المناخ في اليمن من "عيد الشجرة" إلى سباق السلحفاة والأرنب

وضع السكان، وإمكانيات مؤسسات الدولة التي نخرتها الحرب والانقسام، لا يحتملان المزيد من البطء في الإجراءات على المستوى المحلي، ولا المزيد من اللامبالاة الإقليمية والدولية ومراوحة تعهدات العالم المتقدِّم مكانها سنة بعد أخرى. في معمعة هذا الواقع الهُلامي، يطل السؤال عن إمكانية نهوض الحكومة المعترف بها دولياً، وسلطة الأمر الواقع في صنعاء، بعبء مواجهة تغيّرات المناخ.
غسان غائب - العراق

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

في بداية فترة حكمه - منتصف سبعينيات القرن العشرين - صعد الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي ذات مساء إلى حصن "ثُلا" بمحافظة عمران شمال اليمن، وجلس في إحدى واجهاته (1). كان برفقته أخوه الكبير الذي حكى قصة النظرة التي أرسلها رئيس الجمهورية المغدور في الأفق المظلم، مستحضراً هدفين رئيسيين من خطته "الخمسية": توصيل الكهرباء إلى الأرياف، وتشجير المساحات الجرداء، بما في ذلك الجبال. بحسب الأخ الكبير، تمنى الرئيس حينها أن يعود مناخ اليمن كما كان في غابر الزمان، حين كان هطول المطر يستمر ستة أشهر في البلاد ويدوم جريان الجداول لبقية شهور السنة (2).

لم تكن تلك مجرد أمنيات، بل مبادرة مناخية مبكرة سبقت قرع أجراس خطر التغيّرات المناخية بهذا المستوى القيادي الرفيع في كل دول العالم. ففي العام التالي لتوليه رئاسة البلاد، أصدر الحمدي وثيقة "أهداف مشروع التشجير ومراحل التنفيذ" التي حُدّدت بثلاث مراحل: (1975-1978) زراعة تسعة ملايين شجرة بواقع ثلاثة ملايين في كل سنة. ولتوسيع المشاركة في خطة التشجير، أصدر قراراً جمهورياً باعتبار الأول من آذار/ مارس "عيد الشجرة"، وفيه كان يتوجه المتطوّعون من الطلبة والمواطنين وأفراد الجيش لغرس الأشجار التي وُزِّعت مجاناً. خلال أقل من ثلاث سنوات هي كل فترة حكم الرئيس الحمدي، تمت زراعة ستة ملايين شجرة (3)، بعضها بقيت على حواف الطرقات والجبال حتى طالتها فؤوس الاحتطاب الجائر خلال السنوات الثمان الماضية من الحرب التي أكلت الأخضر واليابس.

يواجه اليمن حالياً أسوأ سيناريوهات التغيّرات المناخية في ظل استمرار شبح الحرب وأشباح أخرى لا تقل بشاعة، كمخاطر الأمن الغذائي والمائي جراء ارتفاع مؤشرات الجفاف وتطرّف هطول الأمطار المؤدي إلى تجريف التربة الزراعية، وغير ذلك من الكوارث المُرحّلة إلى المستقبل. المسار الذي تمضي فيه مستجدات التغيّرات المناخية في البلاد يثير القلق، خاصة مع حالة الاضطراب في الظواهر المناخية وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. والحال أن وضع السكان وإمكانيات مؤسسات الدولة التي نخرتها الحرب والانقسام، لا يحتملان المزيد من البطء في الإجراءات على المستوى المحلي، ولا المزيد من اللامبالاة الإقليمية والدولية ومراوحة تعهدات العالم المتقدم في مكانها سنة بعد أخرى. في معمعة هذا الواقع الهلامي، يطل السؤال عن إمكانية نهوض الحكومة المعترف بها دولياً وسلطة الأمر الواقع في صنعاء، بعبء مواجهة تغيّرات المناخ، وعن جدوى الحديث عن تعهدات مالية - دولية وإقليمية لليمن كإحدى الدول الأقل نمواً لمواجهة هذه المخاطر، ومتى سيتم البدء بتنفيذ الخطوة الأولى على الواقع؟

