اليمن.. عدم الاستقرار يطال المناخ أيضاً

نبدأ بهذا النص عن اليمن بنشر مقالات التغير المناخي كما يظهر في بلدان منطقتنا، وهي المعادلة التي تكثفت بوتائر متسارعة حتى لاح بما لم يعد يقبل الانكار مبلغ تهديدها للكوكب وللبشر المقيمين عليه.يحاول هذا الدفتر قراءة مظاهر الكارثة في بلدان منطقتنا - بما فيها تلك الملتبسة - ورصد نتائجها على حياة الناس. وفي "دفتر" ثان يلي هذا، سنتفحص الاستراتيجيات الموضوعة للتصدي للظاهرة ومدى توفقها وأسباب تعثرها، وذلك على الصعيدين المحلي الذي يخص مخططات سلطات بلداننا وأيضاًعلى الصعيد العالمي حين تهتم تلك المخططات بما يجري عندنا... أو لا تهتم!
2022-09-15

لطف الصَّرَاري

قاص وصحافي من اليمن


شارك
غسان غائب - العراق

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

لا تعرف التغيرات المناخية حدود الجغرافيا السياسية بين البلدان، وعلى الرغم من تحديد العوامل المسؤولة عن حدوثها في النشاط الصناعي المفرط وطريقة استهلاك البشر للوقود الأحفوري، فلا تزال الدول الصناعية، الكبرى منها والناشئة، تتقاعس في الحدّ من هذه العوامل.

تشير دراسات مناخية إلى أن "الأضرار الناجمة عن تغيّر المناخ" غالباً ما تكون "مستقلة تماماً" عن موقع مصادر انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري الذي يعتبر المسؤول الرئيسي عن تقلّبات المناخ وتطرّفه (1). بالتالي، وما دامت هذه الأضرار لا تحمل بصمات واضحة للمتسبِّب فيها، تتفاقم مشكلة المناخ ملقية بثقلها على البلدان ذات البُنى التحتية الأكثر هشاشة، بما في ذلك بلدان المنطقة العربية. وهكذا تزداد غموضاً أسباب تغيّر المناخ في اليمن، موضوع بحثنا هنا، سيما في ظل شحة الإمكانيات المادية والفنية لمحطات الأرصاد الجوية ودراسة تغيرات المناخ عبر السنين. ويواجه سكان اليمن (وهم أكثر من 30 مليون نسمة وفق تقديرات أممية) مخاطر هذه التغيّرات، بالتزامن مع استمرار الحرب الدائرة منذ ثمان سنوات، وذلك ما يزيد المشكلة المناخية تعقيداً.

طبيعة المناخ وحاله الراهنة

بصورة عامة، يُعرّف مناخ اليمن بأنه شبه استوائي جاف، إذ يقع البلد بين دائرتي عرض (10 و20) شمال خط الاستواء، وفي تصنيفاته الرسمية يتّسم بالتنوع وفقاً لتضاريسه المقسّمة جغرافياً إلى خمسة أقاليم (2). ونظراً لأهمية الأمطار كمصدر رئيسي - إن لم يكن وحيد - للمياه، وضعت "الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي" تقسيماً مناخياً لهذه الأقاليم يتكون من 13 نطاقاً، يبدأ تسلسلها من المنطقة ذات المعدل الأكثر غزارة وثباتاً لهطول الأمطار: مدينة إبّ، الواقعة ضمن المرتفعات الوسطى جنوب غرب البلاد (3). تتداخل هذه النطاقات بعد ذلك عبر الحدود الإدارية لكل محافظة، حيث تتماثل أو تتقارب مؤشرات العناصر المناخية حيناً، وتتباين بشدة أحياناً أخرى (4). فعلى سبيل المثال، يتراوح المعدل السنوي المعتاد لهطول الأمطار – تنازلياً - بين 1500 و450 ملم في النطاقات من 1 الى 5، بينما نجده يواصل الانخفاض في النطاقات الأخرى وصولاً إلى 0 و125 ملم في النطاقين 12 و13: الإقليم الساحلي وإقليم الصحراء على التوالي. وعلى الرغم من تفاوت أوقات هطول المطر بين نطاق مناخي وآخر، فهي تنتظم في موسمين أساسيين: فصل الربيع (آذار/مارس- أيار/مايو) وفصل الصيف وجزء من الخريف (تموز/يوليو- أيلول/سبتمبر) (5).

