عن الأثر الموسيقي الروسي في لبنان

تحتاج الذاكرة الموسيقية اللبنانية إلى ترميم، على الرغم من مرور أكثر من عقدين على انتهاء الحرب الأهلية، ونحو نصف قرن على اختفاء الوثائق. ف"خلال الحرب اللبنانية (1975-1991) تكبّد المعهد الوطني أضراراً مادية كبيرة، حيث نُهبت الآلات الموسيقية والوثائق وخزائن الكتب أو أحرقت".
2023-04-28

عماد الدين رائف

كاتب وصحافي من لبنان


شارك
أساتذة وطلاب المعهد الموسيقي الأول

نجد على الموقع الرسمي للمعهد الوطني العالي للموسيقى – الكونسرفتوار - أنه "خلال الحرب اللبنانية (1975-1991) تكبّد المعهد الوطني أضراراً مادية كبيرة، حيث نُهبت الآلات الموسيقية والوثائق وخزائن الكتب أو أحرقت". الذاكرة الموسيقية اللبنانية تحتاج إلى ترميم على الرغم من مرور أكثر من عقدين على انتهاء الحرب الأهلية، ونحو نصف قرن على اختفاء الوثائق.

إلا أن كثيراً من هذه الوثائق ظهر من جديد، ليس في بيروت لكن في موسكو، حيث استضاف "بيت ألكسندر سولجنيتسين للمغترب الروسي" في موسكو، معرض الباحثة الروسية اللبنانية "تاتيانا كوفاشوفا بحر" "الموسيقيون الروس في لبنان: تنويعات في الثيمة العربية"، وهو معرض للوثائق التاريخية والصور الفوتوغرافية الأول الذي يؤرخ لنشأة الموسيقى الكلاسيكية الأكاديمية في لبنان منذ عشرينيات القرن الماضي وتطورها وازدهارها حتى أوائل السبعينيات. فكيف وصلت هذه الوثائق إلى روسيا؟ ومن هم هؤلاء الموسيقيون الروس الذين شغلوا الساحة الموسيقية في لبنان وكانت لهم مساهمات في تأسيس المعاهد والتعليم فيها؟

بدأت رحلة البحث أواخر التسعينيات من القرن الماضي، حين التقت الباحثة بالفنان اللبناني الراحل زكي ناصيف (1916-2004)، وعَلِمت منه أن أساتذته في معهد الموسيقى التابع للجامعة الأميركية في بيروت كانوا من الروس البيض المهاجرين إلى لبنان في عشرينيات القرن الماضي. وأبرزهم، خريج المعهد المسكوبي العالي للموسيقى ومغنّي الأوبرا ألكسي كورنأوكوف (1889 – 1987). كما أن "عصبة الخمسة" التي أسسها ناصيف وكان في عدادها زميله في المعهد نفسه توفيق الباشا، شكّلت فريقاً متجانساً لصناعة موسيقى لبنانية جديدة، استمدت اسمها من النظير الروسي "القبضة الجبارة" (أو حسب التقليد الفرنسي "الخماسية الروسية")، وهي عبارة عن رابطة من الملحّنين (ضمت كذلك الأخوين رحباني وحليم الرومي وفيليمون وهبة) وهدفت إلى الخروج من الغناء الشائع إلى محاولة اكتشاف لون من الغناء المحلي الذي يستمد من الفولكلور جمله اللحنية، وتلك سمة ظاهرة في أثر الأساتذة الروس، الذين لم يدرّسوا تلامذتهم العزف على الآلات الموسيقية فحسب، بل اتباع المُثل الجمالية ذات الأصول المحلية وغرسوا فيهم احترام الفولكلور الذي يضم خامات فنية قابلة للصقل والتطوير لإنتاج موسيقى حديثة.