مواجهة الأزمة بالتكيّف

يمكن أن تعطي كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في مؤتمر المناخ (كوب 27) المنعقد في شرم الشيخ بمصر 6-18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، بعض الملامح لرؤية الحكومة المعترف بها دولياً لمخاطر التغيّرات المناخية، ومدى قدرتها على مواجهتها. دعى العليمي إلى "التسريع" بتعهدات الدول الصناعية لخفض الانبعاثات المسبِّبة للاحتباس الحراري، و"بناء قدرات اليمن على التكيف، ومضاعفة التمويلات لهذا الغرض...". كما ذكّر قادة العالم بأن اليمن كان ولا يزال أحد بلدان المنطقة المهدَّدة بالجفاف، الأمر الذي يوفر سبباً إضافياً آخر "للاقتتال الأهلي على الماء والأرض". طالب العليمي قادة العالم أيضاً بتمكين حكومته "من إدارة حصتها العادلة من المبادرة التمويلية" للدول الأقل نمواً والأكثر تضرراً من تغيّرات المناخ، وحمّلهم ما وصفها بالمسؤوليات المتداخِلة لمساعدة الحكومة على "إعادة إعمار مؤسساتها" التي قال إنها تعمل بأقل من نصف طاقتها بسبب الحرب والنزوح وتزايد رقعة الدمار في البنى التحتية للدولة (4).

  من خلال الوضع المناخي الراهن لليمن، ومن خلال أنشطة وإجراءات طرفَي الحرب الرئيسيين في هذا الجانب: جماعة الحوثيين (سلطة صنعاء) والحكومة المعترف بها دولياً، يتضح أن جهود الطرفين تمضي في مسارين متوازيين لا يحققان المستوى المطلوب من العمل اللازم لمواجهة التأثيرات المدمرة للتغيرات المناخية على عموم البلاد. ففي حين تحاول سلطة صنعاء اقتفاء أثر الرئيس الحمدي في عملية التشجير واستصلاح الأراضي الزراعية، لا يتحدث مسؤولوها في المواقع القيادية العليا عن انبعاثات الكربون ولا عن تطرف هطول الأمطار وتزايد معدل الاحترار... وما إلى ذلك من ظواهر تغيّرات المناخ. وفي حين كان توزيع الشتلات مجانياً في عهد الرئيس الحمدي، منعت الجهات المختصة في سلطة صنعاء توزيع شتلات التشجير مجاناً، وهي تركز على غروس البنّ واللوز لكونهما محصولان نقديان.. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2022، أعلن عن اجتماع لـ"الهيئة العامة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار" وهي هيئة أنشأتها سلطة الحوثيين، وتَضمّن الاجتماع تصريحات لمسؤولين في الهيئة عن "العلاقة بين الحق في التنمية وتغير المناخ"، وتصريحات أخرى عن "التحول إلى التكنولوجيا الخضراء القادرة على التكيف" (5).

  بالمقابل، تظهر المؤشرات أن الحكومة المعترف بها دولياً أقل نشاطاً من سلطة صنعاء في الجانب العملي للتشجير والزراعة، لكنها أكثر إدراكاً لمخاطر التغيّرات المناخية. يساعد في ذلك احتفاظها بعدد كبير من الموظفين المؤهلين في الجهاز الإداري للدولة، إذا ما أحسنت استثمار قدراتهم وإدارة جهودهم. غير أن العمل المناخي ضمن القنوات الرسمية للحكومة ظل معطّلاً منذ العام 2015، حين أخذت الحرب منعطفها الأكبر باستكمال الحوثيين (جماعة أنصار الله) انقلابهم على السلطة في كانون الثاني/ يناير، وتدخّل السعودية والإمارات عسكرياً أواخر آذار/ مارس، ضد الجماعة وحليفها السابق الرئيس الراحل علي عبد الله صالح.