سحابة قمعية، تصوير عمران محمد علي الأكوع

ينسحب هذا التباين على درجات الحرارة، إذ تسجّل مدينة "سيؤون" بمحافظة حضرموت 45 درجة مئوية صيفاً و31 درجة شتاءً، بينما تتراوح درجات الحرارة في مدينة "ذمار" ومديرية "الشُّعيب" في محافظة الضالع ما بين 1 و4 درجات تحت الصفر شتاءً (6).

خلال العقود الأربعة الماضية ارتبط متوسط درجة الحرارة ومعدل هطول الأمطار بعلاقة غلب عليها التذبذب والتفاوت من سنة لأخرى. ومنذ نهاية عقد السبعينات من القرن العشرين إلى مطلع العقد الثالث من الألفية الثالثة، تناقص المعدل العام لهطول الأمطار وارتفع متوسط درجة الحرارة التراكمي بصورة غير ملحوظة إحصائياً، لكنها أصبحت محسوسة لدى السكان، في السنوات الخمس الأخيرة على الأقل. وإضافة لاختلال الحالة الطبيعية لعناصر المناخ الأخرى، كمعدل التبخّر السطحي للمياه ورطوبة التربة، وحالة الاضطراب في البحرين الأحمر والعربي، وما ينتج عنها من منخفضات جوية وأعاصير مدارية واستوائية... إلخ، يبدو الوضع المناخي الراهن لليمن في حالة من التذبذب قد تخفي وراءها كوارث متفاوتة الخطورة في مستقبل لا نعرف مداه.

مظاهر إنذارات كارثية

بين العامين 2015 و2018، ضربت ثلاثة أعاصير استوائية جزيرة سقطرى، حضرموت والمهرة، ناهيك عن العواصف التي تحتدم وتتشكل سنوياً خلال موسمين رئيسيين في المحيط الهندي والبحر العربي (7). تؤثر هذه الحالات الاستوائية المضطربة على مناخ اليمن، متسببة بتطرّف هطول الأمطار الغزيرة على مناطق معيّنة فوق المعدلات المعتادة، في حين تبقى مناطق أخرى عرضة للجفاف. تطال السيول الجارفة والفيضانات الناتجة عن غزارة الأمطار، المزارع والمنازل في القرى والمدن على حدّ سواء، مخلفة أضراراً كارثية، سنوية وشبه سنوية، بما في ذلك خسائر بشرية بالعشرات. الجفاف هو الآخر تسبّب في انخفاض مستوى الأمن الغذائي، وزيادة التصحّر وزوال الغطاء النباتي نتيجة الاحتطاب والرعي الجائرين، حيث ارتفعت نسبة التصحر في البلاد من 90 في المئة سنة 2014، إلى 97 في المئة سنة 2022 (8). كما أدى سوء استغلال الموارد المائية المتجددة إلى زيادة استهلاك مخزون المياه الجوفية مع ما يرافق ذلك من صعوبات في وصول جميع السكان إليها، فارتفعت بالتالي توقعات مؤشر الشحّ المائي بحلول سنة 2025، ثلاثة أضعاف عمّا كانت عليه سنة 1990.

قياساً بسنوات الجفاف والسنوات الممطرة التي شهدها اليمن خلال العقود الأربعة الماضية، بات الملاحظ أن العقد الثاني من الألفية الثالثة حمل معه زيادة نسبية في معدلات هطول الأمطار، لكن تذبذبها بين الشحة والغزارة بقي سائداً مع تصاعد ارتفاع درجة الحرارة سنة بعد أخرى. كانت السنة الأخيرة من العقد المنصرم (2020) ذروة الزيادة في معدل الهطول، حيث شملت نطاقات مناخية عادة ما كان حظها من الأمطار شحيحاً، كمحافظات الجوف، مأرب، المهرة وحضرموت. وفي حين خيّب العام الافتتاحي للعقد الثالث (2021)، ومثله موسم الأمطار الربيعية لسنة 2022، آمال المزارعين في المرتفعات الغربية والشمالية الغربية، حظيت المحافظات الجنوبية والشرقية والوسطى بكميات وفيرة من الأمطار. أما الموسم الثاني من سنة 2022 (تموز/ يوليو- أيلول/ سبتمبر)، فحفلت أمطاره الغزيرة بسيول كارثية على الجزء الغربي والشمالي الشرقي من البلاد (9).

