تناقضات وانتهازية يفضحها التشهير بقاضيات تونسيات

لا تزال النساء في تونس عُرضة للترهيب والنيل من السمعة، ولا يزلن صيداً سهلاً في خضمّ صراعاتٍ سياسية، دون مساءلة أو حساب. وقد طال الخطر هذه المرة قاضيات جرى التشهير بهنّ في اتهامات شخصية، من طبيعة جنسية، بينما تمتلك تونس قوانيناً من المفترض أن تكفل حماية كاملة للنساء. وتشكّل القاضيات حوالي نصف العدد الإجمالي للقضاة في تونس..
2022-07-01

منى علي علاّم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
قاضيات تونسيات

تونس تعود إلى الوراء. ليس فقط على مستوى ديمقرطية الحكم التي وجّه إليها الرئيس الحالي قيس سعيد - المنتخب ديمقراطياً !!- ضربات متتالية أدّت لاستحواذه على السلطات في إطار التدابير الاستثنائية التي أعلنها في 25 تموز/ يوليو 2021، ولكن أيضا على مستوى وضعيّة المرأة التونسية التي طالما اعتُبرت الأكثر تمتعاً بالحقوق مقارنة بنظيراتها العربيات، مثلما اعتُبرت تونس خلال السنوات الأخيرة وبعد انتفاضات 2011 البلد الديمقراطي الوحيد في محيطه العربي. وقد بات التشهير بنساء في مناصبَ عامة بتهمة الزنا وسيلة تتخذها أجهزة الدولة لتحقيق مكاسب سياسية أو لضرب خصوم وتطويع مؤسسات، وهو ما تعرّضت له قاضيات تونسيات مؤخراً.

مقالات ذات صلة

في الأول من حزيران/ يونيو وأثناء رئاسته اجتماعاً لمجلس الوزراء بقصر قرطاج، أعلن الرئيس التونسي بمقدّمة بلاغية تعديل المرسوم الذي كان قد أصدره بخصوص المجلس الأعلى المؤقت للقضاء (الذي استحدثه وعيّن أعضاءه بعد أن حلّ المجلس الأعلى للقضاء، وهو مجلس منتخب) وإصدار أمر رئاسي بإعفاء مجموعة من القضاة من أجل "تطهير كامل القضاء" مؤكداً أنه "تمّ النظر في كلّ الملفات من أكثر من مصدر حتى لا يُظلم أحد وتم التدقيق والتمحيص لأسابيع طويلة" وأنه "لا نتدخل أبداً في القضاء ونرفض أيّ تدخل مهما كان مصدره"، ولكن ما أسماه "الواجب المقدس" يقتضي "اتخاذ هذا القرار حفاظاً على السلم الاجتماعي وحفاظاً على الدولة، مع التقدير الكامل للقضاة الشرفاء".

اتباع سياسة الاستضعاف والوصم والمساومة على الكرامة مع القاضيات، كونهن نساء، يجعل القاضية في وضع ابتزاز أو تهديد بالتشهير مما يؤثر على استقلالية قراراتها في القضايا التي تنظر فيها. 

لم يذكر الرئيس التونسي الأسماء ولكنه أخذ يسرد الأسباب وراء إعفاء هؤلاء القضاة والتي تمثلت في: تغيير مسار قضايا، فساد مالي، ارتشاء، ثراء فاحش، عدم الحياد، تجاوز الصلاحيات، توجيه الأبحاث، خرق الإجراءات، تعطيل تتبع ذوي الشبهة في ملفات إرهابية، الإثراء غير المشروع، تعطيل مرفق العدالة وحسن سير القضاء، السعي إلى حماية ذوي الشبهة في قضايا إرهابية من المساءلة والتتبع الجدّي، استغلال نفوذ، فساد أخلاقي، التصدي للقيام بتحريات أمنية، تحرّش بقاضيات، الضبط بحالة تلبّس في قضية أخلاقية ("احتراماً للقضاء وليس للمعنيّة بالأمر")، تعطيل عمليات مداهمة وتفتيش، الضبط بحالة تلبّس في قضية أخلاقية.. في قضية زنا، جلسات خمرية مع عناصر مشبوهة..

