أيام قرطاج السينمائية: سجاد أحمر يحجب الشاشات ويغطي الأزمات..

لم يتعلق الجدل في هذه الدورة بجودة الأفلام المعروضة أو مصداقية الجوائز الممنوحة أو حالة قاعات السينما التي عُرضت فيها، بل تركز أساساً حول حفلي الافتتاح والاختتام والبهرج الذي رافقهما، و"نوعية" المدعوين وصفتهم وهندامهم وسلوكياتهم فوق "السجاد الأحمر".
2022-11-17

محمد رامي عبد المولى

كاتب وباحث من تونس، من فريق "السفير العربي"


شارك
الملصق الرسمي للدورة 33 من "أيام قرطاج السينمائية"

اختتمت يوم السبت 5 تشرين الثاني/نوفمبر فعاليات الدورة 33 من "أيام قرطاج السينمائية" (29 تشرين الأول/اكتوبر - 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2022)، المهرجان السينمائي الأقدم في القارة الافريقية والعالم العربي (تأسس سنة 1966). أثارت الدورة المنقضية الكثير من الجدل بدأ منذ حفل افتتاحها ولم ينته بعد حفل الاختتام، وتسرب من مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام ليصل إلى مكتب رئيس الجمهورية.

لم يتعلق الجدل بجودة الأفلام المعروضة أو مصداقية الجوائز الممنوحة أو حالة قاعات السينما التي عُرضت فيها، بل تركز أساساً حول حفلي الافتتاح والاختتام والبهرج الذي رافقهما، و"نوعية" المدعوين وصفتهم وهندامهم وسلوكياتهم فوق "السجاد الأحمر".

الدورة 33: برمجة متميزة ومتنوعة

أيام قرطاج السينمائية ليست مجرد مسابقة لتكريم بضعة أفلام جديدة في كل دورة بل هي بمثابة عيد للسينما واحتفاء بها. فخلال أسبوع المهرجان تتحول العاصمة إلى قاعة عرض كبيرة يحج اليها عشاق السينما من كل فج عميق، وملتقى ضخم للمخرجين والمنتجين والممثلين وكتاب السيناريو والتقنيين والموزعين المحليين والعرب والأفارقة أساساً.

72 دولة كانت ممثلة في هذه الدورة مع غلبة للإنتاج الافريقي (23 دولة من جنوب الصحراء) والعربي (17 دولة). تنافس 44 شريطاً ضمن المسابقات الرسمية للفوز بجوائز ال"تانيت" (آلهة قرطاجنية ترمز للحياة والخصب والجمال) الذهبية والفضية والبرونزية : 12 شريطا في فئة الأفلام الروائية الطويلة و12 في فئة الأفلام الروائية القصيرة و12 في فئة الأفلام التسجيلية الطويلة و8 في فئة الأفلام التسجيلية القصيرة.

وهناك أيضا جوائز أخرى (1) تتوج أفضل الممثلين وكتاب السيناريو والتقنيين والموسيقى التصويرية. كما يمنح المهرجان جوائز خاصة مثل جائزة أفضل فيلم لأسبوع قرطاج للنقاد، وجائزة أفضل فيلم للسينما الواعدة، وجائزة "لينا بن مهني" لحقوق الانسان، وجائزة العمل الاول "الطاهر شريعة" و"تي في 5 موند"، فضلاً عن "جوائز موازية" يمنحها كل من "الاتحاد العام التونسي للشغل" و"الاتحاد الدولي للصحافة" و"الجامعة الإفريقية للنقد".

كما عرضت مئات الأفلام الأخرى التي سبق أن شاركت في الدورات السابقة. لم تنحصر العروض في قاعات السينما وتجاوزت حدود العاصمة تونس، كما استهدف البرنامج عدة فئات. عرضت الكثير من الأفلام في سجون وثكنات، وخصصت أخرى للأطفال في محافظات بنزرت ومدنين وقابس. 16 شريطا عرضت في الشارع الرئيسي بالعاصمة على شاشات عملاقة وتمحورت كلها حول موضوع واحد: كرة القدم، في تفاعل مع الحدث العالمي "مونديال 2022".