معهد الموسيقى الأول

كان المدير المؤسِّس للمعهد الموسيقي في الجامعة الأميركية في بيروت عازف البيانو والموسيقار أركادي كوغل (1896 – 1985)، وهو خريج المعهد العالي الموسيقي في سان بطرسبورغ. اتسمتْ مدة إقامته في لبنان بالإنتاج الموسيقي الغزير، ومما لا شك فيه أن أعماله كانت مثالاً يحتذى لدى الموسيقيين اللبنانيين الشباب. وتستحق الأعمال التي أنتجها أركادي كوغل في لبنان اهتماماً خاصاً، ومنها: تنويعات على الثيمة العربية للبيانو (1927)، رقصة السيف العربية: مقطع من باليه "أحلام راع" للبيانو (1929)، انطباعات دمشقية: جناح شرقي لأوركسترا سيمفونية كبرى (1930)، الرقص الشرقي للكمان والبيانو (1932)، رقصة البدو للتشيلو والبيانو (1932)، رقصة الأكراد للبيانو (1936)، رابسودية التتار للبيانو مع الأوركسترا (1937)، الفولغا، ملحمة سيمفونية للأوركسترا الروحية (1938)، صفحتان من ألبوم الرقص الأرمني (أواخر الثلاثينيات).

"عصبة الخمسة" التي أسسها زكي ناصيف مع زميله في المعهد نفسه توفيق الباشا، شكّلت فريقاً متجانساً لصناعة موسيقى لبنانية جديدة، استمدت اسمها من النظير الروسي "القبضة الجبارة"، وكانت عبارة عن رابطة من الملحّنين (ضمت كذلك الأخوين رحباني وحليم الرومي وفيليمون وهبة) وهدفت إلى الخروج من الغناء الشائع إلى محاولة اكتشاف لون من الغناء المحلي الذي يستمد من الفولكلور جمله اللحنية.

في هذه المؤلفات يتتبع الموسيقار تدرّجاً متسقاً مبنياً على التفسير الثقافي الجمالي للألحان الشعبية. وقد حظيت المؤلفات الموسيقية ذات الطيف القومي المتنوع بالانتشار بين الموسيقيين اللبنانيين والأجانب على حد سواء، وبثت عبر راديو الشرق. فعملت على الارتقاء بالذائقة الموسيقية لدى الجمهور بشكل عام، ولدى الملحنين اللبنانيين الشباب، الباحثين عن طرقهم الخاصة في صناعة الموسيقى. يقول زكي ناصيف: لقد أدركنا أن الملحنين الكبار في جميع أنحاء العالم لم يحققوا الشهرة إلا بعدما نهلوا من فلكلور بلدانهم، وإن تشكل ذلك الوعي لدينا جعلنا أكثر اهتماماً بالفلكلور اللبناني في الأرياف. لقد تعلمنا كذلك أنّ الفلكلور الروسي أنشأ الموسيقى والأوبرا الروسيتين، وليس العكس. فالفلكلور هو الذي يملأ روح الموسيقى الكلاسيكية والغناء.

عائلة كوغل الموسيقية

أكاديمية الفنون

لعب أليكس بطرس دوراً مهماً في نشر الموسيقى الكلاسيكية، وكان موسيقياً هاوياً، وعضواً في الأوركسترا السيمفونية لدى الجامعة الأميركية في بيروت، وتلقى دروساً في التشيلو على يدي رودولف كوغل. فبمساعدة قوية من الموسيقيين الروس ورابطة الموسيقيين الهواة، نمت "المدرسة الموسيقية"، وهي أولى "كليات الأكاديمية اللبنانية للفنون" (ألبا). كان ألكسي كورنأوكوف أوّل قائد لجوقة هذه الرابطة، التي حظيت بشهرة عالمية فيما بعد.

حظيت المؤلفات الموسيقية ذات الطيف القومي المتنوع بالانتشار بين الموسيقيين اللبنانيين والأجانب على حد سواء، وبثت عبر راديو الشرق. فعملت على الارتقاء بالذائقة الموسيقية لدى الجمهور بشكل عام، ولدى الملحنين اللبنانيين الشباب، الباحثين عن طرقهم الخاصة في صناعة الموسيقى.

