"نحن تحت رحمة الجميع": مهاجرو·ات بلدان جنوب الصحراء تحت وطأة العنف العنصري في تونس

"نحن نعيش في خوف". منذ أصدرت الرئاسة بيانها ضد الهجرة من بلدان جنوب الصحراء أضحى الوضع لا يطاق بالنسبة للعديد من المهاجرين والمهاجرات ذوي الجنسيات الإفريقية من جنوب الصحراء. من فرط الرعب، بادرت آنا و بيير و ميليسا وغيرهم الكثير بالاختباء في منازلهم. وفي غضون أيام قليلة فقد المئات - إن لم يكن الآلاف - وظائفهم أو مساكنهم أو تعرضوا للاعتداء بالعنف. تسوق إنكفاضة شهاداتهم·ـن.
2023-03-02

شارك
الصورة من موقع "انكفاضة"

استغرق الأمر بضع دقائق قبل أن تفتح لنا ميليسا الباب رغم أنها كانت على علم بمجيئنا للقائها. بدت على الشابة ملامح الذعر خشية مداهمة الشرطة لمنزلها، أو أسوأ من ذلك، أن يتهجّم عليها أشخاص ينوون لها الأذية.

ميليسا أصيلة ساحل العاج. ومنذ إصدار البيان الرئاسي يوم 21 فيفري الماضي صارت هي وزوجها يعيشان في حالة من الرعب منعتهما من مغادرة منزليهما منذ يوم الأربعاء. يقضي الزوجان يومهما في غرفة المعيشة والستائر مسدلة. طفلهما صبي صغير لا يكاد يبلغ من العمر ثلاث سنوات توقف عن الذهاب إلى الحضانة. تقول ميليسا أنه "عادة ما تتصل بي معلمته إذا تغيّب للتثبت مما إذا كان مريضا أو أصابه مكروه. والآن قد مرت ثلاثة أيام منذ تغيبه ولم تتصل بي بعد".

معظم أقاربهما وجيرانهما في نفس الوضع، ذلك أن الحملة العنصرية ضد مواطني ومواطنات بلدان جنوب الصحراء المقيمين في تونس أخذت تكتسب زخما كبيرا منذ عدة أشهر. الرئيس التونسي نفسه أيد هذه النظريات العنصرية والمؤامراتية ووجّه أصابع الاتهام إلى المهاجرين·ـات الأفارقة من جنوب الصحراء ناعتا إياهم بـ"الجحافل"، كما ذكر أن الهجرة من جنوب الصحراء هي "ترتيب إجرامي" يهدف إلى "تغيير التركيبة الديموغرافية لتونس". منذ إصدار البيان انفجرت حالات الاعتداءات والاعتقالات والترحيل، وبات الآلاف من الأفارقة من جنوب الصحراء يخشون على حياتهم ومستقبلهم في تونس.

عمليات طرد جماعي

آنا هي شابة من ساحل العاج أيضا استقبلت صديقيها عيسى و بيير بمنزلها الواقع في نفس الحي الذي تقطن به ميليسا، حيث أُجبر بيير على مغادرة مسكنه بعجالة بناء على طلب المالك. في زاوية من غرفة المعيشة، تتراكم بعض الحقائب والأكياس بما فيها من أغراضه.

البعض الآخر لم يحالفه الحظ ليكون لديه أقارب يعتمد عليهم كشأن مريم وزوجها اللّذين تقطعت بهما السبل فوجدا نفسيهما ينامان تحت جسر منذ يومين، بينما يتكدّس القليل مما يملكونه من أمتعة في أكياس بلاستيكية سميكة قبالة سفارة ساحل العاج: "هذا كل ما نملك" تقول مريم.