وقد نُشِر الأمر الرئاسي في الجريدة الرسمية متضمّناً أسماء 57 قاضياً بينهم 7 نساء. وتحولت صفحات فيسبوك إلى ساحة لنشر العديد من الوثائق المتعلقة بالقضاة المعزولين وبينها محاضر وشكايات شرطية وقضائية تتعلق بثلاث قاضيات في قضايا زنا، وقد نلن التركيز الأكبر. وكان النشر حولهن قد بدأ قبل أشهر على صفحات فيسبوكية استخدمت أوصافا مثل "القاضية الزانية" مع إيراد تفاصيل أخرى عن تورط في فساد أو استغلال نفوذ أو ربط القاضية بشخصيات سياسية معارضة.. داعية الرئيس لـ"أخذ موقف" في ظل تستّر القضاء. وازداد النشر كثافة بعد إعلان القرار الرئاسي وخروج إحدى القاضيات للردّ ونفي الاتهامات. وجرى تداول صور وفيديوهات مخلّة. وضمن الوثائق الرسمية المسرّبة تقرير صادر عن مستشفى حكومي لفحص طبي (مهبلي) خضعت له قاضية ومؤرّخ في كانون الأول/ ديسمبر 2020. وتوالت تعليقات المعلّقين المسيئة والمتهكّمة في حق القاضيات.

في مواجهة القرار الرئاسي بالإعفاء تحرّك القضاة وأعلنت "تنسيقية الهياكل القضائية" التي تضم "جمعية القضاة التونسيين" و"جمعية القاضيات التونسيات" و"جمعية القضاة الشبان"، وغيرها من الكيانات، تعليق العمل بكافة المحاكم العدلية والإدارية والمالية والمؤسسات القضائية لمدة أسبوع تم تمديده لاحقاً، مسجِّلين احتجاجهم على "إعفاء 57 قاضياً مباشرة من رئيس الجمهورية ودون كفالة الحد الأدنى من حقّ الدفاع ومبدأ المواجهة مع حرمان القضاة المعفيين من حق الطعن بما شكّل اسباحة للأعراض والأرزاق وإلغاء كافة مقومات استقلال القضاء والقضاة وتقويضاً لضمان الحقوق والحريات وترويعاً لكامل الجسم القضائي".

"أذرع وأجهزة أمنية تقف وراء صفحات التشويه والسحل الإلكتروني وتستهدف ليس فقط القضاة ولكن كل الطبقة المدنية والسياسية وحتى المواطن البسيط إذا أبدى رأياً مخالفاً. والتشهير بالقاضيات في خصوصياتهن وفي حرمة أجسامهن خطير ومخيف. وخروج شهادات طبية تتعلق بأخص الخصوصيات، وهي وثائق تملكها وزارتي الداخلية والعدل، دون فتح تحقيق في كيفية تسريب هذه الوثائق، يعني تغطية لهذا الأمر وقبولاً به".

نال التشهير بالقاضيات تحرّكاً وتنديداً خاصين من قبل القضاة والمنظمات النسوية والحقوقية، وأصدرت جمعية القاضيات التونسيات "بيان مساندة وردّ اعتبار" اعتبرت فيه "ما تتعرض له الزميلات من تشهير ورمي بالزنا مظهراً من مظاهر الانحطاط الأخلاقي في المجتمع وتكريساً للقوالب النمطية الأخلاقوية في التعامل مع النساء بوجه عام والقاضيات بوجه خاص".

وكانت إحدى القاضيات قد خرجت في مؤتمر صحافي نظّمه القضاة في أعقاب القرار مدافِعة عن نفسها ومؤكدة أن لا شيء يشوب ملفها المهني كقاضية طوال مدة عملها، وبغض النظر عن التفاصيل التي حكتها عن الواقعة، فقد اعتبرت نفسها "كبش فداء" لتشويه القضاء من خلالها وتبرير حلّ المجلس الأعلى للقضاء، حيث ظلت "ماكينة المدونين" تكتب عنها بشكل يومي "كل يوم كل يوم المدونين تكتب عني بيها عليها دمروا لي حياتي دمروا لي عيلتي". وقالت إنها اضطرت تحت الضغط لعمل اختبار طبي لتأكيد عدم وقوع علاقة جنسية "عملت الاختبار بش نثبت براءتي" وذلك بعد مداهمة المنزل وتفتيشه ومباشرة الإجراءات، وإنه قد صدر حكم قضائي في الواقعة بعدم سماع الدعوى "ولكن الأحكام القضائية لا تُرضي الساسة"، مطالبة رئيس الجمهورية بالتحرّي قبل اتخاذ القرارات.