وبما ان "الأيام" فرصة لتلاقي مختلف مهنيي السينما من عدة بلدان، فهناك جانب عملي يتعلق بصناعة السينما سواء تعلق الأمر بالجوانب التقنية والمالية او الفكرية والسياسية. بالإضافة إلى النقاشات التي تدار على هامش العروض، تنظم في كل دورة دروس لطلبة السينما وتعقد ندوة فكرية. وقد اختارت الدورة 33 ثيمة "السينما: خلق طريق للمقاومة.. كيف تستطيع السينما أن تفسر العالم وأن تغيّره وتعالج أوجاعه؟". في حين وفرت "أيام قرطاج للصناعة السينمائية" عبر برنامج "تكميل" دعماً مالياً لسبعة أفلام في مرحلة ما بعد الانتاج.

وكما هو معتاد في مهرجانات السينما، كانت "الأيام" فرصة لتكريم شخصيات وتسليط الضوء على الانتاج السينمائي لبعض البلدان. افتتحت هذه الدورة بعرض شريط "فاطمة.. السلطانة التي لا تُنسى" هو تكريم مزدوج، أولاً للمخرج محمد عبد الرحمن التازي، وهو من الآباء المؤسسين للسينما المغربية، وثانياً للشخصية التي يتركز حولها الشريط: المناضلة النسوية وعالمة الاجتماع المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي. كما تم تكريم المخرج المصري داود عبد السيد، والممثلة الايفوارية ناكي سي سافاني، والمخرجة التونسية كلثوم برناز والمخرجة الجزائرية الراحلة يمينة بشير شويخ والممثل التونسي الراحل هشام رستم.

72 دولة حضرت في هذه الدورة مع غلبة للإنتاج الافريقي (23 دولة من جنوب الصحراء) والعربي (17 دولة). تنافس 44 شريطاً ضمن المسابقات الرسمية للفوز بجوائز ال"تانيت" الذهبية والفضية والبرونزية : 12 شريطاً في فئة الأفلام الروائية الطويلة و12 في فئة الأفلام الروائية القصيرة و12 في فئة الأفلام التسجيلية الطويلة و8 في فئة الأفلام التسجيلية القصيرة. 

عُرضت مئات الأفلام التي سبق أن شاركت في الدورات السابقة. ولم تنحصر العروض في قاعات السينما وتجاوزت حدود العاصمة تونس، كما استهدف البرنامج عدة فئات. عُرضت الكثير من الأفلام في سجون وثكنات، وخُصصت أخرى للأطفال في محافظات بنزرت ومدنين وقابس. 16 شريطاً عرضوا في الشارع الرئيسي بالعاصمة على شاشات عملاقة، تمحورت كلها حول كرة القدم، في تفاعل مع "مونديال 2022".

السعودية - على الرغم من تواضع انتاجها السينمائي- حلت ضيفة شرف على هذه الدورة وشاركت بسبعة أفلام ووفد كبير من المعنيين بالسينما وصناعتها، ربما في اطار تشجيع هذه السينما الناشئة وايماناً بالدور الذي قد تلعبه الفنون في التغيرات المجتمعية.

فلسطين حضيت هي الأخرى بقسم خاص من المهرجان عبر عرض جملة من الأفلام الفلسطينية والعربية التي تتناول القضية الفلسطينية. واحتفت "الأيام" ايضا بالسينما الاسبانية عبر عرض أفلام لمخرجات اسبانيات من أجيال مختلفة.

حتى الملصق الرسمي للتظاهرة السينمائية - من انجاز الفنان التونسي بدر القليدي - كان موفقاً ونال استحساناً كبيراً لنجاحه في تكثيف عدة رموز ومعاني والمامه الذكي بالهوية التاريخية المتعددة لأيام قرطاج. السيدة السوداء الراقصة التي تظهر على الملصق هي الممثلة السينغالية "مبيسين تيريز ديوب" Mbissine Thérèse Diop بطلة فيلم "فتاة سوداء" أحد كلاسيكيات السينما الافريقية والحائز على أول تانيت ذهبي تمنحه أيام قرطاج السينمائية (الدورة الأولى 1966) - وتذكِّر ذراعاها المفتوحتان بالآلهة "تانيت"، في حين يستدعي فستانها الأزرق لون البحر (البعد المتوسطي للأيام) دون أن ننسى النقوش بالخط العربي المذهَّب.