تكاد لا تخلو سنة من ضحايا لكوارث مناخية في اليمن. وتعتبر الصواعق الرعدية والسيول والفيضانات أبرز الكوارث التي يسقط بسببها الضحايا. لا تشمل إحصاءات المنظمات العالمية المختصة ضحايا الكوارث المناخية في اليمن إلا في ما ندر، والأرقام المذكورة في التغطيات الخبرية على الإنترنت لا تكون نهائية غالباً. مع ذلك، يمكن تتبّع بعض الأرقام التي تلقي بصيص ضوء على نماذج من كوارث المناخ في البلد. ففي سنة 2008، أودت سيول حضرموت بحياة 180 شخصاً على الأقل، ودمّرت أكثر من ألفي منزل، إضافة إلى المواشي النافقة والدمار الذي لحق بالبنية التحتية للشوارع والأراضي الزراعية (10). وأحصى الباحث وفيات السيول والفيضانات والصواعق الرعدية بين العامين 2010 و2020، في أخبار موقع وكالة الأنباء الحكومية "سبأ" التابعة لسلطة الحوثيين في صنعاء، فكانت الحصيلة 365 حالة وفاة، وهو رقم أقل من المتوقع قياساً للتغيرات المناخية المتصاعدة في البلد خلال الفترة نفسها.

هذه الأخبار لا تتضمن جميع حالات الوفاة الناجمة عن الحوادث المناخية، كما أن الإحصائيات تتفاوت بين جهة رسمية وأخرى. على سبيل المثال، في 10 آب/ أغسطس 2020، أعلنت وزارة الصحة في صنعاء أن عدد وفيات سيول الأمطار بلغ 131 شخصاً و124 مصاباً، معتمدة على سجلات المستشفيات. وفي الأسبوع التالي أعلنت مصلحة الدفاع المدني التابعة لوزارة الداخلية - التابعة لسلطة صنعاء أيضاً - إحصائية الأضرار نفسها متضمّنة 70 حالة وفاة فقط، و909 أضرار في البنية التحتية، منها انهيار سدّ واحد، وانهيار 462 منزلاً، غرق 126 آلية، و162 انهياراً صخرياً وجرف 56 كيلومتراً من الأراضي الزراعية (11). وكانت سيول الأمطار الغزيرة أغرقت مدينة عدن في نيسان/ أبريل 2020، بالتزامن مع بدء تفشي جائحة كورونا في اليمن. أودت الفيضانات والوباء بحياة مئات الأشخاص، وجرفت السيول عشرات السيارات ودمّرت مساحة واسعة من البنية التحتية للمدينة (12)، في كارثة غير مألوفة في الذاكرة القريبة للأهالي.

تشير الدراسات المناخية إلى أن الأضرار الناجمة عن تغيّر المناخ غالباً ما تكون مستقلة تماماً عن موقع مصادر انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري الذي يعتبر المسؤول الرئيسي عن تقلّبات المناخ وتطرّفه. 

مفتتح العقد الثالث من الألفية الثالثة لم يخلُ كذلك من كوارث المناخ المتطرف، لكن أضرار سيول 2021 تركّزت على المحافظات الجنوبية والشرقية، مخلّفة ما لا يقل عن 60 حالة وفاة، وجرفت أكثر من 30 ألف فدان من الأراضي الزراعية في محافظة لحج وحدها (13). وجاءت سيول صيف 2022 أشد عنفاً من سابقاتها مع ظواهر مناخية غريبة، كالزوابع القُمعية والصواعق الرعدية غير المسبوقة. وبينما حددت سلطات الأمر الواقع في صنعاء أضرار الحوادث المناخية لهذا العام، بـ91 حالة وفاة وتضرر "أكثر من 24 ألف أسرة" (14)، أفادت منظمة الصحة العالمية بأن الوفيات 77 شخصاً، وأن الأُسر المتضررة يزيد عددها "على 35 ألف أسرة في 85 مديرية على امتداد 16 محافظة" (15). ومن بين الضحايا إجمالاً أطفال ونساء، ومن بين الأضرار تجريف واسع للتربة الزراعية والمحاصيل والغطاء النباتي ومخيمات نازحين من الحرب، خاصة في محافظة مأرب. كما شملت الأضرار انهيارات كلية وجزئية لآلاف المنازل، بما في ذلك مبانٍ أثرية، ومنشآت بُنى تحتية، كالطرقات والجسور وحواجز المياه.