عملياً، لا توجد مؤسسة مستقلة معنية بشؤون المناخ، والجهة المسؤولة مباشرة عن ذلك هي وحدة إدارية في الهيئة العامة للبيئة التابعة لوزارة المياه. منذ سنة 2015، التي تزامنت مع إعلان اتفاق باريس للمناخ، توقف العمل المناخي في المؤسسة الحكومية تماماً حتى سنة 2021، حيث بدأت وزارة المياه والبيئة بتنشيط وحدة التغيّر المناخي لإجراء دراسات وبرامج عمل تتوافق مع المعايير الدولية لتمويل الجهود المناخية في البلاد (6). منذ سنة 2021، عمل فريق وحدة التغيّر المناخي على إعداد مشروع برنامج عمل للتكيف الوطني وتم تقديمه لـ"صندوق المناخ الأخضر"- إحدى الهيئات التابعة لسكرتارية الاتفاقية الإطارية للمناخ في الأمم المتحدة.

لا توجد مؤسسة مستقلة معنية بشؤون المناخ، والجهة المسؤولة مباشرة عن ذلك هي وحدة إدارية في الهيئة العامة للبيئة التابعة لوزارة المياه. توقف العمل المناخي في المؤسسة الحكومية تماماً في العام 2015، وظل كذلك حتى سنة 2021، حيث بدأت وزارة المياه والبيئة بتنشيط وحدة التغيّر المناخي لإجراء دراسات وبرامج عمل تتوافق مع المعايير الدولية لتمويل الجهود المناخية في البلاد.

منعت الجهات المختصة في سلطة صنعاء توزيع شتلات التشجير مجاناً، وهي تركِّز على غروس البنّ واللوز لكونهما محصولان نقديان.. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2022، أعلن عن اجتماع لـ"الهيئة العامة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار"، وهي هيئة أنشأتها سلطة الحوثيين، وتَضمّن الاجتماع تصريحات لمسؤولين في الهيئة عن "العلاقة بين الحق في التنمية وتغيّر المناخ"، وتصريحات أخرى عن "التحول إلى التكنولوجيا الخضراء القادرة على التكيف".

تتضمن خطة الحكومة اليمنية المقدمة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، استعداد السلطات للمساهمة في خفض انبعاثات غازات الدفيئة اعتماداً على ما يقدمه المجتمع الدولي من دعم لها. في تلك الوثيقة حددت الحكومة نوعان من التعاون: الأول غير مشروط، ويتضمن خفض انبعاثات غاز الدفيئة بنسبة 1 في المئة بحلول 2030، أما الثاني الذي يصل تعاونها فيه إلى خفض 13 في المئة خلال المدة نفسها، فمشروط بزيادة حجم الدعم الدولي المقرر لها عن السنة السابقة (2014)، ووفقاً لآليات مناخية جديدة- صندوق المناخ الأخضر على سبيل المثال. كان يفترض أن تُحدّث الحكومة حجم الدعم الذي تحتاجه بحلول سنة 2020، لكن الحرب كانت تأخذ منحىً تصاعدياً في عامها الأول، فتوقف كل شيء (7).

انضم اليمن إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتغير المناخي (UNFCCC) في 1996، وإلى بروتوكول كيوتو سنة 2008، كطرف غير ملحق بأي طرف آخر. لا تزال الهيئة العامة لحماية البيئة هي الممثل الرسمي للحكومة اليمنية. وفي مؤتمر قمة المناخ (COP 27) المنعقد بمدينة شرم الشيخ، حضر وفد من الهيئة برئاسة وزير المياه والبيئة. لكن وضع اليمن- وغيره من البلدان الأقل نمواً- في تفاصيل مفاوضات القمة لا يزال غير معروف. وبحسب مدير وحدة المناخ في هيئة حماية البيئة، عبد الواحد عرمان، فإن الفريق الحكومي المكلّف بإعداد البرامج والتصورات، ما زال يعمل على إنجاز مشروع الدراسة الخاصة بتقدير الاحتياجات، إضافة إلى تحديث الاستراتيجية الوطنية للمناخ التي سبق إنجازها قبل الحرب. أما خطة الحكومة اليمنية في ما يتعلق بمواجهة التغيّرات المناخية، فتركز على "التكيف".

