزي الموحّد للعاملين..)، ووصول نسبة بند الضرائب في بعض الأحيان إلى أكثر من ثلاثة أرباع الأجر المصروف للعامل.. وكذلك إلى تراجع جودة منتجات الشركة في السنوات الأخيرة.

كان الوقت صباح أحد أيام كانون الثاني/ يناير 2023، عندما صادفني على فيسبوك "بوست" د. ميرْهان دَمير، مدرّسة العمارة بكلية الفنون الجميلة في جامعة الإسكندرية، عن الوضع المُحزن الذي صارت إليه الشركة مع سيطرة "بلطجية الخردة" على موقعها ومبانيها ونهبهم ما تبقّى فيها. قرأت وبكيت. أيّ ذكر لشركة "ستيا" بالتأكيد سيذكّرنا بك، وتتداعى الذكريات المتعلقة بك عموما..

في نفس يوم قراءة "البوست" كنتُ هناك، أستكشف وأستطلع، في المساء كنت أراسل رئيسة التحرير لأخبرها برغبتي في الكتابة عن هذا الموضوع.. وأنا الآن أنتظر نشره بفارغ الصبر.

مقالات ذات صلة

قرأتُ منذ فترة على فيسبوك أيضا عن تنظيم رحلات لتلاميذ المدراس في إحدى الدول - كانت اليابان على ما أذكر - لزيارة أماكن عمل آبائهم ليتعرّفوا عن قرب على حياتهم المهنيّة ويقدّروا تعبهم، وهي فكرة رائعة ومهمّة للغاية، وها أنا ذا أقوم بأمر مماثل في عمر أكبر بكثير.

 في المرة الأولى التي ذهبتُ فيها إلى هناك كنت أتعرّف على مكان جديد بالنسبة لي، وكنت أسأل بالطبع للوصول، مرّة بعد أخرى عرفت الطريق وتعرّفت على المنطقة: "الحضرة" التي ظللتَ أنتً لسنوات بعد خروجك على المعاش تذهب إليها.. تجلس على أحد المقاهي هناك أو تلتقي بأصدقاء قدامى.. ألهذه الدرجة كنت مرتبطا بالمكان؟ في محيط الشركة عدد من المقاهي، تُرى على أيّها كان مجلسك؟

عرفتُ الطريق إذاً: أعبر شارع أبي قير بعد أن أكون قد قطعت شارع "لاجيتيه" بأكمله، وأسير تحت كوبري الإبراهيمية ليقابلني شارع "الجواهر" بمحطة البنزين المميّزة على يساره، وأذكر أنني كنت أسمع منك اسم هذا الشارع، ثم أنحرف يسارا لأجد مبنى الشركة باديا من بعيد، وهو بالتحديد مبنى الإدارة ذو الواجهة الزجاجية التي تكسّر زجاجُها إلى أن تلاشى.. كنت حاضرا في عقلي وقلبي وأنا أسلك الطرقات نفسها التي كنت تسلكها، وكان منظر مبنى الإدارة البارز هذا - كونه أول ما يقابله المرء من الشركة - يؤثر فيّ كثيرا.. كم مرة يا أبي مررتَ من هنا؟ شابّا، رجلا ناضجا، زوجا وأبا، وحتى المشيب والوصول إلى سن المعاش؟ آلاف المرات وفي أوقات مختلفة من اليوم..

وهناك احتمال آخر أو طريق آخر كما تصف أمّي، بخلاف الانحراف عند شارع مبنى الإدارة، أن تُكمل شارع الجواهر لتصل إلى شريط الترام ثم تنحرف يسارا من هناك وتسير لتصل كذلك الى باب دخول العمّال، الذي سعدت أني دخلته على نفس خطاك وسرتُ مسافة للداخل في زيارة قصيرة، ولكن بعد أن تبدّلت حال المصنع من الحياة إلى الخراب الكئيب. في أحد العنابر على يمين الداخل - التي يمكن وصفها الآن بساحات واسعة خالية ومهدّمة تتخللها أعمدة صمدت لعشرات العقود وكانت لا تزال قادرة على المزيد - قلتُ "هنا كان أبي!"، فقد وصفوا لي إن عنابر "غزل القطن" كانت هنا..