أما أول مدير لمدرسة "ألبا" الموسيقية نيقولاي نيقولايفيتش دال (1891-1964) كان محامياً وموسيقياً، وهو ابن نيقولاي فلاديميروفيتش دال (1860-1939) الطبيب النفسي الذي كرّس له سيرغي رحمانينوف حفله الثاني الشهير للبيانو والأوركسترا، وذلك "امتناناً لشفائه المعجز من الاكتئاب الشديد"، كما قال الموسيقار في مذكراته. عاش دال في بيروت وكان عضواً في أوركسترا الجامعة الأميركية السيمفونية ومن أصدقاء عائلة كوغل. 

بعد وفاة "دال الدكتور" (كما كان يطلق عليه للتفرقة بينه وبين ابنه الذي سمّي بـ "دال المحامي")، تأسست جائزة نيقولاي دال في الأكاديمية اللبنانية للفنون (Dale Prix)، والتي سمحت للشباب اللبناني بمواصلة تعلم الموسيقى في الخارج. وفي العام 1953، دعت إدارة "ألبا" أسطورة الغناء الأوبرالي ليديا ياكوفليفنا ليبكوفسكايا لتنضم إلى هيئتها التعليمية. ولكن من المؤسف أن الحالة الصحية للفنانة لم تسمح لها بمتابعة الأنشطة التربوية، وقد توفيت في بيروت سنة 1955، ودفت في مقبرة كنيسة الصعود الأرثوذكسية.

أجواء الكونسرفتوار ويبدو نيقولاي دال قرب الباب
مع ألكسي كورنأوكوف

الكونسرفتوار

ساهم الأساتذة الوافدون من روسيا إسهاماً كبيراً في تشكيل وتطوير المعهد العالي للموسيقى "الكونسرفتوار"، الذي حصل على مكانة وطنية أواخر عشرينيات القرن العشرين، جنباً إلى جنب مع زملائهم الأساتذة الفرنسيين والأرمن. ففي مراحل مختلفة، عمل من الأساتذة الروس هناك كل من ميخائيل شيسكينوف، ألكسي كورنأوكوف، إيليا لازاريفا، إيلينا سافرانسكايا، ماريا كوسفيتسكايا دورمون، تينا مانتيفيل، إيراست بيلينغ. وكان نيقولاي دال مدير الكونسرفتوار بين العامين 1961 و1964. وكان طلاب هؤلاء الأساتذة في طليعة الملحنين والمؤدين ذوي التوجه الوطني اللبناني. إلا أننا نجد كذلك على موقع المعهد عن أرشيف عائلة دال: "في العام 1983 نهب أرشيف عائلة دال وأحرق".

كارنأوكوف مع أساتذة وطلاب الكونسرفاتوار الوطني اللبناني

أحد الأساتذة البارزين كان قد فرّ شرقاً أثناء الحرب الأهلية الروسية، وهو أحد ضباط اللحن الأربعة في أوركسترا البلاط القيصري الروسي البارون إيراست بيلينغ، الذي كان تلميذ ريمسكي كورساكوف، وعازفًا موهوباً على الكمان وعازف بيانو، وملحناً. غادر مع زوجته وابنته إلى طهران واعتبر مفقوداً. إلا أن مما كشفته الباحثة "كوفاشوفا بحر" أن أسرة بيلينغ وصلت إلى دمشق واستقرت هناك. رب الأسرة علّم البيانو وألف في الموسيقى، وعملت زوجته المغنّية الروسية ساندرا بيلينغ في صناعة الدمى التذكارية وأنشأت ورشة لإنتاجها سمّتها "بارون بيلينغ"، أما ابنتهما تمارا فدرّست الباليه الكلاسيكي ورقصت في حفلات الكونشيرتو. في العام 1948، دعيت إلى بيروت كرئيسة لقسم الرقص في الأكاديمية اللبنانية للفنون (ألبا)، ولوحظ أنّها كانت المحاولة الأولى لتعليم الباليه الكلاسيكي على أساس أكاديمي في لبنان. 