بكل المقاييس، لم تكن الدورة 33 الأسوء في تاريخ "أيام قرطاج السينمائية"، وليست كارثية بالمرة كما قد يوحي بذلك الجدل الذي أثارته طيلة أيام على شبكات التواصل الاجتماعي. ما هي إذاً الأسباب الحقيقية وراء غضب واستياء الكثيرين ومنهم رئيس الجمهورية؟

سجادة تخفي الكثير من الغبار..

أصل البلاء سجادة حمراء.. قد يبدو هذا السبب غريباً أو تبسيطياً أكثر من اللازم لكنه فعلاً المحرك الأساسي للانتقادات الموجهة لأيام قرطاج في هذه الدورة، وحتى في الدورات الأخيرة. نتحدث عن البساط الأحمر الذي يمر فوقه ضيوف مهرجانات السينما أمام عدسات المصورين كما هو معمول به في عدة تظاهرات عالمية كبرى. هذا البساط الأحمر لم يكن من تقاليد "أيام قرطاج"، ولم يسجل حضوره إلا بداية من سنة 2008 لاضفاء اجواء احتفالية على التظاهرة كما قالت مديرة المهرجان آنذاك المنتجة السينمائية درة بوشوشة. لم يثر السجاد الأحمر جدلاً كبيراً في دورات 2008 و2010 و2012، لكنه ومع دورة 2014 صار يحظى باهتمام متزايد من قبل مستعملي وسائل التواصل الاجتماعي الذين أصبحوا يتابعون ب"شغف" حفلتي الافتتاح والاختتام المبثوثتن بشكل مباشر على القناة الوطنية العمومية وصفحات الفيسبوك. هذا ال"شغف" والتفاعل الفوري نادراً ما يتعلق بالأفلام والسينما عموماً بل بما يلبسه ويفعله المارون - وخاصة المارات - فوق السجاد الأحمر.. أحكام "اخلاقية" و"جمالية" حول البدلات والفساتين والماكياج والاكسسوارات. وطبعاً كلما كان المظهر "مثيراً" أو "غريباً" كلما "اهتاج" الجمهور ورشحت التعليقات والتفاعلات بالوصم والسخرية والتنمر وهتك الأعراض والاستهجان. يتعاظم الأمر عندما يتعلق بنساء "جريئات" أو رجال مثليين (أو يُعتقد انهم كذلك).

هذا بالنسبة للجمهور "العريض"، أما "النخبة" من محبي السينما "الأصيلين" فإن مشكلتهم مع السجاد الأحمر تتمثل أساساً في أنه يشكل نوعاً ما "خيانة" لروح أيام قرطاج السينمائية وهويتها و"عقوقاً" لآبائها المؤسسين. لا يمكن الحديث عن "أيام قرطاج السينمائية" من دون استذكار لحظة التأسيس والخط الذي سارت عليه طيلة سنوات صنعت هويتها، فهي لم تكن في الأصل مهرجاناً استعراضياً أو تجارياً. تأسس المهرجان الأفريقي الأقدم سنة 1966 على يد الطاهر شريعة وهو رجل بحجم مؤسسة، كان له فضل كبير في إرساء "البنية التحتية" للسينما التونسية: الجامعة التونسية لنوادي السينما، النصوص الأولى المنظمة لقطاع الإنتاج السينمائي، الجامعة التونسية للسينمائيين الهواة، الخ... كان هدف "الأيام" خلق ملتقى "عالم ـــ ثالثي" يُعبّر عن السينما العربية والأفريقية.

الطاهر شريعة برفقة المخرج عصمان صمبين والممثلة مبيسين تيريز ديوب خلال حفل توزيع جوائز الدورة الأولى، 1966.

