الإسكندرية الحزينة

يليق بما يجري باسم تنمية الاسكندرية وصف "استعمار البحر"، حيث رُدمت مساحات من الشاطئ وأنشئت عليها مشروعات تجارية لم تكن للنفع العام، بل هي خصخصة للمجال العام. وخلق ذلك نموذجاً استهلاكياً كخيار شبه وحيد أمام الملايين من المواطنين وأبناء المدينة ممن يرغبون في رؤية البحر والجلوس على الشاطئ.
2023-01-15

شريف محي الدين

باحث في التنمية والإثنوغرافيا الحضرية، من مصر


شارك
البؤس

تميزت الإسكندرية بكونها بيئة خصبة للفن والإبداع والمواهب الرياضية طيلة عقود على مستوى الجمهورية المصرية. فعلى ما يزيد عن قرن من الزمان نالت الإسكندرية نصيب الأسد من الميداليات الأولمبية المصرية، بواقع نصف الرصيد العام للبلاد: 19 ميدالية من أصل 38 ميدالية، نجح في إحرازها قرابة 15 بطلا أولمبيا سكندريا كما أنها المدينة التي خرج من شوارعها الفنان الشيخ سيد درويش، ومؤخراً عدة فرق موسيقية، مثل فرقة "مسار إجباري"، وفرقة "إسكندريلا"، ومغنو راب مثل "مروان بابلو"، و"ويجز"، و"عفروتو".

البحر قلب المجال العام

يقف وراء هذا التميز التاريخي العديد من العوامل والأسباب، إلا أن من أبرزها هو وجود البحر، وطبيعة تصميم المدينة، حيث الشارع الرئيسي ("طريق الكورنيش") والممتد لحوالي 20 كيلومتراً من قصر رأس التين وحتى قصر المنتزه على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، هو قلب المجال العام فيها. تتلاشى هناك مؤقتاً كل الفروق، الطبقية والعمرية، وينخرط الشباب والأطفال وكبار السن في أنشطة ترفيهية ورياضية متنوعة، كالتمشي والتريض على شاطئ البحر، وكذا السباحة والصيد من البحر، ناهيك عن إمكانية جلوس كل فرد على الشاطئ بمفرده، أو مع شريكـ/ة للمواعدة، أو ضمن مجموعة، كحق مجاني، دون الاضطرار إلى دفع رسوم، أو حد أدنى من المشروبات والمأكولات بإحدى الكافيهات.

كان هذا هو الطبيعي والسائد حتى فترة قريبة، إلا أن حالة الإبداع والبيئة التي لم تكن تتطلب من الدولة مجهوداً كبيراً أو إنفاقات ضخمة كي ترعاها، هي الآن مهددة بعد إنفاق الدولة المصرية عشرات المليارات من الجنيهات بدعوى التنمية والتطوير. النتيجة حتى الآن قد تعصف بقلب المجال العام في الإسكندرية، إذ تقوم الدولة بخصخصته، وتؤدي العديد من الأنشطة "التنموية" إلى حجب رؤية البحر أمام ملايين من سكان وزوار المدينة، كما تؤدي إلى فرض تسعيرات شبه إجبارية على من يرغب في رؤية البحر، أو الجلوس على ضفافه في العديد من المناطق الحيوية بالمدينة.

نجح الإسكندريون على مدار عقود في إعادة امتلاك المجال العام، وفرض الطابع الشعبي فيه، ولطالما كان البحر قبلة المدينة، وقلب المجال العام فيها. فعلى الرغم من تسمية طريق الكورنيش عند تأسيسه باسم "طريق الملكة نازلي"، ثم تسميته الرسمية الحالية بـ"طريق الجيش" منذ تولي الضباط الحكم في يوليو/ تموز الأولى، يوليو/ تموز 1952، إلا أنه استمر حتى الآن في أذهان الإسكندريين بالمسمى الذي اختاروه: "كورنيش البحر".

ربما كانت إحدى الأسباب في تفسير مشاهد تريض وتمشي الآلاف من أبناء مدينة الإسكندرية في الأيام الأولى من فرض سياسات الحظر والتباعد الاجتماعي مع دخول جائحة كورونا للبلاد، وقرار السلطات بإغلاق الكافيهات والمطاعم، هو أن تلك الأيام كانت بمثابة مساحة للتنفس واستعادة المجال العام أمام الناس. بل إنه مع انتباه السلطات لهذه الحالة من الخروج الجماعي لأبناء المدينة على طريق الكورنيش، قامت بتوزيع عشرات من أفراد الأمن لمنعهم من التواجد على الكورنيش، وتوجيههم بالابتعاد عنه إلى الشوارع الداخلية والفرعية الأخرى للمدينة. إذاً فالهدف قد لا يكون الحد من التجمع كإجراء لمجابهة العدوى بكوفيد، وإنما الحد من التجمع على طريق الكورنيش تحديداً، إذ ربما استدعت تلك المشاهد أخرى مشابهة لها قبل قرابة عقد من الزمن، عند امتلاء الشوارع بالجموع الثائرة في عام 2011.