سيول تجتاح المنازل في مديرية الدريهمي بمدينة الحديدة- تصوير عيسى بلح

من أين يأتي هذا كله؟!

مما لا شك فيه أن هناك عوامل محلية تساهم في نشوء هذه التقلبات المناخية المدمّرة، غير أنها لا تقارَن بالعوامل الخارجية، سيما إذا أخذنا بالاعتبار دور الصناعة في تفاقم الاحتباس الاحتراري وتلوث البيئة بأبعادها البرية، البحرية والجوية.

اليمن ليس بلداً صناعياً، والمنشآت الصناعية فيه صغيرة ويقتصر نشاطها على الصناعات الخفيفة. بالتالي، فمعدلات الكربون المحتمل انبعاثها محلياً، تقتصر على حرق الوقود في هذه المنشآت وعبر وسائل النقل ومولدات الكهرباء ومضخات نزع المياه. وإلى ذلك، تتعرض البيئة البحرية في خليج عدن والبحر العربي منذ سنة 2013 (16)، لمخاطر التلوث الناتج عن تسرب كميات من النفط من 12 سفينة "متهالكة ومهددة بالغرق" (17)، وهناك أيضاً ناقلة "صافِر" المتهالكة في البحر الأحمر التي تهتم الأمم المتحدة بمعالجة تفريغ النفط الخام منها. ليس واضحاً إلى أي مدى يبلغ تأثير هذا التلوث على تغيرات المناخ في البلاد، لكن الواضح أنها تتأثر بالعواصف والأعاصير الاستوائية والمنخفضات الجوية في المحيط الهندي وبحر العرب.

تُرجع الدراسات المناخية أسباب تشكّل هذه العواصف والأعاصير إلى اضطراب حركة الرياح وحالة الضغط الجوي وارتفاع حرارة المياه الى أكثر من 26.5ْ درجة مئوية. وفي سنة 2021، بلغ المتوسط الشهري لدرجة الحرارة في جزيرة سقطرى، الواقعة في البحر العربي، 33.6 درجة مئوية في حزيران/ يونيو، وهو ذروة الموسم الأول لاضطراب المحيط. أما في الموسم الثاني، تشرين الأول/أكتوبر- تشرين الثاني/نوفمبر، فبلغ متوسط الحرارة في الجزيرة 31.6 و30.5 درجة مئوية على التوالي. كما تفيد النشرات اليومية لمركز الأرصاد الجوية اليمني لصيف 2022، بأن درجة حرارة سطح البحر في خليج عدن بلغت 31 درجة مئوية وفي جنوب البحر العربي 28 درجة. النشرات نفسها أشارت إلى أن سرعة الرياح في البحر العربي وأرخبيل سقطرى، باتت تتجاوز 55 عقدة خلال شهري تموز/ يوليو وآب/ أغسطس، بالتزامن مع هطول أمطار أعلى من المعدلات المعتادة على المناطق الجبلية والشريط الساحلي الغربي والمرتفعات المقابلة له.

يواجه سكان اليمن (وهم أكثر من 30 مليون نسمة وفق تقديرات أممية) مخاطر هذه التغيّرات، بالتزامن مع استمرار الحرب الدائرة منذ ثمان سنوات، وذلك ما يزيد المشكلة المناخية تعقيداً، ولاسيما في ظل شحة الإمكانيات المادية والفنية لمحطات الأرصاد الجوية ودراسة تغيرات المناخ عبر السنين.

خلال العقود الأربعة الماضية ارتبط متوسط درجة الحرارة ومعدل هطول الأمطار بعلاقة غلب عليها التذبذب والتفاوت من سنة لأخرى. ثم بين العامين 2015 و2018، ضربت ثلاثة أعاصير استوائية جزيرة سقطرى، حضرموت والمهرة، ناهيك عن العواصف التي تحتدم وتتشكل في المحيط الهندي والبحر العربي. 