على مدى تاريخها - خاصة قبل بداية الألفية الجديدة - احتفت "أيام قرطاج" بمخرجين ملتزمين تركوا بصمتهم في عالم السينما، بل وكانت في الكثير من الأحيان نقطة انطلاقهم. مخرجين ومخرجات عرب وأفارقة لهم رؤى فنية وسياسية وليسوا مجرد "صانعي أفلام": عصمان صمبين، يوسف شاهين، عاطف الطيب، لخضر حمينة، برهان علوية، ميشيل خليفي، سوليمان سيسي، النوري بوزيد، علي بدرخان، داوود عبد السيد، عبد اللطيف بن عمار، رضا الباهي، سارا مالدورور، سلمى بكار، كلثوم برناز، رندة الشهال، توفيق صالح، محمد خان، مرزاق علواش، غاستون كابوري، ادريسا وادراغو، محمد ملص... والقائمة تطول.

حظيت فلسطين بقسم خاص من المهرجان عبر عرض جملة من الأفلام الفلسطينية والعربية التي تتناول القضية الفلسطينية. وحلت السعودية - على الرغم من تواضع انتاجها السينمائي- ضيفة شرف على هذه الدورة وشاركت بسبعة أفلام ووفد كبير من المعنيين بالسينما وصناعتها، ربما في اطار تشجيع هذه السينما الناشئة وايماناً بالدور الذي قد تلعبه الفنون في التغيرات المجتمعية. 

وعلى الرغم من أنّ "الأيام" تنظّم تحت إشراف جهة رسمية هي وزارة الثقافة، وعلى الرغم أيضاً من النوايا الدعائية لنظام بورقيبة عند تأسيس هذه التظاهرة السينمائية، حضرت عدة مواضيع كانت تعتبر تابوهات سياسية أو اجتماعية خارج قاعات السينما. وهذه "الجرأة" هي أيضاً قطعة من روح "الأيام". عبر السنوات والدورات، عُرضت وكُرِّمت أفلام تتمحور حول الهجرة والقمع والعنصرية والمرأة والجنس وصراع الفرد مع السائد المجتمعي، وبالطبع حول فلسطين والصراع العربي ـــ الإسرائيلي عموماً.

هذه هي الهوية "الأصلية" لأيام قرطاج التي ولدت في أوج مسار التخلص من الاستعمار والصراع العربي-الإسرائيلي، قبل "لحظات" من "هزيمة 67" و"أيار/مايو 68"، ومع بداية موجات الهجرة الافريقية نحو أوروبا وكذلك تجذّر الأطروحات النسوية.

لذا رأى كثيرون أن السجاد الأحمر يمثل ضرباً لهوية أيام قرطاج وحياداً عن خطها التاريخي. آخرون، أقل "راديكالية"، لا يرون أن المشكلة تتعلق بالسجاد الأحمر بحد ذاته بل بقائمة المدعوين الذين يمرون فوقه. ففي الدورات الأولى التي فُرش فيها السجاد كانت القائمة معقولة نسبياً اذ تشكلت أساساً من شخصيات على علاقة مباشرة بالسينما، حتى وإنْ شهدت "تسرب" نجوم السينما "التجارية" والدراما الرمضانية اليها. الأمور بدأت تسوء في الدورات الثلاث أو الأربع الأخيرة، فلقد صارت قائمة المدعوين لحفلتي الاختتام والافتتاح "مفتوحة" بشكل كبير لشخصيات ليس للكثير منها أي علاقة بالسينما: مؤثرون ومؤثرات على وسائل التواصل الاجتماعي، مغنيي ومغنيات الفنادق، عارضي وعارضات أزياء، المعلقون الذي يطلقون أكثر البرامج فضائحية وتفاهة في الإعلام السمعي والبصري، سيدات ورجال من "الطبقة المخملية"، الخ. أغلب هؤلاء لا يواكبون فعاليات "أيام قرطاج" الأخرى ولا يتحدثون عن السينما أصلاً، كل ما يريدونه هو بعض الصور والفيديوهات فوق السجاد الأحمر التي ستحدث صخباً في مواقع التواصل الاجتماعي فيزيد عدد "متابعيهم". مثلاً خلال الدورة المنقضية، جلب أحد المدعوين، وهو مغني درجة عاشرة، الأنظار ببدلة غريبة من قطعة واحدة زيّنها برموز الأديان.. وشعار النازية! في حين كانت إحدى أبرز "الضيفات" سيدة كل رصيدها فيديو نشرته منذ أشهر وهي تضبط زوجها رفقة "عشيقته" في مطعم، قبل ان تستدعيها وسائل الإعلام للحديث حول هذه المسألة "المصيرية" فتتحول الى نجمة تستحق الدعوة لحضور أيام قرطاج السينمائية.