طُرد الزوجان من قبل صاحب المحل الذي كان يخشى أن يطاله هو أيضا الاعتداء لاستضافته مواطنين·ـات من جنوب الصحراء، "فالخوف تمكّن من الجميع" على حد تعبير باتريسيا غناهوري، الصحفية العاملة بالإذاعة الحرة الفرنكوفونية RLF في تونس منذ أربع سنوات. انطلقت عمليات الطرد وفقا لها حوالي يوم 9 فيفري عندما أخذت رسائل مشحونة تنتشر على الشبكات الإجتماعية مفادها أن من يأوي متساكنين·ـات غير موثقين من بلدان جنوب الصحراء سيكون عرضة للخطايا والأحكام السجنية. "ومن ثمة بدأ كل المالكين في طرد الناس في غضون أسبوعين، هكذا بكل بساطة !" تواصل باتريسيا. 

أمام المدّ المفاجئ من عمليات الطرد، تلقت باتريسيا على مدى الأسبوعين الماضيين سيلا لا ينقطع من نداءات النجدة من ذوي جنسيات بلدان جنوب الصحراء: "يفتح صاحب المسكن الباب ويلقي بالأمتعة على قارعة الطريق. أما الأكثر تسامحا فيأتون ويعلمونك بضرورة إخلاء المكان». صارت الصحفية ترحب بالمُطردين·ـات في منزلها وتحاول قدر المستطاع التفاوض مع المالكين لتأخير الإجلاء "إلى حدود موفّى الشهر حتى نتمكن من التنظم والعثور على مسكن آخر".

آنا من جهتها لا يزال بوسعها البقاء في بيتها واستقبال أصدقائها الذين يواجهون صعوبات. "لم يسبب لنا المالك أية مشاكل لكن سيتعين علينا حتما دفع الإيجار والفواتير" تقول الشابة بنبرة يشوبها قلق. وفعلا، لم تكد تمضي سويعات على لقائنا بها حتى اتصلت بها صاحبة المحل طالبة منها دفع فاتورة الكهرباء في غضون ثلاثة أيام تحت طائلة الطرد. لكن بفضل شبكة الأصدقاء والجمعيات المتضامنة حولها ستتمكن آنا من تسوية هذه الفواتير، لكن لا يسعها إلا أن تتساءل "عما سيحدث لأولئك الذين لم يسعفهم الحظ بالحصول على مساعدة؟".

جميع الذين قابلتهم إنكفاضة أفادوا بأنهم فقدوا وظائفهم. عادةً ما تعمل آنا في تنظيف المنازل، لكنها لم تعد تجرؤ على مغادرة منزلها لما يبلغها من أصداء عن الاعتداءات والاعتقالات. شريكها في السكن، ديلان، طُرد من المطعم الذي يعمل فيه "إلى حين إشعار آخر".

من بين جميع أصدقائه كان ديلان الوحيد الذي خيّر الخروج في ذلك اليوم قاصدا مشغّله السابق على أمل الحصول على راتبه. تروي آنا أن "الشرطة داهمت مكان عمله [مطابخ المطعم المذكور] واعتقلت زملاءه". ولحسن حظه لم يكن ديلان وقتها على عين المكان لكن صاحب العمل اتصل به ونهاه عن القدوم "في انتظار أن تهدأ الأمور".

سامية امرأة إيفوارية أخرى تعيش في تونس منذ عشر سنوات رأت زميلها يُعتقل أمام عينيها. "قدمت الشرطة واصطحبته بعيدا، هكذا بكل بساطة". وبأعجوبة، لم يتفطن الأعوان لسامية التي ظلت مجمدة في زاوية بعد أن انتابتها الصدمة من هول المشهد. عادت الشابة إلى منزلها مباشرة إثر ذلك وأوصدت الأبواب على نفسها وابنتها التي لم تطأ قدمها المدرسة منذ ذلك الحين. تقول سامية عن الطفلة أنها "وُلدت هنا وتتحدث التونسية". 

بقية التحقيق على موقع "انكفاضة".

مقالات من العالم العربي

أغنية العيد في اليمن: مهادنةُ الواقع واجتراحُ السعادة

تنوّعت مضامين أغاني العيد في اليمن، بِتَنَوُّعِ واقعها الاجتماعي ومحيطها الإنساني المتزامِن مع حلول العيد، إذ تعمل من خلال ارتباطها بتفاصيل الواقع على تجاوز إشكالاته، والتعاطي معه بنوعٍ من احتفاء...