هذا التطرّف في هطول الأمطار على مستوى الزمان والمكان، إضافة لتطرّف درجة الحرارة بين الارتفاع الشديد (آذار/ مارس- أيلول/ سبتمبر) والبرودة الشديدة (تشرين الثاني/ نوفمبر- كانون الثاني/ يناير)، يعززان فرضية تأثر اليمن بالتغيرات المناخية في بلدان الإقليم والعالم. إذ تلعب هذه العوامل الخارجية دوراً في اضطراب البحر وحركة الرياح والرطوبة النسبية، وهي عناصر أساسية في تشكّل العواصف والأعاصير الاستوائية والمدارية (18). ومن العوامل الخارجية المؤثرة على مناخ اليمن، الموجات الاستوائية، مثل "موجة كلفن" وما ينتج عنها من موجات "روسبي" الفرعية التي تمثّل أساس تشكل المنخفضات المدارية والعواصف والأعاصير وموجات الأمطار الغزيرة. وبالمثل، تذبذب الرياح المدارية (MJO)، وظاهرتي "النينيو" المسببة للاحترار و"النينيا" المسببة للبرودة، حيث يتسبب اجتماع ظاهرة "النينيو" مع إيجابية قطبية في المحيط الهندي، بزيادة معدلات هطول الأمطار على اليمن أكثر من المعتاد، خاصة خلال شهري تمّوز/يوليو وآب/ أغسطس (19).

أرقام وخلاصات

يعاني اليمن من مشكلات إحصائية وتحليلية كثيرة، وقطاع الأرصاد الجوية ليس استثناءً من ذلك، فيما يقتصر اهتمام الغالبية العظمى من المواطنين بشأن الطقس والمناخ على ما يمسّ حياتهم، من مياه الشرب والري إلى مرعى المواشي. على أن مصادر معلوماتهم تتركز على المعرفة التقليدية بمواسم الأمطار والجفاف، وليس على المعرفة العلمية الحديثة. ولأن أسباب التغيرات المناخية ما زالت تتخفى وراء طبيعتها الغامضة ودواعي الأمن القومي للدول، غالباً ما تُفسّر الكوارث الناتجة عنها في اليمن بكونها "قضاء وقدَر" بدون الالتفات لأسبابها الدنيوية. وعلى الرغم من أن هذا الاعتقاد لم يعد سائداً بالصورة التي كان عليها إلى ما قبل الألفية الثالثة، لا يزال اللايقين بالتفسيرات العلمية يشكّل عائقاً أمام إدراك مخاطر تقلّبات المناخ، وأسبابها المحلية والخارجية على السواء.

أتاح الوضع السياسي غير المستقر في البلاد وحالة الحرب التي عطّلت فاعلية مؤسسات الدولة، الفرصة لشيوع معلومات ومؤشرات مناخية غير مؤكدة، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي. الأمر الذي دفع قطاع الأرصاد في صنعاء، حيث المقر الرئيسي لـ"المركز الوطني للأرصاد"، إلى إصدار تصريحين: الأول في 25 حزيران/ يونيو 2022، تضمّن إقراراً بـ"عدم استقرار الأحوال الجوية" مع وصول "قيمة الضغط الجوي" في المحيط الهندي إلى (0994) ملليبار. التصريح الثاني كان في 9 آب/ أغسطس المنصرم، أرجع فيه المركز سبب زيادة معدل هطول الأمطار خلال العامين 2020 و2022، إلى "تأثر البلاد بالمونسون الهندي (الرياح الموسمية) والحزام المداري والموجات الشرقية". هذه العوامل تمثّل "أنظمة ضغط جوي منخفض" وينتج عنها - ولا سيما منها تعاقُب "الموجات الشرقية"- ارتفاع معدلات الهطول وموجات الحرّ في اليمن و"بعض دول الشرق الأوسط". و"الموجات الشرقية" هنا ليست سوى النوع الثاني من "موجات كلفن": الاستوائية.

تطال السيول الجارفة والفيضانات الناتجة عن غزارة الأمطار، المزارع والمنازل في القرى والمدن على حدّ سواء، مخلّفة أضراراً كارثية وخسائر بشرية. وكان العام 2020 ذروة الزيادة في معدلات الهطول، حيث شملت نطاقات مناخية عادة ما كان حظها من الأمطار شحيحاً. 

