الحكومة تتفرج.. تلوث المياه يلاحق سكان الجنوب في ظل مشاريع منتهية الصلاحية وأخرى معطلة (تحقيق)

يوثق هذا التحقيق، اعتمادا على نتائج فحوصات مخبرية ومصادر رسمية، عدم صلاحية ما تنتجه المحطات الحكومية من مياه للشرب و الطهي، ويؤكد نسب التلوث العالية في المياه الخام (لنهري الفرات والغراف) المغذية لشبكات ومحطات تصفية وتنقية المياه في الناصرية ويظهر تداعياتها على حياة السكان.
2022-08-26

شارك

في صبيحة السادس عشر من شباط/فبراير 2022، أصيب مدرس اللغة العربية علي كاظم، بوعكة صحية مفاجئة وهو يلقي محاضرة على طلابه في المدرسة. مغص معوي متواصل وقيء وإسهال، فنقله زملائه سريعا إلى مستشفى قضاء سوق الشيوخ جنوب الناصرية مركز محافظة ذي قار(360كم جنوب العاصمة بغداد).

تفاقمت وبنحو سريع حالتهُ هناك، وبعد سلسلة من الفحوصات المخبرية التي خضع لها، تبين بأنه مصابٌ ببكتيريا (السلمونيلة التيفية) أو ما يعرف في الأوساط الطبية بـ(التيفوئيد).

لم يكن علي بحاجة لكي يخبرهُ الأطباء بأن تلوث مياه الشرب هو السبب في إصابته، فالمياه التي تصل عبر شبكات الأنابيب من محطات التصفية والتنقية الحكومية:"تسبب للمرء مغصاً معوياً حاداً إن شرب منها، وتصاب عينه بالحرقة إن اغتسل بها" هذا ما يقوله.

مقالات ذات صلة

بعد تلك الحادثة والخوف من قائمة طويلة من الأمراض الأخرى التي يسببها تلوث المياه كالكوليرا والتهاب الكبد الفيروسي ومشاكل الكلى، لجأ علي مع أسرته كما فعلت أسر كثيرة من قرية "النصر"، إلى شراء مياه الشرب من المحطات الأهلية التي تعمل وفق منظومة تعرف باسم RO لتصفية المياه.

بحسب حيدر حنتوش مدير قسم الوبائيات في دائرة صحة ذي قار، فان أهالي ذي قار اضطروا للتوجه الى استخدام المياه المنتجة في محطات أهلية للشرب وطهي الطعام منذ نحو عقدين في ظل عجز حكومي مزمن عن تأمين مياه صالحة للاستهلاك البشري.

ويلفت إلى أن المحافظة التي يقطنها أكثر من مليوني نسمة، تعاني ومنذ سنوات من مشكلة تلوث مياه الشرب، جراء صب مياه الصرف الصحي في حوضي نهري الغراف والفرات اللذين يغذيان محطات تنقية مياه الشرب الحكومية المتهالكة بسبب عدم تطويرها.

ويؤدي ذلك بحسب حنتوش إلى "ارتفاع معدلات الأمراض المعوية والاسهال المزمن والتهاب الكبد الوبائي من نوع (A-E) والتيفوئيد وتسجيل عشرات حالات الاصابة بمرض الكوليرا".

ويضيف: "سجلت مديريتنا منذ شهر حزيران 2022، نحو 1800 إصابة بالإسهال المائي، و52 إصابة بالكوليرا بسبب ارتفاع نسب تلوث المياه".

وتسجل سنويا العديد من حالات الوفاة ويدخل مئات الأطفال في وضع صحي حرج داخل المستشفيات بسبب أمراض معوية ناتجة عن تناولهم لمياه ملوثة، في محافظة تشتهر بحقولها النفطية الكبيرة وبكونها ثاني اكبر منتج للنفط في البلاد، لكنها تعاني من سوء البنية الخدمية ومعدلات فقر وصلت إلى ما يقارب 48% من مجموع السكان بحسب المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي.

يوثق هذا التحقيق، اعتمادا على نتائج فحوصات مخبرية ومصادر رسمية، عدم صلاحية ما تنتجه المحطات الحكومية من مياه للشرب و الطهي، ويؤكد نسب التلوث العالية في المياه الخام (لنهري الفرات والغراف) المغذية لشبكات ومحطات تصفية وتنقية المياه في الناصرية ويظهر تداعياتها على حياة السكان.