خطة التكيّف ومفاوضات كوب 27

في دراسة رسمية أنجزها فريق وزارة المياه في العام 2009، بعنوان "الخطة الوطنية للتكيّف" مع تغيّرات المناخ، ورد أن الحكومة تطمح لخفض معدل الاحترار في اليمن بين 1.4 و2.8 درجة مئوية بحلول سنة 2050. عرضت الخطة سبعة محاور عمل للتكيف هي: المياه، الزراعة والأمن الغذائي، التنوع الحيوي، حماية المجتمعات في المناطق الساحلية، تعزيز البنية التحتية البيئية في المناطق الساحلية، الصحة والسياحة. والهدف الرئيسي من الخطة كان تعريف درجة الأولوية لتكيّف البلد مع تغيّرات المناخ وتنوّعه. إضافة إلى التكيّف، يعمل الفريق الحكومي على تحديث هذه الخطة وتمديد مداها، لكنه لم يحدد بعد المدى الذي ستغطيه. كما تشمل مفاوضات المناخ الخاصة باليمن محاور التخفيف من آثار التغيّرات، ووضع البلد المصنف ضمن البلدان الأقل نمواً في ما سُمي مؤخراً "صندوق الخسائر والأضرار".

في مؤتمر قمة المناخ كوب 27، حضر من الجانب اليمني خمسة مفاوضين فقط، بينما يرى عبد الواحد عرمان، مدير وحدة المناخ، والذي اختير أيضاً في هذه القمة ناطقاً رسمياً باسم مفاوضي الدول الـ47 الأقل نمواً، أن اليمن بحاجة إلى ما لا يقل عن عشرين مفاوضاً. ذلك أن المفاوضات شديدة التعقيد والصعوبة، وفيها تتنصل الدول المتقدمة من كثير من التزاماتها، كما لا تريد الإقرار بمسؤولياتها في التسبب بالجزء الأكبر من تغيّرات المناخ. أما وضع اليمن في خطة التمويل النقدي لمواجهة التغيّرات، فتتم عبر "صندوق المناخ الأخضر" ومنه عبر منظمات وسيطة منها منظمة ال"فاو" و"يو إن هابيتات" و"يو إن إي بي". وفي حين يذكر "صندوق المناخ الأخضر" في موقعه الإلكتروني أن الدعم المخصص لليمن لمرحلة إعداد الدراسات والتصورات يبلغ 1.7 مليون دولار، يؤكد عرمان أن ما تلقته الحكومة المعترف بها دولياً لم يتجاوز 1.1 مليون دولار  (8).

في الخط الأمامي للخطر وفي مؤخرة الحلول

 اليمن هو أحد البلدان الواقعة في الخطوط الأمامية للخطر المناخي التي تحدث عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في قمة شرم الشيخ (كوب 27)، وهو أيضاً أحد البلدان الـ47 الأقل نمواً المشمولة بتعهدات الدول المتقدِّمة لمواجهة آثار التغيّرات المناخية. طالما كان العمل المناخي في اليمن ضعيفاً بل وشبه منعدم بسبب قلة الاهتمام - وإلى حد كبير قلة الوعي - بمخاطر تغيرات المناخ وفق المصطلحات الرائجة عالمياً. وبصفته أحد أقدم الشعوب التي عملت في الزراعة اعتماداً على مياه الأمطار والأنهار الجبلية، طوّر اليمنيون معرفة تقليدية بتغيّرات المناخ وتأثيراته على الأمن الغذائي والجفاف: غالباً ما تَمثّل أكثر الحلول استدامة لمواجهة هذه المخاطر في بناء الحواجز المائية وحصاد مياه الأمطار للتخفيف من تأثيرات الجفاف، إضافة إلى التكيّف. ووسط موجات التقلبات الراهنة للمناخ العالمي وتطور التقنيات الحديثة والتكنولوجية لقياس المخاطر والتنبؤ بها، صار البلد المثخن بالانقسام السياسي والحرب المعقدة في خلفية الحلول المطروحة في قمم المناخ التي تدعو إليها الأمم المتحدة كل سنة.

الحكومة المعترف بها دولياً أقل نشاطاً من سلطة صنعاء في الجانب العملي للتشجير والزراعة، لكنها أكثر إدراكاً لمخاطر التغيّرات المناخية. يساعد في ذلك احتفاظها بعدد كبير من الموظفين المؤهلين في الجهاز الإداري للدولة، إذا ما أحسنت استثمار قدراتهم وإدارة جهودهم.