أنشئ كوبري في سيدي جابر على كورنيش البحر، وكراج متعدد الطوابق أسفل الكوبري، إضافة إلى العديد من الكافيهات والمشروعات التجارية، بمعرفة المؤسسة العسكرية وإدارتها أحياناً، ومنها للمفارقة ملاه للأطفال أسفل الكوبري، وقاعة للحفلات، بل وسيرك! وكلها لا ترى البحر، لأنه تم ردم مساحات هائلة منه وإقامة المشروعات التجارية على ما كان يوماً ما بحراً.

الشارع الرئيسي، "طريق الكورنيش"، والممتد لحوالي 20 كيلومتراً من قصر رأس التين وحتى قصر المنتزه على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، هو قلب المجال العام في الاسكندرية. تتلاشى هناك مؤقتاً كل الفروق، الطبقية والعمرية، وينخرط الشباب والأطفال وكبار السن في أنشطة ترفيهية ورياضية متنوعة، كالتمشي والتريض على شاطئ البحر، والسباحة والصيد من البحر..

لكن ذلك الجانب يتجاوز غرضنا هنا حيث نسعى إلى التقاط أسلوب حياة الناس يومياً، ومحاولة فهم علاقة الإسكندريين بالبحر، ومركزية البحر في فهم المدينة، وكذا التأثيرات المحتملة لعمليات "التنمية والتطوير" التي تقودها الدولة.

استعمار البحر

لنبدأ بواقعة صارخة: في أواخر عام 2016، فوجئ أبناء المدينة بجرافات ضخمة تهدم بعض أنفاق المشاة على طريق الكورنيش في منطقة سيدي جابر، والشروع في غلق بعض الطرق، وبدء أعمال بناء لم يتم الإفصاح عنها. ونتج عن ذلك حالة مزمنة من تعطل المرور في نواحي المدينة أغلب الأوقات، مما أثار استياء الكثير من المواطنين، وهو ما رصدته العديد من الصحف والمواقع الإخبارية، وقام اللواء الدكتور رضا فرحات محافظ الإسكندرية آنذاك، بعقد اجتماع بحضور القيادات الأمنية بالمحافظة، ونواب البرلمان، ومسؤول إدارة نوادي القوات المسلحة، وكذا بعض الأساتذة الجامعيين والإعلاميين. ووصف هذا الاجتماع بأنه "حوار مجتمعي شامل لإزالة كل الالتباسات والتعرف على حقائق المشروع - مشروع تطوير منطقة مصطفى كامل بكورنيش سيدي جابر- ومكوناته".

وفي هذا الاجتماع، قدّم المحافظ اعتذاره عن التأخر في الإعلان عن المشروع، وعن الضرر الذي أصاب المواطن السكندري، وكذا التأخر في وضع العلامات الإرشادية المضيئة اللازمة، ولافتات للإعلان عنه. وأضاف أن المشروع لا يشمل أي نواحٍ تجارية، وأنه سيؤدي لفتح رؤية البحر والوصول إلى الشاطئ.

إلا أن واقع الحال الآن مختلف عن تلك التأكيدات، إذ أنشئ كوبري في سيدي جابر على كورنيش البحر، وكراج متعدد الطوابق أسفل الكوبري، إضافة إلى افتتاح العديد من الكافيهات والمشروعات التجارية، بمعرفة المؤسسة العسكرية وإدارتها أحياناً، ومنها للمفارقة ملاه للأطفال أسفل الكوبري، وقاعة للحفلات، بل وسيرك! وكلها لا ترى البحر، لأنه تم ردم مساحات هائلة منه وإقامة المشروعات التجارية على ما كان يوماً ما بحراً.

الشارع الرئيسي، "طريق الكورنيش"، والممتد لحوالي 20 كيلومتراً من قصر رأس التين وحتى قصر المنتزه على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، هو قلب المجال العام في الاسكندرية. تتلاشى هناك مؤقتاً كل الفروق، الطبقية والعمرية، وينخرط الشباب والأطفال وكبار السن في أنشطة ترفيهية ورياضية متنوعة، كالتمشي والتريض على شاطئ البحر، والسباحة والصيد من البحر..