ما لاحظناه خلال زياراتنا لثلاث محطات رئيسية لتصريف مياه الصرف الصحي في نواحي البطحاء وأور والاسكان الصناعي التابعة لمحافظة ذي قار، هو تدفق مياه المجاري الثقيلة في مسارات نهر الفرات، دون أثر لأي سعي حكومي لمعالجة المشكلة، ما يجعل احتمالات التلوث كبيرة جدا.

وهو ما تم التثبت منه من خلال فحص عينات من المياه الخام الواصلة للمحافظة، حيث اتضح أن فيها زيادة بتراكيز الألمنيوم بنسبة (0.6- 0.97 ملغم/ لتر) وهو ما يتجاوز بكثير التراكيز المسموح بها بموجب تعليمات نظام صيانة الانهار العراقية لعام 1980 والمحددة بـ0.05 ملغم/لتر. هذا بالإضافة إلى احتواء العينة على نسب مرتفعة من الحديد بتركيز (850 ملغم/لتر) بزيادة عن الحد المسموح به وهو (500 ملغم/لتر).

وثق معد التحقيق، 45 منفذاً لمياه الصرف الصحي جميعها، تلقي بمخلفاتها في نهري الفرات والغراف، على الرغم مما تحتويه من مواد عضوية ومعادن غير قابلة للذوبان ومواد سامة (قاتلة) وفقاً للخبير البيئي نوري المعموري، أبرزها كاليسيوم ومغنيسيوم ثاني اوكسيد الكبريت، النتريت والأمونيا والفوسفات.

ويؤكد المعموري: "كلما تفاقم شح المياه وقل منسوبها في الأنهر، وهو ما يحصل حاليا بسبب الجفاف، كلما ارتفعت كثافة وتراكيز هذه العناصر".

ووفقًا لتقارير صادرة عن وزارة الصحة والبيئة العراقية في 2019، فان خدمات الصرف الصحي الآمنة تغطي فقط 30% من السكان في البلاد، ما يعني أن 70% من المياه الثقيلة تنتهي في الأنهار، وأكدت تلك التقارير أن أكثر من 5 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي تذهب إلى الأنهار دون معالجة، ما يشكل تهديدا للصحة العامة.

وكانت لجنة الصحة البرلمانية قد أصدرت في 2018 تقريراً عن أزمة تلوث المياه في ذي قار وبعض المحافظات، وخلصت الى ان ذلك التلوث مسؤول عن 25% من وفيات الأطفال التي تسجل في البلاد سنوياً.

وما يزيد من المشكلة أن محطات الإسالة تفتقر إلى إجراء اختبارات جرثومية على المياه لتحليل بكتيريا القولون والمسبحيات البرازية، وأحيانا تتوقف منظومة الكلور عن العمل (تصفية دون تعقيم) ما يعني وصول مياه ملوثة إلى منازل المواطنين.

مياه الشرب تلك كانت سبباً في اصابة مرتضى عدنان ذو الأربعة عشر ربيعاً بمرض الكوليرا والتي أدخلته مستشفى الحسين التعليمي وسط الناصرية مطلع تموز 2022.

ولم يكن مرتضى المصاب الوحيد، بل شهدت قرى وأزقة الناصرية اصابات متعددة وصلت لذات المستشفى، وفقاً لوالده الذي يقول بأن "اعراض اصابة مرتضى تمثلت بإسهال شديد وقي غير مسيطر عليه"، موضحاً بأن "الاصابات ستستمر في الظهور في صفوف الأهالي مالم تسارع الحكومة بإنقاذهم من واقعهم المأساوي".

بقية التحقيق على موقع "العالم الجديد". 

مقالات من العالم العربي

تغيّر المُناخ وأزمة المياه في العراق: مؤشرات الهشاشة وحِدَّة الأثر البيئي

صفاء خلف 2022-10-02

يقع العراق كأكثر منطقة تعاني ضعفاً وهشاشة بيئية في المرتبة 129 من أصل 181 دولة، متموضعاً في قلب التأثيرات العنيفة للتطرف المناخي والنُدّرة المُطلقة للمياه، التي ستؤدي في العقدين المقبلين...

تطور المناخ في الجزائر وآثاره

في المغرب العربي، وتحديداً في الجزائر، يُظهِر تغير المناخ الأخير أن الاحتباس الحراري أكبر من المتوسط ​​العالمي. إذا كان ارتفاع درجة الحرارة على المستوى العالمي في القرن العشرين هو 0.74...