هذه الظاهرة مرتبطة بشكل وثيق مع ظاهرة أخرى، وهي السطوة المتزايدة للرعاة والاعلانيين في تنظيم "أيام قرطاج" خلال السنوات الأخيرة. مساهمة القطاع الخاص والشركات التجارية في تمويل أيام قرطاج ليست أمراً مستجداً بل بدأت منذ ثمانينيات القرن الفائت وتطورت بشكل كبير خلال التسعينيات وبداية القرن الحالي: شركات طيران، بنوك وشركات تأمين، شركات اتصالات، الخ. لكن تأثيرها على تنظيم التظاهرة بقي محدوداً إلى حدود سنة 2014. فخلال الدورة ال25 أعلنت الهيئة المديرة أن أيام قرطاج السينمائية ستصبح حدثاً سنوياً بعد أن ظلت منذ تأسيسها تنظم مرة كل سنتين. كما أعلن عن عدة أقسام وفعاليات جديدة بغاية "دمقرطة" السينما وإيصالها إلى فئات عمرية واجتماعية متنوعة وتخفيف "مركزية" العاصمة في الحياة الثقافية. فتقرر تنظيم عروض في السجون والمؤسسات التربوية وحتى الثكنات، وتخصيص برمجة لبعض المحافظات خارج العاصمة في كل دورة، تماشيا ًمع "روح" الثورة التونسية ومسار "الانتقال الديمقراطي" الذي كانت تعيشه البلاد آنذاك. وقرر المنظمون تخصيص خط تمويل لمساعدة مخرجين شبان في إتمام أفلامهم الأولى. كل هذا شكل قفزة تاريخية في تاريخ "الأيام"، لكنها قفزة مكلفة. ومع تراجع الانفاق العمومي في شتى المجالات أصبح الرعاة واصحاب الاعلانات ضرورة حيوية لاستمرار التظاهرة وتطورها. لسنا نتحدث عن رعاة فنون وآداب شغوفين بل عن شركات تستثمر مالاً وتريد استرجاعه - مع الفوائد - بشكل سريع، لذا ركّزت على فعاليات المهرجان التي تحظى بالاهتمام الأكبر من الجمهور العريض أي حفلتي الافتتاح والاختتام، وخاصة تفصيلة السجاد الأحمر.

تزامنت هذه السطوة المتزايدة لرأس المال والإعلانات مع تنامي هيمنة منصات ووسائل التواصل الاجتماعي على الحياة اليومية للبشر، فصارت المعادلة واضحة بالنسبة للمعلنين: فرض قائمة من المدعوين الى المهرجان تتكون أساساً من شخصيات لها تاثيرها وحضورها في وسائل التواصل الاجتماعي حتى وإن كانت غريبة عن عالم السينما أو عرفت بضحالتها أو "فضائحها".. فهذا ما سيضمن نسب مشاهدة ومتابعة عالية للحفلين ويمنح المعلن ظهوراً أكبر. يعني التظاهرة التي كثيراً ما عانت من محاولات السلطة السياسية التدخل فيها وحتى اخضاعها تماماً تخفف نسبياً من هذا الضغط لتقع تحت ضغط رأس المال. وبعد أن كانت مناسبة "نخبوية" يحتفي بها أساساً مهنيو السينما غير التجارية ومحبوها، صارت حدثاً جماهيرياً لكن دون أن يكون ذلك في صالح السينما والسينمائيين.

رئيس الجمهورية يدخل على الخط..