أواخر عام 2016، فوجئ أبناء المدينة، بجرافات ضخمة تهدم بعض أنفاق المشاة على طريق الكورنيش في منطقة سيدي جابر، والشروع في غلق بعض الطرق، وبدء أعمال بناء لم يتم الإفصاح عنها. ونتج عن ذلك حالة مزمنة من تعطل المرور في نواحي المدينة أغلب الأوقات، مما أثار استياء الكثير من المواطنين 

يليق بهذه العملية تسمية "استعمار البحر" حيث رُدمت مساحات من الشاطئ. ولم تكن المشروعات التجارية للنفع العام، بل خصخصةً للمجال العام، وخلقت نموذجاً شبه وحيد أمام الملايين من المواطنين وأبناء المدينة ممن يرغبون في رؤية البحر والجلوس على الشاطئ، هو نموذج استهلاكي، يستبعد قطاعاً عريضاً من الناس ويستهدف شرائح من طبقة معينة ممن يقدرون على دفع مئات الجنيهات مقابل بضع مشروبات أو أكلات بسيطة، قد تتميز بجودتها، إلا أن الثمن المرتفع، كما هو معلوم ومسكوت عنه، هو من أجل التمكن من رؤية البحر في مدينة انتشر فيها السياج الحاجب له، إلا إن تمكنتَ من الدفع... وهي رؤية مؤقتة بالضرورة ومقتصِرة على تسعير جبري.

من المدينة الحلم إلى المدينة الكابوس

وعلى عكس ما قد ترغب فيه الدولة المصرية من تخفيف الكثافة السكانية وتوزيعها، فإن الآثار الجانبية لعمليات "استعمار البحر" تلك تؤدي في الأغلب إلى قطع صلة المهاجرين الإسكندريين بالمدينة، وهو ما لاحظتُه في العديد من المقابلات مع الإسكندريين المهاجرين داخلياً إلى القاهرة، أو إلى خارج البلاد. حنينهم للإسكندرية صار مشوهاً مع صدمتهم إزاء رؤيتهم لما صارت إليه مدينتهم بعد عودتهم إليها ضمن إجازة بعد سنوات من الغياب. ويدفع ذلك العديد منهم إلى التخلي عن حلم العودة والاستقرار بالمدينة لاحقاً، كمشروع نهائي، بعد الاضطرار للهجرة لكسب العيش.

تتحول الإسكندرية يوماً بعد يوم من المدينة الحلم لدى محبيها إلى المدينة الكابوس، مدينة خرسانية بلا روح (1)، لدرجة أنه بعد امتناع العديد من الشباب الذين قضى بعضهم أكثر من عقد كامل من العمل في القاهرة من الاستقرار في العاصمة بشكل نهائي، أصبحوا يفضلون الآن السكن فيها، وعلى حد تعبير أحدهم فإن "الإسكندرية أصبحت أسوأ من القاهرة: كباري، وأسفلت، وأسمنت، وكراجات، وفنادق، ولا مكان للبشر، ولا لرؤية البحر".

تستبعد تلك "التنمية" قطاعاً عريضاً من المواطنين، وتستهدف شرائح من طبقة معينة يقدرون على دفع مئات الجنيهات مقابل بضع مشروبات وأكلات بسيطة قد تتميز بجودتها. إلا أن الثمن المرتفع، كما هو معلوم ومسكوت عنه، هو لإمكانية رؤية البحر في مدينة انتشر فيها السياج الحاجب له إلا لمن يمكنه الدفع... وهي على أيّ حال رؤية مؤقتة ومقتصرة على تسعير جبري

لا جدال على أهمية الطرق والمنشآت في التنمية، والتمهيد لها. لكن من الضروري أن يكون الإنسان هو المقصد والغاية، وألا تتحول الأدوات إلى مقاصد في حد ذاتها. وبالتالي فإن أي "تنمية" لا بد أن تراعي تلك الأبعاد، وتصحح أي انحرافات قد تؤدي إلى تفاقم الآثار السلبية أكثر.

وأخيراً، فإن مركزية البحر في علاقة الإسكندريين بمدينتهم، هي علاقة تاريخية، يمكن من خلالها تفسير موجات الاستياء والغضب والإحباط، في الوقت الذي يفتخر فيه بعض مسؤولي الدولة، من أنها أخيراً أصبحت تضخ مليارات الجنيهات، ويستغربون من عدم رضا العديد من الإسكندريين عن هذه المشروعات العملاقة. ويتمثل الحل ببساطة في إصلاح وتعديل التوجه، نحو بحر ومجال عام للجميع، بدلاً من استعماره وخصخصته.  

______________________

1- جمال بخاري، الإسكندرية: اختفى البحر وتحولت المدينة إلى "كتلة إسمنت"، السفير العربي، 11 / 09 / 2022. 

مقالات من مصر