باب العمّال – صورة التقطتّها له في أول لقاء

كان المشوار -مجرد مشوار السير من البيت إلى هناك - مرهقا بالنسبة لي، فكيف بساعات العمل التي كنت تقضيها واقفا أمام الماكينات؟ ومع ذلك كنت حريصا عند خروجك صباحا عقب الوردية الليلية على أن تشتري لـ"فاطمة" و"زينب" مثلا، وهما في ابتدائي، حلوى من المخبز القريب وتتركها لهما عند "الدادة" في المدرسة لتوصلها إليهما، أو تدخل علينا في البيت بحلوى زلابية أو مشبّك أو شيكولاتة.. من أين كنت تأتي بالزلابية؟ هل كان أحدهم يقوم بإعدادها في محيط الشركة؟ فممّا عرفته أن الشارع المقابل يكون عامرا بحركة بيع وشراء في أوقات خروج العمّال كما أخبرني صاحب محل أقمشة مُسنّ أمام الشركة وعامل سابق فيها.. أو تتسوّق لوجبة الغداء، تجهّزها أمي ونتناولها بعد أن تكون أنت قد أخذتَ نصيبا من النوم نهارا، تعويضا عن سهر الليل..

وأذكر في أسبوع وردية الليل أيضا ذهابي لإيقاظك - بناء على توصيتك والنظام الذي اعتدنا عليه - في التاسعة مساء، بعد أن تأخذ قسطا آخر من النوم استعدادا لها.. سألتُ هل كان هناك وقت قصير يُستقطع أثناء ساعات الورديّة للراحة أو لتناول الطعام مثلا؟ فقيل لي لا. كنت تتناول الطعام هنا قبل الذهاب أو تشتري ساندويتشات تتناولها على عجل بين الماكينات ربما، وفي رمضان تجهّز لك ماما إفطارك أو سحورك - حسب الوردية - لتأخذه معك..

وفي أسبوع وردية "من تلاتة" يوم الجمعة، حيث الخروج مبكرا في التاسعة مساء بدلا من الحادية عشر، كنت تأتي إلينا في حديقة محطة الرمل، كنّا نسبقك مع ماما إلى هناك وأذكر استعداداتنا وقت العصرية وتمشيط شعري بتسريحات مميّزة.. ننتظر هناك إلى أن تأتي أنت من بعد يوم العمل لنتعشّى سويّا فول وفلافل من عند "محمد أحمد" ونحلّي بهريسة "الحلبي" و"حاجة ساقعة" أو آيس كريم.. تمثالا سعد زغلول وصفية زغلول يميّزان الحديقة، وقد كانت زاخرة بأشجار قصيرة كثيفة الأوراق كنّا نلهو حولها، لم تعد تلك الأشجار موجودة ومُسِخت الحديقة هي الأخرى وتحوّل جزء منها إلى موقف للسيارات..

خلال فترة إعداد الموضوع أخذتُ أقلّب في أوراقك وصورك القديمة، وبخلاف أرشيف الشركة الذي رأيتُ أوراقه ملقاة على الأرض، فإن أرشيفك الشخصي محفوظ بعناية في حافظات بلاستيكية كنت تضعها بحرص يمين دولابك حيث بـذلاتك وبنطلوناتك متراصّة وقد رأيتُ علامة "ستيا" على أحد تلك البنطلونات الصوف، ووجدتُّ كنزا من الأوراق وكثير منها مرتبط بالشركة، كنت تحب الاحتفاظ بأوراقك وتوثيق صورك بكتابة التاريخ أو ملاحظات إضافية خلفها، ولعلّي قد أخذت هذا الاهتمام منك.. العديد من صورك بالأبيض والأسود، منها صورة في أوائل الستينيات وهو وقت التحاقك بالشركة، وصورة في أوائل التسعينيات وهذه ملوّنة بالطبع، بين الصورتين عمر قضيتَه هناك..

بين الأوراق أيضا بطاقة النادي الاجتماعي لشركة "ستيا" وفيه صورة شخصية لكلّ منا، وكذلك صور تكريمنا الجميلة في النادي في الشهادات الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية وهي كانت تقام لأبناء العاملين، كنتَ في الصور تبدو سعيدا جدا تعلو وجهك ضحكة واسعة وأنت تصطحبنا إلى منصة التكريم.

أذكر في إحدى الحفلات غنّت المطربة السكندرية "سماح" وكان هناك تفاعل كبير معها من جانب الجمهور، وفي مرة أخرى صعد للغناء شاب من أبناء العاملين وأعجب الناس بصوته..