الجفاف هو الآخر تسبّب في انخفاض مستوى الأمن الغذائي وزيادة التصحّر. وارتفعت بالتالي توقعات مؤشر الشحّ المائي بحلول سنة 2025 الى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه سنة 1990. ففي سنة 2008، أودت سيول حضرموت بحياة 180 شخصاً على الأقل، ودمّرت أكثر من ألفي منزل، إضافة إلى المواشي النافقة والدمار الذي لحق بالبنية التحتية للشوارع والأراضي الزراعية 

بالعودة إلى عنصرَي درجة الحرارة ومعدل هطول الأمطار، تشير إحصائية منشورة على موقع (meteoblue) لمتوسطات درجة الحرارة ومعدلات الهطول بين العامين 1979 و2021، إلى أن مناخ اليمن يتجه نحو الجفاف وارتفاع متصاعد لدرجة الحرارة. بعد تجميع وحساب هذه المتوسطات، يظهر أن المتوسط العام لدرجة الحرارة ارتفع خلال العقود الأربعة الماضية، بمقدار (+1.08) درجة مئوية، بينما بلغ متوسط التذبذب في معدلات هطول الأمطار (ناقص -55 ملم) (جدول رقم 2). والجدير بالملاحظة في تفاصيل هذا الجدول، أن فارق معدل الهطول اكتسب إشارة موجبة فقط في مدينتَي "المُكلّا" و"سيئون" بمحافظة حضرموت، إضافة لمحافظة المهرة، وهي مناطق واقعة على البحر العربي ضمن النطاقات المناخية (11، 12 و13)، حيث يمثل النطاق 11 المرتفعات والهضاب، و12 المناخ الساحلي و13 المناخ الصحراوي لكل من المناطق الثلاث.

بهذا نخلص إلى أن اليمن، وإن بدا بعيداً ومعزولاً عن العالم لأسباب تتعلق بأوضاعه السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، فهو في المحصلة ليس بمنأى عن الأضرار الناجمة عن تغيّر المناخ عالمياً. فقد تسبّب الاحتباس الحراري في السنوات الأخيرة، بارتفاع درجات الاحترار السطحي تراكمياً، سواءً في اليابسة أو في مياه البحر العربي والمحيط الهندي. كما أدى تزايد حركة الموجات المدارية في بعض السنوات، إلى نشوء منخفضات واضطرابات جوية متحرّكة، وإلى تزايد نشاط الأعاصير والعواصف المدارية، وتسبّب ذلك بهطول أمطار شديدة الغزارة وسيول كارثية في المناطق التي وصلت إليها. وفي مقابل هذا التطرف في هطول الأمطار، تؤدي الحالة غير المستقرة للمناخ إلى موجات جفاف في بعض السنوات، وهو ما ينتج عنه شحة المياه وتصحر المزيد من الأراضي الزراعية.

أغرقت سيول الأمطار الغزيرة مدينة عدن في نيسان/ أبريل 2020، بالتزامن مع بدء تفشي جائحة كورونا في اليمن. أودت الفيضانات والوباء بحياة مئات الأشخاص، وجرفت السيول عشرات السيارات ودمّرت مساحة واسعة من البنية التحتية للمدينة في كارثة غير مألوفة في الذاكرة القريبة للأهالي. وجاءت سيول صيف 2022 أشد عنفاً من سابقاتها مع ظواهر مناخية غريبة، كالزوابع القُمعية والصواعق الرعدية غير المسبوقة.

تتشكّل العواصف والأعاصير بسبب اضطراب حركة الرياح وحالة الضغط الجوي وارتفاع حرارة المياه. التطرّف في هطول الأمطار على مستوى الزمان والمكان، إضافة لتطرّف درجة الحرارة بين الارتفاع الشديد والبرودة الشديدة، يعززان فرضية تأثر اليمن بالتغيرات المناخية في الإقليم والعالم. تلعب هذه العوامل دوراً في اضطراب البحر وحركة الرياح والرطوبة النسبية، وهي عناصر أساسية في تشكّل العواصف والأعاصير الاستوائية والمدارية. 