فَتح المعرض - الذي نظم في موسكو سنة 2019، وحالت ظروف الحجْر أثناء أزمة كوفيد 19 من تجواله في لبنان - الباب أمام سؤال مشروع حول إمكانية استعادة نسخ من الوثائق الأصلية التي تعيد كتابة تاريخ الموسيقى اللبنانية. فأين هي؟ 

كتب الموسيقي السوري كنان عظمة عن إيراست بيلينغ: "استقر بيلينغ في دمشق... ودرّس فيها العزف على آلتي البيانو والكمان، كما شجع على تأسيس فرق موسيقية مختلفة، كان الكثير منها يعزف بانتظام في القاعة الزجاجية في فندق "أورينت بالاس" في دمشق وكذلك في الحفلات الخاصة... ترك وراءه عدداً من الطلاب المتفوقين، الذين بات بعضهم فيما بعد موسيقيين محترفين في سوريا. والأهم من ذلك أنّه ترك وراءه افتتاناً بالموسيقى الكلاسيكية بين عشاق الفن لدى النخب الدمشقية".

 ويعتقد الموسيقي السوري أن بيلينغ كان أحد أولئك الذين شقوا الطريق أمام الموسيقى الكلاسيكية في بلده. وللمناسبة، بين طلاب بيلينغ الملحن السوري الشهير وليد الحجار. وعندما انتقلت الأسرة إلى بيروت في خمسينيات القرن الماضي، استفادت الموسيقى الكلاسيكية اللبنانية من تلميذ ريمسكي كورساكوف، أي البارون بيلينغ، فتتلمذ على يديه المؤلفان الموسيقيان بوغوص جلاليان (1927-2011) وجورج باز (1926-2012).

فلنستعد ذاكرتنا!

فتح المعرض الذي نظم في موسكو سنة 2019، وحالت ظروف الحجْر أثناء أزمة كوفيد 19 من تجواله في لبنان، الباب أمام سؤال مشروع حول إمكانية استعادة نسخ من الوثائق الأصلية التي تعيد كتابة تاريخ الموسيقى اللبنانية. فأين هي؟

في ستينيات القرن الماضي، تمكن عدد من المهاجرين الروس من العودة إلى وطنهم بعد حصولهم على جواز السفر السوفياتي من سفارتهم في بيروت. وهكذا عاد ألكسي كورنأوكوف وزوجته عازفة البيانو والأستاذة الموسيقية يلينا لازاريفا، سنة 1967. حملا معهما (الوثائق المتاحة للباحثين) مجموعات من الصور الفوتوغرافية والملصقات وبطاقات الدعوة وقصاصات من الصحف والمجلات، وسجلات الامتحانات وقوائم الطلاب والبرامج التدريبية للمعهد الموسيقي في الجامعة الأميركية في بيروت وكلية الموسيقى في الأكاديمية اللبنانية للفنون (ألبا)، والمعهد الوطني العالي للموسيقى "الكونسرفتوار"، من ثلاثينيات إلى ستينيات القرن العشرين. وتُمكِّن هذه الوثائق الباحثين من إعادة خلق جوّ الحياة الموسيقية في بيروت وتزودهم بمعلومات مهمة لمعرفة المزيد عن حياة الجالية الروسية في لبنان. بعد وفاتهما، حفظت الوثائق في أرشيف الدولة في مقاطعة تفير (كالينين سابقاً) في ملفات ألكسي كورنأوكوف ويلينا لازاريفا.

بالإضافة إلى أرشيف كورنأوكوف، تضمّن المعرض وثائق من أرشيف الدولة التاريخي المركزي في سان بطرسبورغ، والمكتبة الوطنية الروسية، والمكتبة الموسيقية في أوركسترا شوستاكوفيتش الأكاديمية في سان بطرسبورغ، ومكتبة الجامعة الأميركية في بيروت، ومجموعات خاصة، ومعلومات مختلفة من إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية وكندا، من أحفاد اللبنانيين ذوي الأصول الروسية المنتشرين حول العالم. 

مقالات من لبنان

طرابلس الشام 1846 بعيني طبيب روسي

لطرابلس الشام موقع آخر لدى الطبيب الرحالة أرتيمي ألكسيفيتش رافالوفيتش، إذ اعتبرها أجمل مدن سوريا. غريب أمر طرابلس، فقد عشقها الرحالة الكييفي فاسيل بارسكي (1701-1747) وسمّاها "المدينة المجيدة"، واعتبرها كذلك...

للكاتب نفسه