في مؤتمر قمة المناخ "كوب 27"، حضر من الجانب اليمني خمسة مفاوضين فقط، بينما يرى مدير وحدة المناخ، والذي اختير أيضاً في هذه القمة ناطقاً رسمياً باسم مفاوضي الدول الـ47 الأقل نمواً، أن اليمن بحاجة إلى ما لا يقل عن عشرين مفاوضاً. ذلك أن المفاوضات شديدة التعقيد والصعوبة، وفيها تتنصل الدول المتقدمة من كثير من التزاماتها، كما لا تريد الإقرار بمسؤولياتها. 

أثرت الحرب وسوء الإدارة الحكومية لشؤون البلاد، عبر السنين، بصورة واضحة على جهود تخفيف حدة الآثار المترتبة على التغيّرات المناخية. لكن مع اشتمال الجهود الإقليمية والدولية في هذا السياق على مساعدة الدول "الهشّة" والأقل نمواً في مواجهة أزمات المناخ بالطرق الحديثة والمبتكرة، ساد التخبّط بين أساليب اليمنيين الخاصة في التكيّف، وبين الأساليب المقترحة من الهيئات الدولية. ففي سنة 2012، تم اختيار اليمن ضمن تسعة بلدان حول العالم لتنفيذ "مشروع تجريبي موحّد للمشاركة في "البرنامج التجريبي المعني بالمرونة إزاء المناخ التابع للبنك الدولي". كان هدف البرنامج "مساعدة الدول في إدارة المخاطر والفرص الناشئة عن تقلب المناخ وتغيُّره، مع مراعاة تلك الأكثر عرضة لهذه المخاطر، وحظي بدعم من "صندوقَي الاستثمار في الأنشطة المناخية". كما كان يفترض بهذا البرنامج أن يدعم "ثلاثة مجالات رئيسية للاستثمار في اليمن، وهي: إنشاء نظام قوي للمعلومات المناخية وضمان التنسيق بين كافة الوكالات المعنية في البرنامج، الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية، وبناء قدرات المجتمعات المحلية الريفية على مواجهة الآثار الناجمة عن تغير المناخ" (9). غير أن الواقع اليوم أكثر سوءاً عمّا كانت عليه الحال في سنة 2012، التي دخلت فيها البلاد المرحلة الانتقالية الأولى بانتخاب رئيس جديد عقب ثورة 11 شباط/ فبراير 2011، ثم الحرب التي اشتعلت بلا توقف بعدها بسنتين فقط. واليوم يتهدد البلاد شبح دخول الحرب منعطفاً أشد ضراوة مع فشل الجهود الإقليمية والدولية لتمديد الهدنة للمرة الرابعة مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2022.

 ما زالت مخاطر الحرب تترافق مع مخاطر التغيّرات المناخية في اليمن. وفي حين تمضي الجهود الدولية والإقليمية لتهدئة النزاع المسلح متعدد الأطراف، يوحي واقع جهود "التكيّف والتخفيف" إزاء تغيّرات المناخ، بمشهد سباق السلحفاة والأرنب، حيث تأخذ الدول الأطراف في الاتفاقيات الخاصة بالمناخ وضع الأرانب النائمة، بينما تقترب اختلالات النظام المناخي لكوكب الأرض من خط النهاية بخطوات سلاحف دؤوبة لا وجود للنوم ضمن ساعاتها البيولوجية. وسط هذا السباق يغفو اليمن ويصحو، منتظراً استيقاظ الدول القادرة على المبادرة في مساعدته على مواجهة العواصف الاستوائية وتدهور الأراضي ونضوب المياه، وغيرها من عوامل استدامة النزاع المسلح وهدر فرص استثمار إمكانيات البلد. ف"مبادرة الشرق الأوسط الأخضر" التي أعلنتها وتبنّت تنفيذها السعودية في تشرين الثاني/ أكتوبر 2021، و"مبادرة مصر للأمن المائي" التي نوقشت على أجندة قمة المناخ في شرم الشيخ (كوب 27)، هما حجرا زاوية في ما تستند إليه الحكومة اليمنية لتنفيذ برامج "التكيّف والتخفيف". وعلى الرغم من أن جهودها لا تزال في مرحلة إعداد الخطط والبرامج، يمرّ الدعم الدولي للحكومة في إعداد وتنفيذ هذه البرامج عبر قنوات خارجية تقررها سكرتارية اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للمناخ - على سبيل المثال، "صندوق المناخ الأخضر" و"جامعة السلطان قابوس" و"برنامج عمل الدوحة" ومنظمة ال"فاو".