تقول المحامية فاتن بن الأمين إن صدور حكم قضائي بعدم سماع الدعوى يعني البراءة من التهمة المنسوبة وعدم توافر الأركان القانونية للجريمة محلّ الإحالة، أي أن الجريمة غير ثابتة لا من الناحية الواقعية ولا من الناحية القانونية، وإن ظلّ القرار قابلاً للاستئناف من قبل المتضرر/ة وهي هنا الزوجة كما نصّ القانون في جريمة الزنا بشكل خاص. وإن إجراء فحص طبي في قضايا الجرائم الجنسية سواء كان فحص عذرية أو فحص شرجي هو أمر غير منصوص عليه في القانون، وهو ليس حقاً للجهات القضائية أو الشرطية، ولكن يمكن القول إنه اجراء معتاد يمارَس بصورة روتينية من جانب الشرطة بعرضها المتّهمين على هذا الفحص. وإن هناك العديد من الجمعيات النسوية والحقوقية تطالب بإيقاف العمل بهذا الإجراء لما فيه من المسّ من الحرمة الجسدية للإنسان. وتضيف أنه في جرائم الزنا تلجأ النساء لطلب عرضها على الفحص الطبي بطريقة إرادية لإثبات عدم وقوع علاقة جنسية بها إيلاج وهو أحد أركان جريمة الزنا في القانون، باعتبار أن هذا سيكون لفائدتها وتبرئة لها، خاصة أنه في بعض الأحيان يُعتبر عدم قبول المتهم بالفحص الطبي عندما يقع عرضه عليه قرينة إدانة ضده، وهذا أمر مخزٍ على حد وصفها.

وتضيف المحامية التونسية أن رئيس الجمهورية تدخّل بعد وجود شبهات وشكايات حول بعض القضاة دون فصل فيها من جانب الجهات القضائية، الإ أن قراره هذا ينافي مباديء قانونية أساسية مثل مبدأ حفظ حق كل متهم في الدفاع عن نفسه قبل أن يتلقّى العقوبة، ومبدأ شخصية العقوبة في حين أن القرار كان جماعياً، ومبدأ ملاءمة العقاب مع الجريمة بينما وقع العزل على جرائم متفاوتة (في حالة ثبوتها). وتقول إنه بوجه عام لا يمكن تكوين رأي قانوني أو موضوعي في أي ملف اعتماداً على ما ينشر على فيسبوك لأنه لا ينقل المسائل بموضوعية، وهو ما خبرته شخصياً من خلال قضايا عملت عليها سابقاً، وإن حملات التشويه عبر وسائل التواصل الاجتماعي هي في كل الأحوال جريمة أخلاقية وقانونية لأن المتهم قد يتمكن من إثبات براءته ولكن لن يعاد له ما لحق به من ضرر مادي ومعنوي، وإن هذا أسلوب تتبعه أيضاً أحزاب معارِضة.

وفي مقابلة مع إذاعة محلية قالت روضة القرافي الرئيسة الشرفية لجمعية القضاة إن أذرع وأجهزة أمنية تقف وراء صفحات التشويه والسحل الإلكتروني تستهدف ليس فقط القضاة ولكن كل الطبقة المدنية والسياسية وحتى المواطن البسيط إذا أبدى رأياً مخالفاً. ووصفت التشهير بالقاضيات في خصوصياتهن وفي حرمة أجسامهن بالوضع الخطير والمخيف. وإن خروج شهادات طبية تتعلق بأخص خصوصيات المواطن التونسي وهي وثائق تملكها وزارة الداخلية ووزارة العدل، دون فتح تحقيق في كيفية تسريب هذه الوثائق يعني تغطية لهذا الأمر وقبولاً به. وإن اتباع سياسة الاستضعاف والوصم والمساومة على الكرامة مع القاضيات كونهن نساء يجعل القاضية في وضع ابتزاز أو تهديد بالتشهير مما يؤثر على استقلالية قراراتها في القضايا التي تنظر فيها.