يبدو ان الرئيس سعيّد لم يستسغ كثيراً الجدل الذي أشرنا اليه. فبعد يوم من اختتام "الأيام" استدعى الرئيس إلى قصر قرطاج وزيرة الثقافة، السيدة حياة قطاط القرمازي، حيث عبّر لها صراحة عن استيائه مما شاب أيام قرطاج السينمائية "من ممارسات حادت بها عن الأهداف التي أنشئت من أجلها".

لم تتأخر الوزيرة في التفاعل العملي مع توجيهات الرئيس وملاحظاته، فخرجت بعد سويعات في لقاء مع القناة التلفزية العمومية "الوطنية 1" لتعلن ان "أيام قرطاج السينمائية" ستنظم مرة كل سنتين كما كان الأمر قبل سنة 2015، وأعلنت أنها تنوي اطلاق استشارة وطنية لتطوير هذه الأيام قائلة: "مع احترامي للطاهر شريعة فإن أيام قرطاج اليوم عمرها 56 سنة ولازمها "عملية شد الجلد" (un coup de lifting)". طبعاً لم يفت الوزيرة أن تشير للمتهم الرئيسي أي السجاد الأحمر قائلة: "أنا الوزيرة الوحيدة التي رفضت المرور على السّجاد الاحمر لأن المفروض أن يكون حكراً على الفنانين وليس متاحاً لمن هبّ ودبّ.. للأسف أيام قرطاج السّينمائية ارتبطت باعلانيين تمسّكوا بالسّجاد الأحمر وعلى الرغم من رغبتي في إزالته لم أستطع فعل ذلك". 

كلام الوزيرة لا يخلو تماماً من الوجاهة، إلا أن تركيزها على هذا السجاد المسكين تغطية على الغبار الذي تحته. هل تتلخص مشاكل أيام قرطاج في هذا التفصيل؟ لما لا يتم تخليصه من سطوة الاعلانيين عبر منحه دعماً عمومياً أكبر؟ لما لا تتم مأسسته عبر انشاء فريق عمل مستقر يشتغل طوال السنة حتى يحضّر كل دورة بشكل احترافي ويتلافى المشاكل اللوجيستية والتقنية المتكررة في كل دورة؟ كيف تلام إدارة مهرجان دولي يتم الإعلان عنها قبل أشهر قليلة من الافتتاح، ألم يكن من الأجدى ان تنتخب أو تعين هيئة مديرة تشرف على عدد معين من الدورات حتى نضمن استقرار مستوى أيام قرطاج؟ هل سيحل تباعد دورات المهرجان من مشاكله؟ ثم أين التقارير المالية والأدبية الخاصة بكل دورة، أليس من حق المهتمين بالسينما ودافعي الضرائب عموماً الاطلاع عليها؟

يبدو ان الرئيس سعيّد لم يستسغ كثيراً الجدل المثار. فبعد يوم من اختتام "الأيام" استدعى الرئيس وزيرة الثقافة، وعبّر لها صراحة عن استيائه مما شاب أيام قرطاج السينمائية "من ممارسات حادت بها عن الأهداف التي أنشئت من أجلها". لكن الكثير من المثقفين في تونس يتخوفون من أن يكون "السجاد الأحمر" ممراً لعودة سلطة الحاكم على الثقافة والفنون.

يتخوف الكثير من المثقفين في تونس من أن يكون "السجاد الأحمر" ممراً لعودة سلطة الحاكم على الثقافة والفنون.

في الحقيقة لا يُعد تدخل الرئيس سعيّد في "أيام قرطاج" بدعة، لطالما كانت علاقة هذا المهرجان بالسلطة السياسية القائمة ملتبسة ومرت بلحظات صدام ومراحل من التماهي وحتى الخضوع. في سنة 1969 مثلاً سُجن مؤسس المهرجان الطاهر شريعة لمدة ثمانية أشهر دون محاكمة ولم يُفرج عنه إلا بعد تدخلات مثقفين وسياسيين تونسيين وأجانب، فقط لأنه تحدى وزارة الثقافة وعبّر - من خلال حجب جائزة التانيت الذهبي خلال الدورة الثانية (1968) - عن احتجاجه على حضور ممثلي "الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام" (The International Federation of Film Producers Associations) و"موشن بيكشرز اكسبورت اسوسييشن" (Motion Picture Export Association) المدافعة عن مصالح صناعة السينما الأمريكية في مهرجانٍ أحد أهم أهدافه التخلص من الهيمنة الثقافية الغربية على دول الجنوب.

الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة خلال استقباله للمشاركين في الدورة الأولى.

وخلال السبعينيات والثمانينيات الفائتة، تواصلت علاقة الشد والجذب بين السلطة والهيئات المديرة مع الحفاظ على "هامش حرية" معقول. أما في التسعينيات فلقد كانت السلطة أكثر اصراراً على تدجين المثقفين والفنانين، وانعكس هذا في اختيارها للهيئات المديرة للمهرجان، كما أنها أفسحت مجالاً أكبر للقطاع الخاص سواء المعلنين أو منتجي الأفلام الذين تولى بعضهم منصب المدير العام لأيام قرطاج السينمائية.

بعد سقوط الديكتاتورية في 2011 شهدت السينما التونسية طفرة كبيرة من حيث حجم الانتاج وتنوع المواضيع المعالَجة سينمائياً وولادة عدة تظاهرات سينمائية جديدة. مناخ الحرية كان له وقع إيجابي على "الأيام" التي تحررت بشكل كبير من قبضة السلطة السياسية، لكن ذلك لا يعني أنها أصبحت مستقلة تماماً، فهي ما زالت تتبع وزارة الثقافة مما يجعل مديريها يتجنبون الصراعات المباشرة مع السلطة، بل ويسعى بعضهم لكسب رضاها. في الدورة 27 مثلاً (2016) قرر مدير المهرجان آنذاك، ابراهيم اللطيف، منح "تانيت" ذهبي لرئيس الجمهورية الراحل، الباجي قايد السبسي، بمناسبة خمسينية المهرجان، مما اثار استهجان عدد كبير من السينمائيين والمثقفين عموماً.

مدير الدورة 27 من أيام قرطاج السينمائية يسلم التانيت الذهبي للرئيس التونسي السابق الباجي قايد السبسي

***

صمدت أيام قرطاج السينمائية لأكثر من نصف قرن وإنْ فقدت جزء من "روحها" في مختلف المراحل. وهي تعيش اليوم أزمات متعددة: أزمة "نمو" (هل تتوسع أكثر أم تعود إلى "حجمها" القديم؟)، وأزمة هوية بين الأيام الثقافية والمهرجان، وبين سينما المؤلف والسينما التجارية، أزمة استقلالية مع نهم المعلنين واستعادة السلطة السياسية في تونس لشهيتها في السيطرة والمراقبة.

أياً كانت الحلول التي ستساعد "الأيام" على تجاوز أزماتها فالأكيد أنها لن تأتي من طرف سلطة سياسية تُمسك مطرقة وترى في كل المشاكل مسامير يجب دقها.  

______________________

1- القائمة الكاملة للجوائز الممنوحة خلال الدورة 33: https://bit.ly/3Eicyfb       
2-  Sayda Bourguiba, Finalités culturelles et esthétiques d'un cinéma arabo-africain en devenir : les Journées Cinématographiques de Carthage (JCC). Thèse de doctorat, Université Panthéon-Sorbonne - Paris I, 2013

مقالات من تونس

تونس: قانون انتخابي ملغّم

قد يفتح التقسيم الانتخابي الجديد للبلاد باب الشيطان. فتقسيم المحافظة إلى دوائر صغيرة قد يكون مدخلاً لخلق قوى سياسية أو بالأحرى اقطاعيات سياسية جديدة كالعروش والعائلات الكبيرة المتنفذة، "تعوّض" الأحزاب...

للكاتب نفسه

تونس: قانون انتخابي ملغّم

قد يفتح التقسيم الانتخابي الجديد للبلاد باب الشيطان. فتقسيم المحافظة إلى دوائر صغيرة قد يكون مدخلاً لخلق قوى سياسية أو بالأحرى اقطاعيات سياسية جديدة كالعروش والعائلات الكبيرة المتنفذة، "تعوّض" الأحزاب...