 يحدث ذلك على الرغم من وجود جامعات يمنية بكوادر محلية عالية الكفاءة والخبرة بمناخ البلاد وخصائصه، وعالية الاستعداد للتعلّم السريع لمواكبة العمل المناخي العالمي.

أثرت الحرب وسوء الإدارة الحكومية لشؤون البلاد، عبر السنين، بصورة واضحة على جهود تخفيف حدة الآثار المترتبة على التغيّرات المناخية. لكن مع اشتمال الجهود الإقليمية والدولية في هذا السياق على مساعدة الدول "الهشّة" والأقل نمواً في مواجهة أزمات المناخ بالطرق الحديثة والمبتكرة، ساد التخبّط بين أساليب اليمنيين الخاصة في التكيّف، وبين الأساليب المقترحة من الهيئات الدولية.

تترافق مخاطر الحرب مع مخاطر التغيّرات المناخية في اليمن. وفي حين تمضي الجهود الدولية والإقليمية لتهدئة النزاع المسلح متعدد الأطراف، يوحي واقع جهود "التكيّف والتخفيف" بمشهد سباق السلحفاة والأرنب، حيث تأخذ الدول الأطراف في الاتفاقيات الخاصة بالمناخ وضع الأرانب النائمة، بينما تقترب اختلالات النظام المناخي لكوكب الأرض من خط النهاية بخطوات سلاحف دؤوبة. ووسط هذا السباق يغفو اليمن ويصحو. 

يشتمل الدعم الدولي لمواجهة التغيّرات المناخية على برنامج تجريبي هو "عبارة عن عملية معقدة، ولكنها شاملة ودقيقة، تبدأ بإستراتيجية للتنفيذ من خلال عملية تشاور مدتها عامان بين الجهات المعنية". وفي حين تقول الحكومة إنها لم تستكمل متطلبات التمويل بعد، يمكن أن يكون وصولها المتوقع إلى نقطة الانطلاق في حزيران/ يونيو 2023، في حال استكملت الإطار النظري لخطة التكيّف الوطنية.

خلاصة

 ينطلق العمل في مواجهة التغيّرات المناخية في اليمن من سؤال عمومي، لكنه شديد التركز: ما الذي يحتاجه البلد لمواجهة الخطر؟ التشجير هو أحد عناصر التخفيف، وتنشيط العمل الزراعي وتطوير وسائله ومنتجاته يمكن أن يكون الخطوة الأولى على طريق التكيف. يتركز الاهتمام الحكومي حالياً على حماية المناطق الساحلية من ارتفاع منسوب مياه البحر وغيره من مخاطر المناخ، لكن أمامها أيضاً مهمة حماية المناطق الداخلية من التصحر وتدهور الأراضي وتهديد سيول الأمطار للمدن والقرى.

 ومع أن البنية التحتية للبلاد لا تساعد على فعل الكثير ضمن هذين الخيارين، تتشعب أسباب الإخفاق الرسمي إلى أبعد من ذلك. وفي طليعة هذه الأسباب حالة الاسترخاء التي تعيشها غالبية زعماء الحرب مع عدم الانتقال إلى حالة السلام الدائم والشامل. وتنويعاً على ذلك، تأتي عوامل شح الموارد وهدر فرص الاستفادة القصوى منها ومن اضطرابات المناخ نفسها، كزيادة نسبة حصاد مياه الأمطار طردياً مع تطرّف هطولها، وتوجيه مسارات السيول نحو أراضي الحواجز المائية وإعادة توجيهها نحو الأراضي الجافة (10). وبالتزامن مع عدم تحديث الهيكل الإداري للدولة لاستيعاب هيئة مستقلة تعنى بالمناخ وتضم العدد الكافي من الكوادر المؤهلة، لا يزال ضعف التنسيق الشديد بين الهيئات الحكومية المعنية بمواجهة التغيّرات المناخية هو سيد الموقف. يضاف إلى ذلك، غياب رؤية وطنية واضحة للتعامل مع تغيّرات المناخ على المدى المتوسط والبعيد.