وإذا ما استمرّ هذا التذبذب على الوتيرة نفسها أو بوتيرة متصاعدة، فلا شك في أن تأثيره على البلد لا يقلّ خطراً وكارثية عن حالة الحرب وعدم الاستقرار السياسي القائمان. 

محتوى هذه المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________________

1- "السياسة الدولية للمناخ بعد كيوتو"، جوزيف ألدي وروبرت ستيفنز، ترجمة: عصام الحناوي- المركز القومي للترجمة، مصر، العدد 2378، ط1، 2015.

2- السهل الساحلي، المرتفعات الجبلية، الأحواض الجبلية، المنطقة الهضبية، وإقليم الصحراء، وكل إقليم ينطوي بدوره على تنوع تضاريسي في إطار طبيعته الجغرافية.

3- "دليل المناخ الزراعي لليمن 1881-2004"، محمد عبدالواسع الخرساني- دراسة ميدانية 2005.

4- يتركز الرصد المناخي في اليمن، رغم هشاشة بنيته التحتية، على تسعة عناصر: الهطول- أمطار، برَد، ثلج (نادراً)، درجة الحرارة، الرياح، الرطوبة، حالة البحر، السطوع والإشعاع الشمسي، الضغط الجوي، السحُب، مدى الرؤية. ويعتمد مركز الأرصاد الجوية تقسيماً جغرافياً من أربعة أقاليم: "المرتفعات الجبلية، المناطق الساحلية، المناطق الصحراوية، وأرخبيل سقطرى".

5- يعتمد التقويم الزراعي التقليدي في اليمن أسماء ثلاثة شهور سريانية على الأقل لتسمية بعض المواسم: نيسان، تموز، آب، إلى جانب التسميات المحلية القديمة.

6- خلاصة درجات الحرارة للعام 2021، وزارة النقل اليمنية- قطاع الأرصاد.

7- "عشر معلومات علمية عن الحالات المدارية"، موقع "طقس العرب"، 30/4/2022.

8- http://althawrah.ye/archives/86550 + http://althawrah.ye/archives/728546
9-ملاحظات الباحث، ويمكن الاطلاع على تفاصيل أكثر حول تذبذب هطول الأمطار وتطرفها من مجموعة "طقس وأمطار اليمن- صور فيديو" على "فيسبوك"، وهي تضمّ بلاغات مواطنين من كافة أنحاء البلاد عن المطر والجفاف. وأثناء كتابة هذه الدراسة منتصف أيلول/ سبتمبر، لاتزال الأمطار تهطل على المحافظات الجنوبية الغربية، بما فيها عدن التي يندر هطول المطر عليها.

10- https://www.reuters.com/article/oegtp-yemen-floods-mm6-idARACAE4A51AY20081106
11- https://www.saba.ye/ar/news3105194.htm + https://www.saba.ye/ar/news3106010.htm
12-https://www.alayyam.info/news/86F5QH81-FOIURQ-D58D
13- https://www.alayyam.info/tag/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%88%D9%84
14- تصريح للمتحدث باسم المجلس الأعلى لتنسيق الشؤون الإنسانية لقناة "المسيرة" التابعة لجماعة الحوثيين "أنصار الله".

15- https://news.un.org/ar/story/2022/08/1109182
16- https://holmakhdar.org/reports/6263/
 17- https://www.alayyam.info/news/93EFBHJY-HJ1XL1-0C73
 18- "لماذا يضطرب بحر العرب في شهر يونيو"، حسن عبدالله - موقع "طقس العرب"، 7/6/2015.

 19- بحسب تعريف موسوعة "ويكيبديا"، هناك نوعان من موجة كلفن: ساحلية واستوائية، تتحركان بمحاذاة خط الاستواء، الأولى تتجه غرباً والثانية شرقاً وهي التي "تلعب دوراً مهمّاً في ديناميات التذبذب الجنوبي"، عن طريق نقل تغييرات الظروف المناخية في غرب المحيط الهادئ إلى شرقه، مروراً بالمحيط الهندي. ولمزيد من الاطلاع على تأثير ظاهرتي "النينيو" و"النينيا"، مراجعة موقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية: https://public.wmo.int/ar/media

مقالات من اليمن

للكاتب نفسه