غلاف بطاقة النادي

الأجمل هو التعليق الذي كتبتَه خلف إحدى صور التكريم تلك:

بسم الله الرحمن الرحيم
إقامة حفلة بنادي شركة ستيا
بمناسبة النجاح في الابتدائية
ألف مبروك زينب
ألف مبروك فاطمة
واستلام الجوائز
والتوقيع:
بابا

على ظهر صورة تكريم في التسعينيات

وبمناسبة الجوائز والتكريمات، تذكر طبعا شهادتيْ تكريمك لحصولك على "الجائزة الأولى.. نظير امتيازكم في العمل والإنتاج والمواظبة والسلوك"، كما هو مذكور في كلّ شهادة منهما، إحداهما في أوائل السبعينيات مدبّس بها من أعلى 5 جنيهات قديمة انتهى التعامل بها، والأخرى في نهاية السبعينيات وقد أصبح المبلغ تسعة جنيهات. من الواضح أن القيمة المعنوية للجائزة كانت أغلى لديك من المال، فاحتفظت بهما كما هما..

شهادة التكريم
رسم مباني شركة ستيا أعلى شهادة التكريم، واسم المصمم على اليسار (المهندس ف. ج. دبانة)

"سِيتي" التسمية التي كنت أسمعها منك، قد سمعتُها أيضا من البعض، قالوا إن صاحب الشركة الأول هو الخواجة اليهودي "سيتي"، لكن لا يبدو لي أنه تفسير صحيح، فقد وجدت هذا الاسم "سِتي" مكتوبا أعلى شهادة التكريم إلى جانب "ستيا"، واتضح لي أن الاسم الأشهر "ستيا" STIA هو الاختصار الإنجليزي لـ اتحاد صناعات المنسوجات الممتازة Standard Textile Industries Association – حيث يظهر هذا الاسم أعلى إحدى أوراق الشركة بأرشيفك، وبجواره ش.م.م. أما "سِتي" SETI فاختصار لما يبدو أنه كيان أقدم تأسّست الشركة ضمنه Standard Egyptian Textile Industry – وفقا لدراسة رالف بودنشتاين عن العمارة الصناعية في مصر.

وتظل "سِيتي" - كما كنتَ تنطقها - هي التسمية المحببة إلي.

في جلسة هادئة في السنوات الأخيرة قلتُ لك من غير مقدمات "شكرا يا بابا أنك تعبت عشاننا".. نظرتَ لـ"زينب" تسألها مازحا "بتقول إيه دي؟ّ!" وضحكنا..

هكذا هم الآباء، يبذلون بتلقائية ومحبّة من غير انتظار مقابل، يتعبون ويسهرون وتُرهَق أجسادهم وأقدامهم، أو تبتلّ في ليالي المطر الشديد، لننعم نحن بالراحة والدفء في فراشِنا الوثير.

______________________

*عنوان النص من بداية أغنية كانت عمّتي قد علمتنا إياها لنردّدها ونحن بانتظار قدومك:
يعود في العشيّة أبي من العمل
في كفّه هديّة وعينِه الأمل
يعود في العشيّة فنرقب الطريق
من شُرفةٍ غنيّة بوردِها الرقيق.. 

مقالات من مصر

السيسي وثمن دماء الفلسطينيين

حسام خليفة 2024-02-26

تضاعف الدين المصري، في السنوات الخمس الأولى من عهد "نظام يوليو 2013"، أكثر من خمسة أضعاف بحسب وزير المالية المصري آنذاك، عمرو الجارحي. بينما ارتفع إجمالي الدين الخارجي المصري إلى...

للكاتب نفسه

قصّة "هَدِية" مع الميراث

في زيارتي الأولى في العام 2016 ركّزتُ على التقصير الحكومي ونقص الخدمات الأساسية، وفي الثانية (2021) عملتُ واحتككتُ أكثر بموضوعات تتعلق بثقافة وسلوكيات الناس أنفسهم هناك: ختان الإناث، قتل النساء...

أوضاع صعبة يواجهها الوافدون السودانيون في مصر وعلى حدودها

قالت مفوضية اللاجئين إنه حتى 15حزيران/ يونيو الفائت، تمّ تمويل برنامج الاستجابة السريعة للأزمة السودانية، الذي يشمل مصر وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، بنسبة 15 في المئة فقط...