ما الذي يحتاجه البلد لمواجهة الخطر؟ التشجير هو أحد عناصر التخفيف، وتنشيط العمل الزراعي وتطوير وسائله ومنتجاته يمكن أن يكون الخطوة الأولى على طريق التكيف. يتركز الاهتمام الحكومي حالياً على حماية المناطق الساحلية من ارتفاع منسوب مياه البحر وغيره من مخاطر المناخ، لكن يتعين عليه أيضاً مهمة حماية المناطق الداخلية من التصحر وتدهور الأراضي وتهديد سيول الأمطار للمدن والقرى.

والحال أن الوجود المؤثر للعمل المناخي في اليمن يعتمد بدرجة أساسية على مغادرة مرحلة الإعداد بسرعة إلى مرحلة التنفيذ، أو البدء بتنفيذ مشاريع عملية متزامنة مع التخطيط بعيد المدى، وتوجيهها لصالح المتضررين فعلياً من تغيّرات المناخ، كالمزارعين والعمّال بجميع فئاتهم. وفي جميع الأحوال، لا يمكن القفز على متطلبات العدالة المناخية عالمياً، حيث يمكن في بعض الجوانب أن تتساوى الحكومات والشعوب في مواجهة انتهاك الدول الصناعية لاقتصاداتهم وأنماط حياتهم عبر العوامل المناخية القابلة وغير القابلة للرصد. واليمن في الواقع هو أحد 47 بلداً على الأقل تتعرض لمثل هذا الانتهاك. 

محتوى هذه المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________________

1- تولى إبراهيم الحمدي رئاسة الجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي) في 13 حزيران/ يونيو 1974 وحتى 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1977، وهو يوم اغتياله في صنعاء عشية سفره إلى عدن لإعلان اتفاق للوحدة بين الشمال والجنوب مع رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية حينها سالم رُبيِّع.
2- مقابلة تلفزيونية مع محمد الحمدي- قناة يمن شباب- 2012.
3- "كيف زرعت اليمن ستة ملايين شجرة في ثلاث سنوات" .https://holmakhdar.org/reports/330
4- https://www.youtube.com/watch?v=WdOe9sPO6Pg
5- https://bit.ly/3Wgv8f3
6- إفادة عبد الواحد عرمان، مدير وحدة التغير المناخي بالهيئة العامة للمياه والبيئة، للكاتب في سياق هذه الدراسة.
7- INTENDED NATIONALLY DETERMINED CONTRIBUTION UNDER THE UNFCCC- November 21 2015 -
8- https://www.greenclimate.fund/countries/yemen
9-"مواجهة تحدي تغير المناخ في اليمن"، ليا سيغهارت- مدونات البنك الدولي 2012.
10-لا يتجاوز عدد السدود والحواجز المائية في عموم اليمن 400 سدّ، بينما تذهب آلاف الأمتار المكعبة من مياه الأمطار سنوياً إلى البحر العربي والبحر الأحمر. 

مقالات من اليمن

"الزامل"، ورقصة الحرب في اليمن

مثّلت معركة غزّة الجارية، التي انطلقت في السابع من أكتوبر/تشرين أول2023، مرحلةً جديدة في مسيرة الشعر الشعبي الحماسي أو "الزامل"، إذ تجاوز الفضاء المحلي باستيعابه مضامينها، ومواكبته لأحداثها، بدءاً من...

الطب التقليدي في اليمن

من أهم العوامل الفاعلة في الانتشار الملحوظ لممارسة الطب التقليدي في اليمن، حالُ الخدمات الصحية الرسمية المُصابة بجملةٍ من المشكلات والاختلالات، منها النقص الشديد في الأجهزة والمعدات الطبية، وتدني أجور...

للكاتب نفسه

حضرموت في مرمى بندقية المارينز

الزيارات الأربع المتتالية لسفير واشنطن لدى اليمن إلى عدن وحضرموت خلال الصيف الجاري، ليست سوى بعض المؤشرات على أن اليمن بات في مرمى الاهتمام الأمريكي من زوايا محدّثة وقابلة للتحديث:...