وفي مسألة إعفاء القضاة بوجه عام قالت إن القائمة تضم قضاة مشهوداً لهم بالاستقامة والنزاهة ولكنهم تمسكّوا بتطبيق القانون بصورة حيادية ومهنية وباستقلالية القرار القضائي، بخلاف ما يراه رئيس الجمهورية في قضايا ذات صلة بالصراع السياسي الجاري في البلاد. وإن عزل القضاة بناء على قرار من رئيس الجمهورية تحت تعبيرات مطّاطة صار يُنصّ عليها رسمياً في المراسيم مثل "المصلحة العليا للوطن"، أو تحت شعار محاربة الفساد هو سابقة في تاريخ تونس ولا يمكن أن يكون طريقة مقبولة للمحاسبة أو لإصلاح أي مؤسسة، واصفة القرار بأنه "إعدامات مهنية" لهؤلاء القضاة بإحالتهم على محاكم جزائية تستغرق سنوات طويلة للبتّ، وما يحدث بأنه "خسارة فادحة وكبرى" لهامش الاستقلال الذي تمتع به القضاء التونسي طوال 10 سنوات ماضية، بما يحوّل القضاة إلى "خدم" لرئيس الجمهورية، وتصبح وزارة الداخلية هي الحاكمة على القضاء من خلال التقارير الأمنية التي تُكتب في القضاة، على حد قولها.

ويتصدّى القانون التونسي (عدد 58 لسنة 2017) لكلّ أشكال العنف ضد المرأة "بالوقاية وتتبّع مرتكبيه ومعاقبتهم وحماية الضحايا والتعهد بهم". ويعرّف هذا القانون العنف ضد المرأة بأنه "كل اعتداء مادي أو معنوي أو جنسي أو اقتصادي ضد المرأة أساسه التمييز بسبب الجنس والذي يتسبب في إيذاء أو ألم أو ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة، ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان من الحقوق والحريات، سواء في الحياة العامة أو الخاصة". ويشمل العنف المادي، والجنسي، والسياسي، والاقتصادي، والمعنوي الذي عرّفه القانون بأنه "كل اعتداء لفظي كالقذف والشتم أو الإكراه أو التهديد أو الإهمال أو الحرمان من الحقوق والحريّات والإهانة والتجاهل والسخرية والتحقير وغيرها من الأفعال أو الأقوال التي تنال من الكرامة الإنسانية للمرأة أو ترمي إلى إخافتها أو التحكم فيها". ويعاقب القانون في فصله السابع عشر بخطيّة (غرامة) من خمس مئة دينار إلى ألف دينار كل من يعمد إلى مضايقة امرأة في فضاء عمومي، بكلّ فعل أو قول أو إشارة من شأنها أن تنال من كرامتها أو اعتبارها أو تخدش حياءها".

هي "إعدامات مهنية" لهؤلاء القضاة بإحالتهم على محاكم جزائية تستغرق سنوات طويلة للبتّ. وما يحدث "خسارة فادحة وكبرى" لهامش الاستقلال الذي تمتع به القضاء التونسي طوال ال 10 سنوات ماضية، بما يحوّل القضاة إلى "خدم" لرئيس الجمهورية، وتصبح وزارة الداخلية هي الحاكمة على القضاء من خلال التقارير الأمنية التي تُكتب في القضاة.

تمتلك تونس إذاً قوانين من المفترض أن تكفل حماية كاملة للنساء، ويرأسها حالياً رئيس مدني منتخب ديمقراطياً وهو في الأصل أستاذ في القانون، عيّن لأول مرة في تاريخ البلد امرأة في منصب رئاسة الحكومة وهو ما حظي باحتفاء كبير وقتها، كما تتولى نساء عدةَ حقائب وزارية من بينها وزارة العدل، وتشكّل القاضيات حوالي نصف العدد الإجمالي للقضاة في تونس.. لكن لا تزال النساء هناك عُرضة للترهيب والنيل من السمعة، لا يزلن صيداً سهلاً في خضم صراعات سياسية، دون مساءلة أو حساب. 

مقالات من تونس

أيام قرطاج السينمائية: سجاد أحمر يحجب الشاشات ويغطي الأزمات..

لم يتعلق الجدل في هذه الدورة بجودة الأفلام المعروضة أو مصداقية الجوائز الممنوحة أو حالة قاعات السينما التي عُرضت فيها، بل تركز أساساً حول حفلي الافتتاح والاختتام والبهرج الذي رافقهما،...

تونس: قانون انتخابي ملغّم

قد يفتح التقسيم الانتخابي الجديد للبلاد باب الشيطان. فتقسيم المحافظة إلى دوائر صغيرة قد يكون مدخلاً لخلق قوى سياسية أو بالأحرى اقطاعيات سياسية جديدة كالعروش والعائلات الكبيرة المتنفذة، "تعوّض" الأحزاب...

للكاتب نفسه